عرض/حسين عبد العزيز
أمة في خطر هي الخلاصة التي توصل إليها تقرير حال الأمة العربية للعام 2008-2009 الذي توقف في متابعته عند مستجدات حال الأمة منذ الربع الأول من عام 2009 ما سمح له بمتابعة أحداث مهمة وقعت في تلك الشهور الثلاثة.

ويلاحظ في هذا التقرير الذي يتوزع على فصول عديدة، أنه حافظ على ثبات بؤر التأزم (العراق ولبنان وفلسطين والصومال والسودان) لكن ما يلفت في تلك البؤر هو احتدام التأزم واتخاذه أبعادا جديدة لم تلازمه في السابق.

الإطار الإقليمي لحال الأمة العربية
كانت الأزمة اللبنانية والعدوان الإسرائيلي على غزة، هما الحدثان الكاشفان للاستقطاب العربي-العربي، وما إن انتهى العدوان على غزة، حتى بدأت دول الاعتدال بالسعي إلى عزل إيران وتقليص نفوذها في الساحة العربية، عبر سلسلة من الآليات، أهمها:

-الكتاب: حال الأمة العربية 2008-2009 أمة في خطر
-المؤلف : مجموعة باحثين
-عدد الصفحات : 255
-الناشر : مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت, لبنان
-الطبعة: الأولى/2009
- المصالحات العربية كآلية تهدف إلى تفويت الفرصة على إيران في اللعب على التناقضات العربية، وأهمها الانفتاح على سوريا.

- الإقبال على العراق لمحاصرة النفوذ الإيراني فيه، عبر فتح السفارات العربية في بغداد، وزيارات مسؤولين عرب إلى العراق.

- تأكيد الأطماع الإيرانية في الأراضي العربية، واستثمار التصريح الذي أطلقه علي أكبر ناطق نوري مستشار آية الله خامنئي الذي اعتبر فيه البحرين المحافظة الإيرانية الرابعة عشرة.

- تشجيع تركيا على القيام بدور أكبر في قضايا المنطقة لموازنة النفوذ الإيراني.

ولا يكتمل الحديث عن الإطار دون الحديث عن العلاقات التركية العربية، حيث كان عام 2008 عام الدخول التركي إلى قلب الأزمات العربية، فبدت طرفا في كل القضايا التي تهم الوطن العربي، كما بدت في الخط الأمامي لقضايا كانت تاريخيا من أولويات الدول العربية، الأمر الذي دفع بالعلاقات العربية قدما نحو الأمام، وقد حاولت دول الاعتدال الاستفادة من هذه العلاقة عبر دفع أنقرة لاتخاذ سياسات توازي السياسات الإيرانية في المنطقة.

تطورات القضية الفلسطينية
قد يكون عاما 2008 و2009 هما الأسوأ في معاناة الشعب الفلسطيني منذ النكبة، بصعوبات الانقسام الوطني، وويلات الحصار، وحمامات الدم بالعدوان الإسرائيلي الشامل على قطاع غزة.

يتعرض التقرير للمعاناة التي يعيشها أهالي غزة بفعل سياسات الحصار الإسرائيلي، ويبدأ التقرير بالحديث عن توقف محطة إنتاج الكهرباء في غزة عن العمل، وانعكاسات ذلك على كل مناحي الحياة، إذ تأثر إنتاج الخبز بفعل انقطاع الكهرباء المستمر ونفاد الغاز المخصص لتشغيلها، كما أقفلت معظم المراكز الصحية بسبب تعطل عشرات الأجهزة التي تعمل على الكهرباء.

كذلك تعرض سكان غزة إلى عدوان إسرائيلي عنيف نهاية عام 2008 أسفر عن استشهاد 1285 فلسطينيا من بينهم 1062 مدنيا و281 طفلا و111 امرأة فضلا عن إصابة 4336 من بينهم 1113 طفلا.

وبحسب التقرير استخدمت إسرائيل عددا من الأسلحة المحظورة، منها القنابل الفسفورية، والسهام الخارقة، وصواريخ تؤدي إلى تفجير مكعبات معدنية حادة.

على أن التقرير في رصده لمسار القضية الفلسطينية لم يتوقف عند الممارسات الإسرائيلية، بل تعدى ذلك إلى إلقاء الضوء على وضع الفلسطينيين الداخلي نتيجة الانقسام الوطني الحاصل.

ويذهب التقرير إلى أن النزاع الفلسطيني الداخلي يمثل واحدا من أبرز مشاهد الواقع الفلسطيني المتأزم، وأكثرها تأثيرا في مصالح الشعب الفلسطيني العليا وكفاحه من أجل نيل حقوقه.

"
النزاع الفلسطيني الداخلي يمثل واحدا من أبرز مشاهد الواقع الفلسطيني المتأزم، وأكثرها تأثيرا في مصالح الشعب الفلسطيني العليا وكفاحه من أجل نيل حقوقه
"
لا يخوض التقرير في تفاصيل النزاع الداخلي، بل يتوقف عند قضية الشرعية، لأنها جذر النزاع وموضوعه، ولأنها مناط الخروج من النزاع.

فبينما كان الرئيس الفلسطيني محمود عباس يذهب إلى أن انتخابه خلفا لياسر عرفات يعطيه تفويضا بمتابعة مشروع التسوية السياسية القائم على التفاوض، وجدت حماس في انتخابها استفتاء على نهجها المقاوم، وعدم تقديم تنازلات لإسرائيل.

بعد محاولتها تشكيل حكومة وحدة وطنية، شكلت حماس حكومتها في مارس/آذار 2006 ، لكن عراقيل كبيرة بحسب التقرير وضعت في وجهها لإفشالها ومنازعتها صلاحيتها، وجرت حوارات وطنية وتم اعتماد وثيقة الأسرى أساسا لبرنامج سياسي لحكومة الوحدة الوطنية، لكن هذه الحكومة لم تر النور، إلى أن انزلق الأمر إلى مواجهة أمنية شاملة انتهت بسيطرة حماس على القطاع.

اعتبر أبو مازن أحداث غزة انقلابا على الشرعية لا يمكن تجاوزه إلا بإعادة الوضع إلى أصله، فأقال حكومة هنية وشكل حكومة طوارئ برئاسة سلام فياض.

ولم يتوقف الجدل عند ذلك، بل تعداه إلى شرعية رئاسة أبو مازن بعد انتهاء ولايته التي امتدت أربع سنوات، حيث تذهب حماس إلى أن استمرار عباس في موقعه الرئاسي يعتبر خروجا على الدستور، وتستند في ذلك إلى أحكام القانون الأساسي الذي يحيل منصب الرئاسة إلى رئيس المجلس التشريعي في غضون ستين يوما إذا لم تجر انتخابات رئاسية في موعدها.

أما حركة فتح فتتبنى موقفا مغايرا مفاده أن الفترة الرئاسية تم تمديدها بموجب قانون الانتخابات رقم (9) لعام 2005 الذي أصدره المجلس التشريعي بما يسمح بتزامن إجراء انتخابات عامة رئاسية وتشريعية بعد انتهاء فترة المجلس التشريعي في يناير/كانون الثاني عام 2010.

لبنان عام 2008
ويذهب التقرير إلى أن الحدث الأبرز في لبنان كان في أوائل شهر مايو/أيار عندما اتخذت حكومة السنيورة قرارا بعزل رئيس جهاز أمن المطار بادعاء أن حزب الله يتنصت بالكاميرات على المدرج رقم 17 المخصص لإقلاع وهبوط الطائرات التي تقل شخصيات سياسية، كما اتخذت قرارا آخر يقضي بملاحقة المسؤولين عن شبكة اتصالات حزب الله.

"
وجدت قوى الموالاة قي انطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في مارس/آذار عام 2009 بداية فصل جديد في تاريخ لبنان، إذ ستنهي هذه المحكمة مسلسل الاغتيالات في لبنان، كما قد تكون لها انعكاسات لصالح الموالاة في الانتخابات
"
ويرى التقرير أن حزب الله والمعارضة وجدت في هذين القرارين محاولة لتعطيل عمل المقاومة وضربها من الداخل، وما أن حل 7 مايو/أيار حتى أحكمت المعارضة سيطرتها العسكرية في الشوارع، الأمر الذي دفع بوفد من الجامعة العربية برئاسة وزير الخارجية القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني إلى التحرك الفوري والتوصل إلى اتفاق يقضي بسحب المقاتلين من الشوارع، واستئناف الحوار الوطني على أساس المبادرة العربية التي تنص على انتخاب قائد الجيش رئيسا للجمهورية.

وبدعوة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني بدأت في 16 مايو/أيار أعمال الحوار اللبناني في الدوحة حيث تم الاتفاق على انتخاب ميشال سليمان رئيسا للبلاد وتشكيل حكومة وحدة وطنية تتمثل فيها المعارضة بثلث عدد النواب، واعتماد القانون عام 1960 لإجراء الانتخابات النيابية، ومباشرة الحوار الوطني، الذي انطلق في بداية سبتمبر/أيلول، وكان عنوانه الإستراتيجية الدفاعية.

ويذهب التقرير إلى أن هذا الاتفاق لم ينه الخلافات بين الطرفين، فكانت المحكمة الدولية أحد أبرز هذه الخلافات، فقد وجدت قوى الموالاة قي انطلاق المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في مارس/آذار من عام 2009 بداية فصل جديد في تاريخ لبنان، إذ ستنهي هذه المحكمة مسلسل الاغتيالات في لبنان، كما قد تكون لها انعكاسات لصالح الموالاة في الانتخابات المقبلة مع استمرار توجيه الاتهام إلى النظام الأمني اللبناني-السوري.

العراق.. الدوران في حلقة مفرغة
يذهب تقرير حال الأمة العربية إلى حدوث تطورين لعبا دورا في تغيير وجهة المسار الأمني في العراق في عام 2008، كان الأول إعلان مقتدى الصدر تجميد أنشطة جيش المهدي بعد معارك طاحنة في كربلاء مع قوات الشرطة العراقية، وبعد شعور الصدر بأنه بدأ يفقد سيطرته على عناصره التي توزعت على جماعات غير منضبطة اتخذت شكل عصابات.

أما التطور الثاني، فكان تغيير طبيعة العلاقة بين الجيش الأميركي وبعض القوى العشائرية السنية والتي عرفت لاحقا باسم الصحوات لمواجهة تنظيم القاعدة.

ويذهب التقرير إلى أن هذا التحالف قد أدى إلى تحجيم كل من تنظيم القاعدة ومليشيا جيش المهدي، الأمر الذي أدى إلى نزع فتيل الحرب الطائفية، وتحقيق قدر من الاستقرار الأمني في بعض المناطق.

"
أدت نتائج انتخابات مجالس المحافظات العراقية في أوائل عام 2009 إلى تغييرات جديدة أثرت في خارطة السلطة، وربما تهيئ لمناخ سياسي قد يكون له أثر مباشر على الانتخابات البرلمانية نهاية العام، بسبب ما أكدته من تجاوز العراقيين لهيمنة الخيارات الطائفية
"
وإضافة إلى البعد الأمني كان ثمة تطور آخر على الصعيد السياسي، حيث أدت نتائج انتخابات مجالس المحافظات في أوائل عام 2009 إلى تغييرات جديدة أثرت في خارطة السلطة، وربما تهيئ لمناخ سياسي قد يكون له أثر مباشر على الانتخابات البرلمانية نهاية العام، بسبب ما أكدته من تجاوز العراقيين لهيمنة الخيارات الطائفية.

ويرى التقرير أن الانشقاقات الحزبية لعبت دورا في تغيير الخارطة السياسية، فالائتلاف العراقي الموحد كان يعيش آثار انسحاب حزب الفضيلة والتيار الصدري.

كما شهدت جبهة التوافق انشقاق كتلة الحوار الوطني، والتجمع الديمقراطي الوطني، أما الأكراد فقد بقوا محتفظين بوحدة كتلتهم (التحالف الكردستاني) ولعبوا على نغمة التنافر الطائفي وباتوا أشبه ببيضة القبان في التوازنات السياسية.

في هذه الأجواء ظلت المصالحة الوطنية غائبة مع اعتبار المقاومة مليشيا خارجة عن القانون، واعتبار المعارضين متآمرين، ولا يقتصر الأمر على ذلك، حيث يؤكد التقرير أن المشكلة الدستورية لا تزال لغما يواجه تحقيق الوحدة الوطنية، لا سيما المادة 140 من الدستور الخاصة بمصير محافظة كركوك المتنازع عليها بين العرب والأكراد والتركمان.

ويذهب التقرير إلى أن هذه المشكلة ترتبط بتصعيد الخلاف بين بغداد وإقليم كردستان حول ما يوصف بالمناطق المتنازع عليها، كما تصاعد النزاع بين الطرفين حول حقوق استثمار النفط.

السودان والصومال
في العاشر من مايو/أيار تعرضت الخرطوم لهجوم مسلح نفذته حركة العدل والمساواة، هو الأول من نوعه منذ عام 1976، ولم يكد يمضي الشهر حتى تفجر صراع مسلح بين شريكي اتفاق نيفاشا في منطقة أبيي الغنية بالنفط، ثم جاء يوليو/تموز من العام نفسه ليحمل نبأ رفع المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية مذكرة لقضاة المحكمة يطلب فيها اعتقال الرئيس السوداني.

يؤكد تقرير حال الأمة العربية أن قرار المحكمة الدولية يشكل أكبر تهديد لحاضر السودان ومستقبله، ناهيك عن سمعته ومكانته الدولية، ويرى التقرير أن هذا التطور جاء بعد تهاون الحكومة السودانية بالإدانات الدولية لما يجري في دارفور.

"
على الرغم من اتفاق جيبوتي للسلام، وانسحاب القوات الإثيوبية من الصومال، فإن البلاد باتت تقف على حافة جولة جديدة من الصراع الداخلي، ومن المتوقع أن يشهد الصراع استقطابا إقليميا ودوليا
"
ويوصي التقرير بوقف العنف وإعادة الأمن وتحقيق السلام، ويجد التقرير في المبادرة القطرية الفرصة الأقرب لتحقيق السلام، لكن قضية إيقاف العنف تبقى هي الأولوية، كما أن وقف العنف من شأنه أن يخفف الضغوط الدولية على الحكومة السودانية.

أما المسألة الصومالية فقد شهدت تحولات جذرية في عام 2008، إذ نجحت جهود الوساطة التي قامت بها الأمم المتحدة في الوصول إلى اتفاق سلام بين الحكومة الانتقالية وقطاع من تحالف المعارضة بقيادة شيخ شريف شيخ أحمد، الأمر الذي فتح الباب أمام حدوث انقلاب جذري في تركيبة النظام الحاكم، بدءا بانسحاب القوات الأثيوبية مرورا بإشراك الإسلاميين المعتدلين في السلطة، وصولا إلى انتخاب شيخ شريف رئيسا انتقاليا للبلاد، غير أن جماعات المعارضة الأخرى رفضت الانضواء في عملية التسوية، وأصرت على مواصلة الصراع.

ويرى التقرير أنه على الرغم من اتفاق جيبوتي للسلام، وانسحاب القوات الإثيوبية من الصومال، فإن البلاد باتت تقف على حافة جولة جديدة من الصراع الداخلي بين مؤيدي الاتفاق ومعارضيه، ومن المتوقع بحسب تقرير حال الأمة العربية أن يشهد الصراع استقطابا إقليميا ودوليا، في ظل ما هو متوقع من قيام الأمم المتحدة بنشر قوات لحفظ السلام في الصومال.

وفي العام نفسه أصبح الصومال محط أنظار العالم، باعتباره أحد المصادر الرئيسية لتهديد الأمن الدولي، بسبب تفاقم ظاهرة القرصنة قبالة السواحل الصومالية وخليج عدن، حيث تعرض العديد من السفن التجارية للخطف من جانب القراصنة، الأمر الذي شكل تهديدا جسيما لحركة الملاحة البحرية في تلك المنطقة، فأصدر مجلس الأمن الدولي العديد من القرارات بشأن هذه الظاهرة، كان أبرزها القرار رقم 1851 الذي طالب بوضع آليات دولية جديدة للتعاون في مكافحة القرصنة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات