عرض/ الحسن سرات
أصاب الكاتب والصحافي والشاعر المغربي إدريس الكنبوري في اختيار عنوان كتابه حول روبير ريشار أنطوان "أمير" إحدى خلايا القاعدة المعتقل حاليا بالمغرب والمحكوم عليه بالسجن المؤبد.

"سلفي فرنسي في المغرب.. رحلة الأمير التائه من بيشاور إلى طنجة" كتاب بناه مؤلفه اعتمادا على حوار طويل مع المعتقل في سجنه، ورسم فيه مسار رحلتين اثنتين، رحلة مكانية من فرنسا إلى تركيا وأفغانستان فالمغرب، ورحلة نفسية بدأت باعتناق الإسلام ومرت بالانخراط في صفوف القاعدة ثم انتهت بالانقلاب عليها والتحول إلى انتقادها، بل ومعاداتها.

-الكتاب: سلفي فرنسي في المغرب (رحلة الأمير التائه من بيشاور إلى طنجة)
-المؤلف: إدريس الكنبوري
-عدد الصفحات: 165
-الناشر: منشورات دار أبي رقراق, الرباط, المغرب
-الطبعة: الأولى/ 2009
وفي الرحلتين محطات ومنعطفات كثيرة، كما أن فيها زوايا غامضة حاول الكاتب تسليط الضوء عليها، أهمها ثلاثة أسئلة، أولها هل أدى المتهم دوره وانتهى الأمر بعد اعتقاله في جناح سجناء الحق العام بأحد سجون المغرب؟ والثاني هل الرجل لم يعد يشكل أية أهمية؟ والثالث هل ضخم ملفه أكثر من اللازم؟

وأقر الكاتب بأن الموضوع شائك والأرض التي يسير فيها زلقة بسبب تداخل السياسي والأمني والديني والداخلي والخارجي، لكنه يفتخر بأنه أول كتاب من نوعه يتحدث عن هذه الحالة الوحيدة والفريدة بالعالم العربي والمغرب.

أضاف أن روبير ريشار أنطوان أول أجنبي أسلم والتحق بالقاعدة، التي أرادت أن تضرب الغرب بمقاتلين من أبنائه ذوي العيون الزرق والشعور الشقراء.

الإسلام والفاتيكان والمخابرات
يفضل الكاتب أن يتوقف في بداية كتابه عند ظاهرة اعتناق الغربيين للإسلام، وخاصة انخراط فتيان منهم في صفوف القاعدة، ويصف هذا الاعتناق وهذا الانخراط بأنه أشبه ما يكون بـ"رمال متحركة في جغرافيا العنف"، فإذا كان إسلام الغربيين مسألة محيرة للفاتيكان جعلها في صلب اهتماماته ودراساته، فإن قتالهم مع القاعدة ضد "الصليبيين الجدد" أثار المخاوف في صفوف المخابرات الغربية والعالمية "فاستفاقت على حقيقة جديدة هي الإمكانية المفتوحة باستمرار لتحول الغربيين الذين اعتنقوا الإسلام إلى قنابل موقوتة قابلة للانفجار".

أما القاعدة والجماعات الإسلامية المماثلة لها فوجدت في تزايد اعتناق الغربيين للإسلام مصدرا هاما للتجنيد في صفوفها، لأنهم، حسب الباحثة الألمانية ميلينا أولهمان في دراستها "اعتناق الإسلام في أوروبا والإرهاب"، "يضمنون تجنيدا جيدا" لعيشهم في مجتمعات غربية ولمعرفتهم بالقواعد غير الرسمية ولتمتعهم بالحرية في التحرك دون مشاكل أمنية ولا شكوك.

وقد أدركت القاعدة هذا الأمر فأشارت إليه في بيان يحمل توقيع التنظيم بتاريخ 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2005، فقالت مخاطبة أصحاب القرار الغربي إن "جنود القاعدة الجدد مجموعة من أبنائكم ولدوا في أوروبا من أبوين أوروبيين بل ونصرانيين، درسوا في مدارسكم ودخلوا مواقعكم، وعرفوا نفسياتكم، ودخلوا الكنسية وأقاموا قداس الأحد، وشربوا الخمور وأكلوا الخنزير واضطهدوا المسلمين".

لكن باهتدائهم للإسلام واقتناعهم بمشروع القاعدة نشأ جيل جديد من المقاتلين بعيون زرقاء وشعور شقراء وسحنات رومية.

الأمير التائه

"
دخول روبير أنطوان للإسلام كان من أشد الأبواب تشددا وتطرفا، وليس عن بحث معرفي مستفيض، فضلا عن استجابة للتشدد الذي رآه لحاجاته النفسية في مرحلة المراهقة والاحتجاج على مجتمعه ودولته وعلمانيتها
"
يرى الكنبوري أن الفرنسي روبير ريشار أنطوان هو أول شخص أجنبي من جنسية أوروبية يعتقل في دولة عربية وإسلامية بتهمة التحضير لعمليات إرهابية، ولذلك يعتبر نموذجا للمستقطبين الجدد إلى تنظيم القاعدة، بل وحالة فريدة لشخص أوروبي صار "أميرا" لإحدى المجموعات القتالية.

وروبير ريشار من مواليد عام 1972 بمدينة صغيرة مجاورة لمدينة سانت إيتيان، لكنه لم يستطع إكمال دراسته فانقطع ودخل مرحلة الانحراف والتشرد وهو لا يزال مراهقا. وما لبث أن دخل لمدرسة خاصة ليحصل على دبلوم في شعبة المحاسبة، واشتغل محاسبا في معمل للقطن ببلدته، ويبدأ رحلة جديدة في حياته ابتدأت باعتناق الإسلام على يدي شخصين من جنسية تركية يتبعان المذهب الحنفي، واختار "يعقوب" اسما جديدا له.

فكان دخوله للإسلام حسب الكاتب من أشد الأبواب تشددا وتطرفا، وليس عن بحث معرفي مستفيض، فضلا عن استجابة للتشدد الذي رآه لحاجاته النفسية في مرحلة المراهقة والاحتجاج على مجتمعه ودولته وعلمانيتها، حسب الباحث في علم الاجتماع الديني بجامعة مراكش المغربية الدكتور محسن الأحمدي.

فلم يكن انتماؤه للإسلام بقدر ما كان انتماءا لتيار سياسي معين وتجنيدا له باسم الإسلام. وهكذا بدأت رحلته الكبيرة نحو عدة بلدان وعواصم إسلامية مثل أفغانستان، خاصة معسكر خلدن، وإسطنبول وقونية، ثم المغرب حيث تزوج الزوجة الأولى واستعد للزواج بثانية، إلا أن إلقاء القبض عليه بسبب تفجيرات 16 مايو/أيار 2003 بالدار البيضاء حال دون إتمام الزواج الثاني، فأدخل السجن ليتفتح صفحة أخرى.

لعبة المخابرات
أثناء محاكمته، صرح السلفي الفرنسي بأنه كان يتعامل مع المخابرات الفرنسية، لكن هذه الأخيرة نفت ذلك نفيا سريعا وقاطعا، غير أن السلفي أضاف بعض المعطيات فقال إن شخصا يدعى لوك اتصل به قبيل تنظيم كأس العالم طالبا منه القيام ببعض التحريات حول الإسلاميين الجزائريين بفرنسا والإسلاميين عموما ببلجيكا.

لم يستطع الكنبوري الحسم في هذه النقطة وهل دخلت المخابرات الفرنسية على الخط لتجنيد السلفي الفرنسي لصالحها كما حدث مع حالات أخرى، لكنه رجح أن يكون الفرنسي قد فعل ذلك بدافع الحصول على نوع من الحماية الفرنسية له في المغرب خاصة وأن زوجته مغربية، ولو كانت فرنسية لتدخلت السلطات الفرنسية ولتحركت الجمعيات المدنية والحقوقية الفرنسية لإعادة محاكمته بالمغرب أو بفرنسا.

ثم إنه ظل يطالب بنقله إلى السجون الفرنسية لإتمام مدة سجنه في بلاده وكلف محاميا فرنسيا بالدفاع عنه للحصول على هذا المكسب.

الأحمادي الذي كتب مقدمة لكتاب الكنبوري، يرى أنه يصعب الحسم في ادعاء المعتقل أو في نفي المخابرات الفرنسية، مضيفا أن حالات أخرى كشف أمرها أظهرت أن المخابرات لها رجالها المندسون بين الخلايا الإرهابية والحركات المتطرفة، وتستطيع التحكم عن بعد فيها وتفجيرها في الأوقات والأماكن المناسبة لأغراض سياسية وإستراتيجية.

انقلاب في السجن

"
التحول عند أنطوان وقع في السلوك وفي الأفكار، فعلى المستوى السلوكي عاد الفرنسي إلى التدخين، وأما على المستوى الفكري فقد أصدر أنطوان وثيقة تحدث فيها عن الموقف من الحاكم ومن تنظيم القاعدة ومفهوم الجهاد ومسألة التكفير ومفهوم الولاء والبراء
"
وعندما قضى السلفي بضع سنوات في السجن، كان لا بد أن ينظر في رحلته ويراجع أفكاره ومواقفه كما وقع لكثيرين من قبله، فالسجن تجربة قاسية جدا تنتهي بالتحول، ويقر السلفي أنطوان بذلك قائلا "السجن كان تحولا كبيرا، وقد اكتشفت فيه أن كثيرا من السلفيين الذين كانوا ينادون بتأسيس دولة إسلامية يسرقون وليس لديهم أخلاق وسلوكات حسنة"، ثم قال غير بعيد "لقد تغيرت أفكاري لأنني عشت مع هؤلاء الشباب وكذك الشيوخ، فرأيت بأن الدولة الإسلامية التي يتحدثون عنها ليست موجودة عندهم هم أصلا، فقد كان مفروضا أن يظهر ذلك في السجون وأن تصبح جميع السجون مثالا في الحياة الإسلامية والتساوي والمحبة والأخوة والأخلاق الإسلامية، لكن الذي حصل هو الأصل، فهناك السرقة والكذب والشتم والنفاق".

التحول عند أنطوان وقع في السلوك وفي الأفكار، فعلى المستوى السلوكي عاد إلى التدخين، ويبرر ذلك بالضغط النفسي فيقول "سبب التدخين هو الضغط النفسي، فقد حرمت من حقوقي كفرنسي، وفي الوقت نفسه كان يتم إقحام اسمي في الصحف في ملفات لا علاقة لي بها، ثم إن العديد من السجناء من السلفيين في السجن يستعملون أدوية نفسانية مخدرة مثل "نوزينون" وأنا فضلت التدخين على أن أصبح مدمنا على المخدرات".

وأما على المستوى الفكري فقد أصدر أنطوان وثيقة تحدث فيها عن الموقف من الحاكم ومن تنظيم القاعدة ومفهوم الجهاد ومسألة التكفير ومفهوم الولاء والبراء مع إهمال الموقف من المذهب المالكي ومن مسألة إمارة المؤمنين. وفي تلك الوثيقة، يعلن الفرنسي عن رفضه للقاعدة في استهدافها للمدنيين وينادي بإعلان الحرب عليها لأنها أعلنت هي أيضا حربا مفتوحة على جميع الدول العربية المسلمة.

كما انتقد روبير ريشار التسيب والفوضى في إصدار الفتاوى لدى السلفيين وتحويل الكفر إلى ورقة يلوح بها في كل مناسبة بنوع من الاستسهال، وهو يرى أنهم "لم يحترموا العلماء ولا العلم الشريف عندما تجرؤوا على إصدار فتاوى تكفيرية كانت سبب الفتنة التي خربت ديار كثير من الدول الإسلامية، وتوشك أن تخرب الديار المغربية لولا يقظة السلطات الأمنية والمجتمع المدني".

لكن إدريس الكنبوري شكك في قدرة الفرنسي على صياغة الوثيقة، وهو لا يعرف في اللغة العربية ولا في العلم الشرعي الإسلامي شيئا، مرجحا أن يكون أبو حفص أحد رموز السلفية المعتقلين وراءها، خاصة وأن مضامينها تشبه وثيقة أخرى صدرت لأبي حفص عام 2007. كما يرجح أن يكون بعض المعتقلين السلفيين أرادوا جس النبض واختبار ردود الفعل بشأنها فكلفوا المعتقل الفرنسي بتبنيها تجنبا للإحراج.

خلاصة

"
الكاتب خاض في موضوع شائك ومتفجر هو الظاهرة الدينية وتوظيفها في المجال الأيديولوجي، وقد أفلح في "مغامرته" محتفظا بمسافة بينه وبين الموضوع
"
يرى الدكتور محسن الأحمادي أن الكنبوري خاض في موضوع شائك ومتفجر هو الظاهرة الدينية وتوظيفها في المجال الأيديولوجي، مضيفا أنه أفلح في "مغامرته" محتفظا بمسافة بينه وبين الموضوع.

لكن الموضوع في نظره يحتاج إلى دراسات وأبحاث سوسيولوجية تجيب عن تساؤلات كبيرة مثل "هل يعبر التطرف الديني عند هذه الشريحة من الشباب الفرنسي عن خلل ما في أساليب الاندماج الاجتماعي والتدين الفردي بشكل عام وعن تراجع في الحياة الدينية في المجتمعات التي أزاحت الدين من الحياة العامة؟ ولماذا التحول إلى الأشكال الدينية العنيفة وترك الأشكال التقليدية التي تنم عن موقف فردي مسالم في الوجود الاجتماعي؟".

وعلى أهمية التوظيف الأيديولوجي للإسلام في التوترات والمواجهات العالمية والقطرية، وهو توظيف تقوم به الحركات والحكومات على السواء، مستعينة بخبرائها ومنظريها ووسائل إعلامها، فإن وضع المخابرات لأصابعها في الموضوع لإمساك خيوطه والتحكم فيه عن بعد، لا يقل أهمية عن ذلك.

وهذا الجزء هو الأكثر غموضا لسريته وصعوبة الحصول على المعلومات الصحيحة فيه إلا بوثائق دامغة أو اعترافات نادرة، فكم من مخبر اعترف في لحظة صدق بأن رؤساءه المدبرين كلفوه بمهمة "قذرة" لتشويه صورة الإسلام والإسلاميين، وفبركة التهم لهم، بل وتدبير التفجيرات واتهامهم بها لقطع الطريق أمامهم وأمام دينهم.

وكم من عمليات سرية لا تظهر أخبارها إلا بعد قضاء المآرب منها وبعد مرور أزمان وأزمان بعد طول كتمان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك