عرض/عمر كوش
يهتم مؤلف هذا الكتاب بدراسة العلاقة الكائنة ما بين الفقر والفساد، بوصفهما ظاهرتين منتشرتين في مختلف أنحاء العالم، ويركز على انتشارهما في البلدان العربية، عبر التعرض لمختلف أشكال الفساد المالي والاقتصادي والسياسي والإداري.

-الكتاب: الفقر والفساد في العالم العربي
-المؤلف: سمير التنير
-الناشر: دار الساقي، بيروت، 2009
-عدد الصفحات: 159
-الطبعة: الأولى/2009
واعتبر أن الفساد تفاقم مع تصاعد سياسات الانفتاح الاقتصادي واتساعها, والنشاط المتزايد لرفع القدرة التنافسية للمنتجات, والذي ترافقه حركة الأموال, وحركة غسيل الأموال, المتصلة بالجريمة المنظمة.

ومؤلف الكتاب هو الدكتور سمير التنير، الأكاديمي والباحث الاقتصادي اللبناني، الذي يعمل خبيراً في الأمم المتحدة، وفي منظمة التنمية الصناعية (اليونيدو).

وأصدر عدة مؤلفات في العلوم الاقتصادية، منها: الإستراتيجية المستقبلية للاقتصاد اللبناني بعد الحرب ط2007، والتطورات النفطية في الوطن العربي والعالم ماضيا وحاضرا ط2006، والتكامل الاقتصادي وقضية الوحدة العربية ط1971 وتصميم أولي للمجمع الصناعي ط1978 وتطور السوق العربية المشتركة ط1976، وتنظيم وتطوير المشروع الصناعي ط1975.

أسباب الفقر
يرجع المؤلف ظاهرة الفقر في الوطن العربي إلى جملة من الأسباب والمتغيرات المعقدة على الصعيدين الداخلي والخارجي، حيث لم يطرأ أي تحسن في المؤشرات الخاصة بتوزيع الدخل والضمانات الاجتماعية، نظراً لأن برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية لم تنطلق من رؤى وحاجات داخلية، بل جاءت في سياق تنفيذ إستراتيجية اقتصادية، وضع أسسها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

وكان لتقلبات أسعار النفط الدور الأبرز في مجال الإنفاق الحكومي، وانعكست على النمو بشكل أفضى إلى تراجع دور الدولة في الشأن الاجتماعي.

والمقلق هو اتساع ظاهرة الفقر، كونه يرتبط بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية، إذ تعتبر السياسات الاقتصادية الموجهة لصالح الطبقة الغنية إحدى أهم آليات إنتاج الفقر، والسياسة النقدية التي تؤثر على سعر الفائدة هي أهم السياسات المسببة للفقر، باعتبار أن سعر الفائدة يؤثر في خفض الحوافز المرتبطة بالاستثمار سواء المحلي أو الأجنبي، ويسبب ذلك انخفاض الطلب على العمالة.

وقد ارتفع متوسط معدل البطالة في البلدان العربية إلى أكثر 15% كما أدى انخفاض النمو الاقتصادي العربي إلى ارتفاع معدل البطالة، حيث لم تتجاوز نسبة النمو 1.2%, وذلك في الفترة الممتدة من عام 1980 إلى العام 2000.

وأدت السياسات النقدية إلى ارتفاع معدلات التضخم، خاصة في البلدان العربية المنخفضة الدخل، مثل السودان واليمن والصومال وموريتانيا، وأثّر ذلك سلبياً على خفض القيمة الشرائية.

وأثّرت السياسات المالية للدولة، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، عبر آليات توزيع الدخل ومن خلال الضرائب المباشرة وغير المباشرة.

"
انتشار الفقر لا يقتصر على ندرة الموارد الطبيعية والسياسات الاقتصادية للدولة، بل يتوقف أيضاً على اتجاهات الاقتصاد العالمي والمتغيرات الخارجية المؤثرة على ظاهرة الفقر أو على الحد منها
"
وأفضت الأوضاع غير التنافسية إلى التطرف في توزيع الفائض الاقتصادي لصالح رأس المال دون الأجر، إضافة إلى أن تخصيص مبالغ هائلة للإنفاق العسكري أدى إلى تراجع الاهتمام بالرعاية الاجتماعية، وتراجعت دولة الرعاية الاجتماعية تبعاً لسياسات الإنفاق المتبعة، فضلاً عن أن الأزمات الاقتصادية في بعض البلدان العربية أفضت إلى هروب رؤوس الأموال الدولية، وأسهمت في إنتاج الفقر، بسبب انخفاض الطلب على العمل وتدني الأجور.

ويؤكد المؤلف على أن أسباب انتشار الفقر لا تقتصر على ندرة الموارد الطبيعية والسياسات الاقتصادية للدولة، بل تتوقف أيضاً على اتجاهات الاقتصاد العالمي والمتغيرات الخارجية المؤثرة على ظاهرة الفقر أو على الحد منها. ويرجع اتساع الفقر في البلدان العربية إلى تبني الدولة سياسات الليبرالية الجديدة.

ظاهرة الفساد
تُعرف منظمة الشفافية العالمية الفساد بأنه: "استغلال السلطة من أجل المنفعة الخاصة". أما البنك الدولي فيعرف الفساد بأنه "إساءة استعمال الوظيفة العامة للكسب الخاص".

وعليه فإن الفساد يحدث عادة عندما يقوم موظف بقبول أو طلب ابتزاز أو رشوة لتسهيل عقد أو إجراء طرح لمنافسة عامة، كما يتم عندما يعرض وكلاء أو وسطاء لشركات أو أعمال خاصة تقديم رشى للاستفادة من سياسات أو إجراءات عامة للتغلب على منافسين وتحقيق أرباح خارج إطار القوانين المرعية. كما يمكن أن يحصل الفساد عن طريق استغلال أو سرقة أموال الدولة مباشرة".

ويمكن تبيان آليتين رئيسيتين من آليات الفساد من خلال هذا التعريف، أولها آلية دفع الرشوة والعمولة إلى الموظفين والمسئولين في الحكومة وفي القطاعين العام والخاص مباشرة لتسهيل عقد الصفقات وتدبير الأمور.

أما الثانية فهي الرشوة المقنعة في شكل وضع اليد على المال العام والحصول على مواقع متقدمة للأبناء والأصهار والأقارب في الجهاز الوظيفي. وهذه الظاهرة هي الأكثر انتشاراً في البلاد العربية.

ويرى المؤلف أن عمليات الخصخصة، التي جرت في كثير من بلدان العالم، أدت إلى ظهور نوع جديد من الفساد هو التوجه لبيع أملاك الدولة بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية.

ويقع هذا النوع من الفساد في فئة الفساد "الكبير" الذي يخالف القانون والذي يحدث عادة في بلاد لا تحترم قوانينها، ويؤدي ذلك إلى تسرب الفساد إلى الجسم القضائي المؤتمن عادة على إحقاق الحقوق وضمان العدالة.

وبشكل عام، يمكن اعتبار الفساد ظاهرة اقتصادية واجتماعية وسياسية توجد في كل دول العالم، وإن كان الأمر متفشيا في البلدان التي يدعونها بالعالم الثالث حيث يتم الوصول إلى الحكم عادة بطرق غير مشروعة. ويتشخص الفساد في قيام السياسيين باستغلال مراكزهم من أجل المصلحة الخاصة، ويحصل الفساد عادة في خطوط التماس بين القطاعين العام والخاص.

"
عمليات الخصخصة، التي جرت في كثير من بلدان العالم، أدت إلى ظهور نوع جديد من الفساد هو التوجه لبيع أملاك الدولة بواسطة المسؤولين الحكوميين لتحقيق المصالح الشخصية
"
ويعتبر المؤلف أن مكافحة الفساد تقتضي الدعوة إلى إقامة الندوات والمؤتمرات حول هذا الموضوع الشائك والمعقد, ووضع الأبحاث والدراسات التي تفضح الطرق والأساليب الشيطانية التي يلجأ إليها المفسدون.

وهي أساليب مبتكرة في غالب الأحيان. وذكرت منظمة الشفافية الدولية على لسان رئيسها أن حجم الخسائر التي تلحق بالاقتصاد العالمي نتيجة انتشار ظاهرة الفساد بأشكالها المختلفة يقدر بأكثر من أربعمائة مليار دولار سنويا.

كما أوضح أن ظاهرة الفساد أصبحت من المظاهر الرئيسية التي تهدد جميع أشكال التطور التي يشهدها الاقتصاد العالمي, وتؤثر سلبا في مسيرة الدول الاقتصادية وسعيها لتحقيق أعلى معدلات النمو, ورأى أن الفساد في العديد من دول العالم ينطلق أحيانا من ضعف السلطة السياسية أو نتيجة إغفال تطبيق القوانين.

ويؤدي الفساد إلى نتائج سياسية واقتصادية في غاية الخطورة. فهو يؤدي أولاً إلى الانخفاض في مستوى الأداء الحكومي، ويشيع أجواء من عدم الثقة، وينشر الإحساس بالظلم، وتاليا يؤدي إلى تقويض الشرعية السياسية للدولة.

ويترافق الفساد مع تشوهات يوجدها المسؤولون أنفسهم، من أجل الحصول على "ريع" الفساد، الذي يؤدي إلى الأضرار بالنمو الاقتصادي وبالتنمية الاجتماعية.

ويتبدى كل ذلك في العقود التي تجريها الدولة مع الشركات والمقاولين، والتي تحمل في طياتها كل ألاعيب الغش. وتتجسد النتيجة السياسية الأولى للفساد بالتسبب في إضعاف الدولة وهيبتها، وعند ذاك تتهاوى الرقابة والمتابعة، وينتشر جو الفساد.

أما الحكم على مدى قوة أو ضعف الدولة فيمكن ملاحظته من مدى الغموض أو الشفافية في معاملات الدولة الاقتصادية، وفي مدى إتباع الإجراءات والنظم الموضوعة في التعيينات، وفي قصور أو فاعلية أجهزة الرقابة.

مفردة الفساد
يمكن أن تكون مفردة الفساد مضللة أحياناً، نظراً إلى حمولتها الأخلاقية، التي توحي بأن أصل الظاهرة يرجع إلى خراب ضمائر بعض الأفراد أو كثير منهم أو حتى كلهم.

لكن عند استخدام هذه المفردة ينبغي التركيز على الفساد بوصفه علاقة اجتماعية وسياسية، ويتصل بجملة موازين القوى الاجتماعية وعلاقات الطبقات ونمط التراكم المادي في المجتمع المعني.

وتؤكد الدراسات المتخصصة وجود علاقة قوية بين نسبة الإنفاق العسكري والفساد، أي أن الحكومات الأكثر فسادا تميل إلى الإنفاق العسكري الأكبر، بسبب انعدام الرقابة الفعالة على هذا النوع من الفساد.

"
يمثل الفساد الشر الأساسي الذي تنتجه أنظمتنا السياسية العربية الحالية، وهو يكشف عن وجهه القبيح في كل مكان، ويحدث آثاره المدمرة في مناطق عالمنا الفقيرة، حيث يدع الملايين من البشر أسرى البؤس والفقر والمرض
"
ويرى المختصون أن المتراكم من إجمالي الدخل القومي العربي للنصف الأخير من القرن العشرين (1950-2000) يقدر بنحو ثلاثة آلاف مليار دولار أي ( ثلاثة تريليونات دولار) ويقدر ما صرف على التسليح من هذا المبلغ بحدود ألف مليار دولار.

أما عملية إعمار البنى التحتية وما خصص للقطاعات الصناعية والزراعية والخدمية فقد استهلك بحدود ألف مليار دولار أخرى في الفترة ذاتها. أما الألف الثالثة فيقدر أنها ذهبت إلى أشخاص ومؤسسات عملوا وسعوا من أجل تسهيل وتسيير العمليات والأعمال المطلوبة للشقين الأولين. وهذا يعني إن صحت هذه الأرقام أن ثلث ثروة الأمة نهبت وحجبت عن مشروعات التنمية نتيجة الفساد.

ويسبب الفساد المزيد من الفقر وعدم العدالة في الحصول على وظائف الدولة، نظراً لعدم حصول طالبيها على الدعم المعروف المصدر.

ويمثل الفساد الشر الأساسي الذي تنتجه أنظمتنا السياسية العربية الحالية، وهو يكشف عن وجهه القبيح في كل مكان، ويحدث آثاره المدمرة في مناطق عالمنا الفقيرة، حيث يدع الملايين من البشر أسرى البؤس والفقر والمرض والصراعات وسائر أشكال الاستغلال الوحشية.

دور المال السياسي
إن إساءة استعمال المال في السياسة يمكن أن يعكس ويحدث، مشاكل كبيرة للدول الديمقراطية، ويؤدي الأداء المشوه للأحزاب السياسية وللأفراد، عند إساءة استعمال المال، إلى انعدام الثقة في المجالس السياسية وفي النشاطات التي تقوم بها.

وهناك مشاكل كثيرة تخص المال السياسي والفساد، وتقع في صلب ما يعرف بالفساد السياسي، مع أن التمويل السياسي والفساد أمران منفصلان، لكن عندما يختلط الأمران معاً، فإن الفساد يبرز حتماً. ذلك أن المكونات التي تجمع بين الفساد والتمويل السياسي، والمكونات التي تجمعهما أمور غير معروفة تماماً.

ويعتبر المؤلف أن الفساد في التمويل السياسي يعني إساءة استعمال الأموال في الحقل السياسي، وذلك بواسطة الأحزاب السياسية والمرشحين في الانتخابات، وذلك لمصلحة مرشح، أو حزب سياسي، أو جماعة سياسية، وأهم النشاطات الخاصة بإساءة استعمال الأموال في المجال السياسي تتجسد في الإنفاق غير المشروع بما فيه شراء الأصوات، والتمويل من مصادر غير معروفة، وبيع المقابلات الدعائية، أو الوصول إلى الإعلام الأكثر انتشارا، وإساءة استعمال مصادر الدولة المالية، وتدخل الأثرياء وأصحاب رؤوس الأموال في دعم بعض المرشحين والسياسيين، إضافة إلى النشاطات الخارجة على قواعد التمويل السياسي المعروفة، وإجبار القطاع الخاص على دفع أموال للحماية من إجراءات الدولة، وتخفيض الأموال المخصصة لأحزاب المعارضة.

ويقّر المؤلف بوجود عقبات وموانع كثيرة لإمكانية التحقق من وجهة صرف الأموال، ويطالب بوضع قوانين وقواعد جديدة لكيفية صرف الأموال، والوجهة التي تتوجه إليها، عبر الاستعانة بسلسلة القوانين والإجراءات لبعض الدول المتقدمة التي طبقتها. وأهم تلك الإجراءات كيفية الإعلان عن وجهة الصرف ومراقبة الأحزاب السياسية والمرشحين للانتخابات، ويعتبر أن الإعلان عن الأموال مهم جدا بالنسبة للناشطين وللسياسيين على السواء، لكن تطبيق القوانين في ما يخص المال السياسي صعب التحقيق إذا لم يلازمه الفرض الذي يمنع وحده الفساد السياسي.

الفساد السياسي
يعرّف المؤلف الفساد السياسي بأنه إساءة استخدام السلطة من قبل القادة السياسيين من أجل تحقيق الربح الخاص وزيادة قوتهم وثروتهم. ولا يحتاج الفساد السياسي إلى دفع الأموال مباشرة، بل قد يتخذ شكل "تجارة النفوذ" لمنح الأفضليات التي تسمم الحياة السياسية والديمقراطية.

ويشمل الفساد السياسي مجموعة من الجرائم التي يرتكبها القادة السياسيون عبر توليهم مناصبهم الرسمية أو بعد تركهم لها. وتختلف هذه الجرائم عن التجاوزات الإدارية التي يرتكبها الموظفون الرسميون، الذين يمثلون إلى حد ما المصلحة العامة.

"
الفساد السياسي أخطر بكثير من الفساد الاقتصادي، كونه يرتبط عادة بتفصيل قوانين الانتخابات وتمويل حملات إعلامية تضمن لبعض السياسيين الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها
"
ويشكل الفساد السياسي عقبة أمام الشفافية في الحياة العامة، كما يشكل فقدان الثقة بالسياسيين والأحزاب السياسية، تحديا قوياً للقيم الديمقراطية. وهي أمور تعمقت في معظم بلدان العالم، في العقود الماضية.

وتشمل وسائل مكافحة الفساد السياسي جملة من الإجراءات التالية، تتمثل في وضع قواعد للتمويل السياسي، ووضع قوانين لمراقبة الإنفاق السياسي، وخاصة في ما يتعلق بشراء الأصوات في الانتخابات العامة، ووضع رقابة خاصة على القطاع الخاص في ما يتعلق بصفقات الأسلحة والنفط.

كما تشمل الإجراءات التدابير الآيلة إلى خفض تضارب المصالح، ووضع رقابة على الموظفين الذين يتمتعون بالحصانة وخاصة في مؤسسات القطاع العام.

والفساد "السياسي" أخطر بكثير من الفساد "الاقتصادي" كونه يرتبط عادة بتفصيل قوانين الانتخابات وتمويل حملات إعلامية تضمن لبعض السياسيين الاستيلاء دون وجه حق على مناصب حكومية رفيعة لا يستحقونها، لانعدام المواهب القيادية فيهم.

وقد وصل الفساد منذ تسعينيات القرن العشرين المنصرم درجات غير مسبوقة في جميع أنحاء العالم، لذلك تزايد الوعي بضرورة مكافحته.

وبيّنت الأبحاث العديدة التي نشرت من قبل المؤسسات الدولية المتخصصة بمكافحة الفساد الكلفة الباهظة التي يتطلبها القضاء على الفساد, كما بيّنت دوره في إعاقة النمو وتخريب التنمية على المستوى الاقتصادي, وانعكاس ذلك على الوضع الاجتماعي في أي بلد يعاني تلك الآفة الخطيرة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات