عرض/محمد بن المختار الشنقيطي
كلما اقترب شهر رمضان المبارك ثارت أسئلة فقهية وعملية حول رؤية الهلال، وبدأ الجدل والمراء المنهي عنه شرعا حول الأمور التعبدية المتعلقة ببداية الشهر ونهايته.

وأكثر المسلمين عرضة لهذا الجدل المفرِّق هم المسلمون المقيمون في الغرب، بحكم اختلاف خلفياتهم الفقهية والثقافية، وعدم رجوعهم إلى سلطة مسلمة تجمعهم، وارتباط أكثرهم بما جرى به العمل في هذا الشأن بمواطنهم الأصلية، وقد رأيتُ وعايشت جوانب غريبة من ذلك خلال عشرة أعوام من المقام في الولايات المتحدة.

- الكتاب: تحديد أوائل الشهور القمرية.. رؤية علمية شرعية
- المؤلف: مصطفى عبد الباسط أحمد
- الصفحات: 136
- الناشر: الأكاديمية الإسلامية للبحث العلمي، بنسلفينيا/الولايات المتحدة الأميركية
- الطبعة: الأولى 2003

بيد أن كتاب د. مصطفى عبد الباسط أحمد "تحديد أوائل الشهور القمرية.. رؤية علمية شرعية" يقدم رؤية رصينة في هذا المضمار جديرة بالاعتبار، وهي رؤية تدعو -بجرأة فكرية ورصانة علمية- إلى التخلي عن منهج رؤية الهلال، وهو منهج ظني غير منضبط، واستبداله بمنهج الحساب الفلكي اليقيني في تحديد أوائل وخواتم الشهور القمرية.

ومؤلف هذا الكتاب -لمن لا يعرفه- أكاديمي متمرس بتاريخ التشريع الإسلامي، وخريج جامعة أوهايو الأميركية بامتياز. وهو يترأس منذ أعوام مديدة "منظمة التعليم الإسلامي" و"الأكاديمية الإسلامية للبحث العلمي" بولاية بنسلفينيا الأميركية. كما أنه أستاذ بالجامعة الأميركية المفتوحة.

وقد ألف د. مصطفى أحمد عدة كتب، منها باللغة العربية: "المبادئ العلمية لتحديد اتجاه القبلة"، و"مناهج تحقيق السنة عند الفقهاء وعند المحدثين"، ومنها بالإنكليزية: "السياق التاريخي لابن تيمية ومشروعه الإصلاحي"، و"قصص القرآن وصلته بالقصص العربي في العصر الوسيط".

جمع د. مصطفى أحمد في كتابه بين العرض العلمي الدقيق والتأصيل الشرعي الرصين، فشرح بلغة علمية يفهمها الفقهاء النظامَ الفيزيائي للكون في ضوء ما توفره التكنولوجيا الحديثة من معلومات وافرة ودقيقة، بما في ذلك موقع القمر على الخريطة الكونية، ونظام حركته وصلته بالأرض والشمس، معرِّجا على بعض مخترعات واكتشافات علماء المسلمين الأقدمين في هذا المضمار.

ثم شرح بلغة فقهية يفهمها العلماء النصوص الشرعية التي اعتمد عليها الفقهاء بمختلف مشاربهم ومذاهبهم في رؤيتهم لتحديد بداية الشهور القمرية، مقدما رؤيته الفقهية العلمية مختصَرة ومعتصَرة من كل ذلك، بنفَس اجتهادي جريء، وحرص عملي على حل هذه المعضلة حلا نهائيا وإلى الأبد.

الرؤية مجرد وسيلة
ويمكن تلخيص الأساس النظري للرؤية الفقهية المبسوطة في هذا الكتاب في أمرين:

أولهما: التمييز بين الغاية وهي العبادة وبين الوسيلة وهي الرؤية، فليست رؤية الهلال أمرا تعبديا حتى يستحق كل هذا الجدل والاهتمام، وإنما هي وسيلة ظرفية تدخل في باب العاديات.

وقد شدد المؤلف على ألا تكون كيفية تحديد بداية الشهور القمرية قضية تنازع أو خلاف بين المسلمين، إذ لا نزاع أصلاً بشأن الجوانب التعبدية للقضية، ألا وهي النسك والشعائر المرتبطة بها، كوجوب صوم شهر رمضان لمن يدركه الشهر، أو وجوب الزكاة بحلول الحول، وأداء مناسك الحج في أشهر معلومات.

"
رؤية الهلال مجرد رخصة انبنت على عجز الناس في العصر النبوي عن استخدام الحساب الفلكي المعقد، كما بينه الحديث: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب"، وهي رخصة تزول بزوال علتها
"
وأما تحديد متى تبدأ الشهور على وجه اليقين فهذه مسألة علمية تتفاوت قدرات الناس في إمكانية تحديدها بتفاوت علومهم ومعارفهم، التي تتفاوت بدورها من قوم إلى قوم، ومن عصر إلى عصر.

ونظير هذا الأمر –يقول المؤلف- تحديد اتجاه القبلة على سطح الأرض، إذ لا نزاع بين المسلمين في وجوب تولية الوجه شطر المسجد الحرام في الصلاة. وأما تحديد جهة القبلة وكيفية تحديدها على سطح الأرض الكُرَويّ فهذه مسألة علمية يبينها المختصون، ويتفاوت الناس حولها دقةً وخطأً بحسب علمهم وجهدهم.

وثانيهما: أن رؤية الهلال مجرد رخصة انبنت على عجز الناس في العصر النبوي عن استخدام الحساب الفلكي المعقد، كما بينه الحديث: "نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب". وهي رخصة تزول بزوال علتها.

فالنصوص الشرعية وجَّهت إلى اعتماد الحساب لمعرفة منازل الشمس والقمر، وجاءت الرخصة بالتوجيه إلى الرؤية والمشاهدة لمن يجهل الحساب، وقد أصبح العمل بهذه الرخصة منتفيا في حق الناس جميعا اليوم لعلمنا القطعي بالحساب، وليسر وسائل الاتصال التي تنقل المعلومات آنيا إلى أهل الأرض جميعا.

ومما يزكي هذا الطرح أن من بين علماء السلف في عصر التابعين من ذهب إلى أن الأخذ بالحساب هو خطاب الشارع لأهل العلم به، وأن المشاهدة أو إتمام الشهر ثلاثين هي في حق العامة.

ولم ينس المؤلف أن يعضِّد رؤيته الفقهية هنا برؤى بعض العلماء المعاصرين. ومن هؤلاء الشيخ أحمد شاكر الذي كان سباقا إلى القول بأن تحديد أوائل الشهور القمرية وإثبات الأهلة إنما يتحدد في العصر الحديث بالحساب وحده، وأما الرؤية للهلال فهي رخصة في حق من يستعصي عليهم العلم بالحسابات الفلكية.

ولقد تحرر الشيخ شاكر كلية من اشتراط استمرارية الهلال في الأفق بعد غروب الشمس لفترة تمكِّن من مشاهدته، واعتمد ميلاد الهلال أساسا لبداية الشهر سواء قدر الناس على رؤيته أم لا.

ومنهم شيخنا الدكتور يوسف القرضاوي الذي أكد أن الحساب وسيلة عملية لتحقيق هدف الشارع، وأنه قد أصبح الآن ميسورا وأبعد عن احتمالات الخطأ والوهم والكذب الواردة على المشاهدة البصرية، وأنه قد بلغ درجة القطع واليقين بما يمكن أن تجتمع عليه الأمة ويرفع الخلاف الدائم في الصوم والفطر والأعياد. فيجب الأخذ به وسيلةً لإثبات الشهور، ويجب قبوله من باب قياس الأوْلى.

"
من فوائد هذا المنهج أنه يدفع عن المسلمين سوأة اتهامهم بالجهل والتخبط، واتهام فقهائهم بالعجز عن إدراك المعطيات العلمية لعصرهم التي أصبحت في حكم البديهيات
"
خط التاريخ القمري
ويميز د. مصطفى أحمد تمييزا على قدر كبير من الأهمية العملية بين نوعين من الحساب الفلكي، أحدهما متعلق بتحديد ميلاد الشهر الجديد فلكيا، والثاني متعلق بتحديد إمكانية مشاهدة الهلال في موضع ما، وفي وقت ما.

فالأول نتائجه قطعية يقينية لا تباين بين الفلكيين بشأنها، وأما الثاني فإن تفصيلاته تتباين، كما أن نتائجه يلازمها هامش كبير من احتمال الخطأ.

ونهج الحساب الذي يعتمده د. مصطفى فقهيا وعلميا هو النوع الأول، وفيه تعتبر بداية الشهر على أساس ميلاد الشهر الجديد فلكيا، لا على إمكان رؤية الهلال. وفي ضوء هذه الرؤية الفقهية يبدأ الشهر الجديد في لحظة واحدة، وفي حق أهل الأرض جميعا.

ويتسم المنهج الذي يدافع عنه المؤلف هنا، وقد سماه "خط التاريخ القمري الفلكي" Astronomical Lunar Date Line) (ALDL، بالوضوح وسهولة التطبيق. فعند خط طول معين على سطح الأرض يكون وقت ميلاد الهلال الجديد قبل دخول الفجر في ذلك الموقع -سواء أكان ذلك في النهار أو في الليل- فيبدأ الناس من فجر ذلك اليوم نسكهم. ومن ذلك الموضع غربا يكبر هلال الشهر.

وبهذا فإن الناس جميعا -على سطح الأرض قاطبة- يبدؤون الشهر القمري الجديد في لحظة واحدة، فمن كانت تلك اللحظة عندهم ليلا قبل الفجر يبدؤون صومهم أو عيدهم من ذلك اليوم، ومن كانت هذه البداية نهارا فيكون صومهم أو عيدهم من الفجر التالي. وقد يختلف اسم اليوم بسبب اختلاف التوقيت عبر العالم.

فوائد عملية
ومن الفوائد العملية المترتبة على اتباع هذا المنهج وضوح الشهور القمرية، ومعرفة بداياتها ونهاياتها على وجه اليقين سلفا، كما هو الشأن في الأشهر الشمسية تماما، مما يحقق الوحدة بين المسلمين، ويجمع كلمتهم، ويعينهم على نشر بيانات أعيادهم قبل حلولها بأمد طويل، ويعينهم ويعين جهات عملهم على معرفة عطلاتهم والتخطيط لها بصورة يقينية. كما ييسر المعاملات التجارية والعلاقات الدولية على المستوى العالمي بسبب العلم المسبّق بأيام العمل وأيام العطلات.

ومن فوائده كذلك أنه يدفع عن المسلمين سوأة اتهامهم بالجهل والتخبط، واتهام فقهائهم بالعجز عن إدراك المعطيات العلمية لعصرهم التي أصبحت في حكم البديهيات. فكيف يجهل فقهاء المسلمين متى يبدأ القمر دورته في زمن انطلق فيه الإنسان إلى القمر وهبط على سطحه، حاسبا بدقة مكان أقرب نقطة يلقاه فيها ليتجه بمركبته نحوها؟

"
علماء المسلمين في علوم الفلك والفيزياء والرياضيات كانت لهم الريادة العلمية للبشرية جمعاء، ولا تزال معارفنا الحديثة تدين لهم بالفضل
"
على أن المؤلف يؤكد أن تبنيه لهذا المنهج لم ينطلق من محاولة لتحقيق هذه المصالح العملية -رغم شرعية ذلك- وإنما من رؤية فقهية تأصيلية بسطها في الكتاب، ولكن تحقيق هذه المصالح هو من نتائج تبني هذا النهج وثماره.

وأخيرا يبين المؤلف في موقف استحثاث للهمم أن علماء المسلمين في علوم الفلك والفيزياء والرياضيات كانت لهم الريادة العلمية للبشرية جمعاء، ولا تزال معارفنا الحديثة تدين لهم بالفضل.

ولقد كان من أهم أسباب نهضتهم توجيهات النصوص الشرعية وتطبيقاتها العملية، فلا يجمُل بنا اليوم أن ننكص عن إتمام مسيرة التقدم الذي بدؤوه، أو التخلي عن قطف ثمار العلوم التي غرسوا بذورها، بما في ذلك معرفة بدايات الشهور القمرية على أساس الحساب الفلكي، وقد قال به بعضهم منذ عصور مبكرة ترجع إلى نهايات القرن الأول الهجري.

لقد قدم د. مصطفى عبد الباسط أحمد خدمة جليلة للإسلام وللمسلمين في جميع أرجاء الأرض بهذه الدراسة التي لا تزال مضامينها طرية رغم مرور أعوام على نشرها. وهي دراسة قيمة لا يُغني التلخيص عن قراءتها كلها.

ورجاؤنا أن تطَّلع عليها المجامع الفقهية والسلطات الدينية في الدول الإسلامية، لعل ذلك يكون بداية رجوع إلى شيء من الدقة والنظام في تطبيق شعائر الإسلام، وهي شعائر عانت كثيرا من فوضى المجتمعات المسلمة المعاصرة التي آثرت الظن على اليقين في أمر الأهلّة، رغم أن بناء الأحكام على الظن إنما هو رخصة يؤخذ بها حين يتعذر اليقين.. وصدق الله العظيم إذ قال "وإن الظن لا يغني من الحق شيئا".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك