عرض/ محمد تركي الربيعو
تتلخص أهمية هذا الكتاب في كونه يمثل محاولة تنزع إلى صياغة منهج بديل في دراسات الاجتماع السياسي الاقتصادي للبلدان الإسلامية يستند إلى منظوراتها الداخلية.
 
فهي تعبر عن مسعى "داخل تراثي" يغور في ميراثنا وتجربتنا الخاصة، ليستقي منها أدواتها ومفاهيمها ورؤاها وقوانينها ومعاييرها، بعيدا عن الأدوات والمفاهيم المستعارة من مواطن أخرى، وذلك من خلال الالتصاق بالمنطق الداخلي لتجربة المجتمعات الإسلامية والانطلاق منها لتحديد الأطر والسمات، أي الشروط المسبقة التي تشكلت في أحضانها تجربة الإنسان والجماعات في بلداننا، حيث إن تعريف هذه الشروط -التي يمكن دعوتها "بالثوابت"- هو في رأي الكاتب أولوية لا بد منها لبدء النقاش بالطريقة الصحيحة.

البيئة والموقع
يمثل ثابت البيئة والموقع تلك العوامل الطبيعية الموجودة خارج إرادتنا التي في أحضانها قامت مجتمعاتنا، حيث سيلاحظ من يدرس قلب المنطقة أنها تتميز بسمات رئيسية منها أن المناخ متوسطي مع صيف حار طويل عموما وشتاء قصير نسبيا.



-الكتاب: الثوابت والمتغيرات في التاريخ الاقتصادي للبلاد الإسلامية
-المؤلف: عادل عبد المهدي
-الناشر: الدار العربية للعلوم 
-عدد الصفحات: 460 
-الطبعة: الأولى 2009
 

كما أن إحاطة الجبال بالأراضي المنخفضة توفر للمنطقة أنهارا لها أهميتها الخاصة كالنيل ودجلة والفرات ونهر الأردن.

هذه السمات وغيرها أعطت المنطقة وسكانها طابع التوسط والاعتدال، في لون بشرتهم وسلوكهم وواجباتهم ورؤيتهم لواجباتهم وأنماط تفكيرهم وحاجياتهم.

وإذا كانت الوديان هي مراكز المنطقة ومستقراتها فإن الصحارى والبوادي شكلت مسارح الأقاليم وامتداداتها.

فمن البادية كانت تبدأ الحياة لأنها تحتوي أمور العيش الضرورية من زرع وحيوان، في حين تتمايز عن الصحراء بأن العيش في الثانية مستحيل إلا في بقاعها المتناثرة التي هي الواحات.

ومن هنا بدت عوامل التصحر والجفاف نافية للبادية ولذلك يجب التحرر من ذلك المفهوم الذي ساد وينطلق من تعارض البادية والحضارة لكون البداوة ضمن الشروط الطبيعية المحددة ضرورة حياتية لم يكن بالإمكان تواصل العيش في المنطقة وتقدم العمران فيها بدونها، لا العكس إطلاقا حيث درس البعض تاريخنا كصراع بين الاثنين ينفي فيه أحدهما الآخر.

فالبادية أصل العمران والأمصار مدد لها كما يقول ابن خلدون، إذ بدون أن يعطى سكان الواحات والبوادي مرتبة اقتصادية واجتماعية وخلقية وسياسية متقدمة وراقية، ستبدو الحواضر والمدن معزولة عن امتداداتها ومسارحها الطبيعية.

وهذا ما يفسر أن المقصود بالعمران هو "العمران البدوي" و"العمران الحضري"، وكيف أن أرقى مراحل التاريخ الإسلامي وأكثرها عطاء وازدهارا قد تشكلت عندما اتحدت البداوة والحاضرة جغرافياً وسكانياً لا عندما انفصلت، لهذا يرى ابن خلدون أن "الجيل الأول في العمران الحضري هو أكثر الأجيال عطاء لأنه يحافظ على البداوة ويتعلم صنائع الحياة".

"
هذه الأولوية مهمة للمنطقة الإسلامية وهي لا تلغي كون الدور اللاحق الذي لعبته بين الأمم والشعوب والحضارات قد طور من شخصيتها وتكوينها، لكنها تؤكد أن منطقها الداخلي وعملية البناء الداخلي كانت هي الأساس
"
الظروف المحيطة
تكمن أهمية الكلام عن الظروف المحيطة في كون المنطقة الإسلامية تقع وسط العالم وفي قلبه.

وتعتبر المنطقة -كما يدل واقعها واسمها وتاريخها- عقدة المواصلات الدولية بما يخدم التجارة والغزوات وانتقال الشعوب.

لكن ذلك لا يعني برأي المؤلف أنها أرادت أن تكون ممرا أو جسرا لكونها لم تكن تستطيع أن تلعب هذا الدور دون أن تكون قد أسست هي أصلا دائرتها الداخلية التي اتسعت عبر الأجيال، فالتجارة والمواصلات وانتقال الخبرات وغيرها قد طورت وتطورت أصلا في داخل هذه المنطقة.

فالفراعنة والفينيقيون والآشوريون وغيرهم طوروا التجارة ووسائط النقل البرية والمائية لحاجاتهم هم، كما أن بلاد الجزيرة العربية شهدت تطور الأسواق وطرق المواصلات التجارية.

وكدليل على أن الدور العالمي الذي لعبته المنطقة هو بالأساس نتيجة ازدهار وتنامي الدور المحلي، نجد مثلا شريعة حمورابي التي خصصت 120 مادة للتجارة ومعاملاتها، منها 26 مادة للشركات ونقل البضائع والصيرفة وإيداع الأموال.

وبالتالي فإن المنطقة ما كان لها أن تلعب دور الوسط والمركز العالمي والترانزيت الدولي، لولا أنها سبقت ذلك بإقامة دائرتها الداخلية ونواتها الصلبة التي التفت حولها مكونة كياناتها وهويتها وشخصيتها.

إن هذه الأولوية مهمة للمنطقة وهي لا تلغي كون الدور اللاحق الذي لعبته بين الأمم والشعوب والحضارات قد طور من شخصيتها وتكوينها، لكنها تؤكد أن منطقها الداخلي وعملية البناء الداخلي كانت هي الأساس.

صلة الرحم
يقسم علماء الاجتماع والأنثربولوجيا الجماعات الإنسانية إلى جماعات تقوم على رابطة الإقليم أو على رابطة الدم والنسب.

وتقول معظم الأبحاث الغربية إن التشكيلات الأوروبية استطاعت مع نمو الملكية الفردية الرومانية والجرمانية تحطيم رابطة الدم وأخذت تميز خط تطورها عن خط تطور بقية المجتمعات، وذلك بنمو الملكية الفردية وبتشكيل الجماعات من خلال الفرد وعلى قاعدة الموقع والإقليم.

لكن يبدو أن رابطة الدم التي نفضل تسميتها "صلة الرحم" بقيت أكثر شدا لطبيعتها العفوية والفطرية في المجتمعات الإسلامية، فالعائلة والعشيرة والقبيلة هي الوحدات الاجتماعية التي وجد الإنسان ضمنها تلقائيا، فهي مثلت المفهوم الفطري الأول للجماعة والاجتماع.

لكن المشكلة برأي الكاتب لا تكمن في إثبات قوة "صلة الرحم" وتشكيلها شرطا مسبقا للتنظيم الاجتماعي في تاريخ البلاد الإسلامية، بل تعود إلى مغالاة البعض في الدور التاريخي لصلة الرحم، حيث جعلوه المدخل الوحيد أو الأساسي كما هو الحال في تفسير التاريخ الإسلامي استنادا إلى النظرية الخلدونية التي ترى العصبية بوصفها الرابطة الأساسية التي ضمنها تتكون دوافع الحركة.

أو من نظرة أخرى تغالي في رؤية هذا الثابت لتصل إلى استنتاجات تؤدي إلى تبرير الاستعمار، من خلال تفسير التاريخ استنادا إلى "النظرية البنيانية" فلأن القبيلة في أوروبا اعتبرت مرحلة متخلفة ولأن المنطق الغربي يعمم خصوصيته، لذلك فعندما اعتبرت البنية الأساسية للمجتمعات الإسلامية بنية قبلية، ربطت بها صفة التخلف وصارت حجة للاستعمار.

وبالتالي فإن تشكيلات صلة الرحم بقيت شرطا مسبقا وثابتا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وعسكريا وتنظيميا.

فعلى الصعيد العسكري مثلا شكلت العشيرة والقبيلة الوحدة الأساسية في التجنيد.

وفي المجال الاقتصادي كانت القبيلة والعائلة وحدات إنتاج وتوزيع قادرة على سد الاحتياجات الذاتية و"تصدير" الفائض للجماعات الأخرى، والقيام بالتبادل والبيع والشراء وفق مصالحها ومتطلباتها.

وبرأي الكاتب فإن ما يفسر احتواء رابطة الدم لرابطة الإقليم في المجتمعات الإسلامية يعود في أحد أسبابه إلى أن مواطن العيش لم تكن تتوسع في المنطقة بشكل حلزوني، بل هي تتوسع بالقفز من مكان إلى آخر، مما جعل من صلة الرحم كتنظيم فطري يلعب دورا في الإبقاء على وحدة الجماعة التي لم تستطع رابطة الإقليم الإبقاء عليها.

"
تلقائية المجتمع واستمراريته تضغطان في اتجاه الجماعة، بعكس النزعة الفردية في البلدان الأوروبية التي تطورت على أساس النزعة الفردية
"
نزعة الجماعة
نجد أن هناك نزعة قوية للجماعة في المجتمعات الإسلامية سواء في ممارسة العقيدة والدين أو في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

فتلقائية المجتمع واستمراريته تضغطان في اتجاه الجماعة، بعكس النزعة الفردية في البلدان الأوروبية التي تطورت على أساس النزعة الفردية.

ولذلك دخلنا القرن العشرين و"الثورة" تعني في أوروبا إحلال الملكية العامة باللجوء إلى دكتاتورية الطبقة أو الدولة لتحطيم الملكية الخاصة وإحلال الاشتراكية التي فشلت أمام ضغط القوى العفوية والقديمة لعودة الفردية.

وانطلاقا من هذا الرأي يحاول الكاتب توضيح هذا الأمر وتأكيد وجود نزعة للجماعة من خلال دراسته لمؤسسة الأوقاف.

فالمعلوم أن أشكالا معينة من الأوقاف أو الأحباس قد عرفت في المجتمعات غير الإسلامية، لكن شيوع الأوقاف بما يحمله من دلائل لنزعة الجماعة والتفكير في المستقبل وقيامها بدور اقتصادي واجتماعي كبير، قد صار إحدى الممارسات المميزة للمجتمعات الإسلامية حيث لعب الوقف دور المضاد أو الأسلوب المقاوم لمنع طغيان الاستيلاء الفردي على الممتلكات العامة، وحماية الحق الخاص باللجوء إلى الحمايات العامة أو الدين.

ولقد شاع اللجوء إلى الحبس أو الوقف انطلاقا من العهد الأموي، فأنشئ للأحباس ديوان مستقل عن بقية الدواوين، وبلغت ذروتها في العهد العثماني إذ شكلت وحدها في مجال الأراضي الزراعية منتصف القرن التاسع عشر ما يعادل ثلاثة أرباع أراضي تركيا ونصف الأراضي المزروعة في الجزائر وغيرها من المساحات الكبيرة في الأمصار والولايات المختلفة.

غير أنه جرى تحطيم الوقف مباشرة من قبل القوى التي استعمرت هذه البلدان تحت غطاء عدد من الحجج، ولتعبر عن مركزية أوروبية أساسها النزعة الفردية واستغلال المنطقة.

الولاية أو نزعة التنظيم والانتظام
يلاحظ أن هناك نزعة قوية للتنظيم والانتظام في المجتمعات الإسلامية، وأن ثمرة هذه النزعة سيلخصها مفهوم الولاية بالحقوق والواجبات التي يمثلها، والمفاهيم الملازمة لها كالخلافة والإمامة وما يعكسه كل ذلك من تنظيمات وبنى فكرية.

فأساس الدولة تاريخيا في الغرب تطور من المَلكية الإلهية ثم المطلقة التي تعتبر الرعية عبيدا، إلى فكر التعاقد الاجتماعي كما لدى روسو، أو إلى علاقات اجتماعية بين قوى متناقضة متحدة تقوم على رابطة الإقليم والمواطنة.

بهذا المفهوم للدولة كأداة مفاهيمية درست ثمرة التنظيمات الاجتماعية للمجتمعات الإسلامية، دون أن تغطي تجربة رابطة الدم أو صلة الرحم التي لم تدمر لمصلحة رابطة الإقليم، وحيث المفهوم الرئيسي للإنسان تنظمه أساسا روابط العقيدة أو الولاء للجماعة (دينية أو قبلية) بغض النظر عن الثروة والموقع الاجتماعي، إضافة إلى أن هذه الرؤية كانت عاجزة عن إدراك وجود تنظيمات بجانب الدولة قد تتقدم عليها كمؤسسات الوقف وحقوقها أو تنظيمات القبائل، وأن مفهوم الولاية الإسلامية تطوقه مفاهيم وأسس الشرع والولاية والجماعة.

أما العوامل الرئيسية التي تدفع باتجاه نزعة التنظيم والانتظام فهي عديدة منها مثلا أن الطبيعة الصحراوية وأوضاعها الصعبة تطلبت اللجوء إلى تنظيم دقيق بسبب ضيق مجالات العيش وضرورة التعاون للاشتراك في مصادر محدودة.

نزعة الشرع
ويرى الكاتب أنه يندر أن درس دارس التاريخ الشرقي أو العربي أو الإسلامي إلا واعتبر نزعة الشرع والدين من أهم النزعات التي طبعت الحياة الاجتماعية والعقلية والمسلكية.

فإذا أخذنا مجتمعات ما بين النهرين قبل الإسلام كمثال يعكس حقيقة عايشتها عموم شعوب المنطقة، فسنجد قدما وتواصلا في التاريخ التشريعي هو بلا شك من الأكثر تقدما على صعيد عالمي كشريعة عشتار أو حمورابي.

أما البرهان الأعظم فهو أن المنطقة كانت هي -وليس أي منطقة أخرى- مهبط الديانات السماوية الثلاث التي انتشرت لتشمل قارات المعمورة دون استثناء، وهذه ليست مصادفة أو حقيقة عابرة بل هي حقيقة أولى لا تخضع للتبسيط والقفز عليها بالسهولة التي يقوم بها البعض.

وارتباط الشرع الديني بالغيب والتجريد لا يجعله غير واقعي كما يقول أصحاب النظرية الوضعية، وعلى العكس فإن نزعة الدين تبدو الأكثر علمية وعقلانية وواقعية وإنسانية إذا لاحظنا الأمور من مواقع كلية وعامة وإنسانية.

فالنزعة الوضعية تنطلق من زمن فردي آني ومن العفوية والغريزة مباشرة في حين تنطلق نزعة الشرع من زمن جماعي طويل ممتد ومن العقل والحكمة.

"
أهمية الكتاب تكمن في تأسيسه لمدخل جديد لدراسة تاريخ المنطقة الاقتصادي وذلك عبر تسكينه للبعد الثقافي والحضاري في حقل العلوم الاقتصادية
"
المتغيرات
تتمثل المتغيرات في العوامل التي تتكامل مع عوامل الاستمرارية التي تمثلها الثوابت، لتشكل إما عناصر تأكيد وتعجيل لها أو عنصر عرقلة وصدام والتي تتولد من عمل الثوابت والرغبة في إعادة صياغتها أو بسبب ظهور حقائق جديدة تتأتى من عامل خارجي بأوسع معانيه، مما قد يعيد صياغة الثابت ويخل بالتوازن العام بينها ويعيد صياغة الوضع من جديد.

وكأمثلة على ذلك نزعة الشرع من حيث استنادها إلى مصادر ثابتة كالقرآن الكريم والسنة الشريفة، ولكنها أخذت تواكب أيضا التطور والتغيير من حيث الممارسات والاجتهادات الشرعية التي فرضتها سنن الحياة المتشعبة المتجددة، أو ما تتعرض له نزعة صلة الرحم أحيانا من روابط تحاول الإحاطة بها وإخفاءها كرابطة القومية والأقاليم.

أخيرا فإن أهمية الكتاب تكمن في تأسيسه لمدخل جديد لدراسة تاريخ المنطقة الاقتصادي، وذلك عبر تسكينه للبعد الثقافي والحضاري في حقل العلوم الاقتصادية، وليس كما تسلكه اليوم بعض الدراسات والأبحاث أثناء دراستها لتاريخ المنطقة والتي تنطلق من الأفكار الليبرالية في تفسيرها لطبيعة علاقات الإنتاج والتجارة، خاصة بعد فشل نظريتها عن "نمط الإنتاج الآسيوي" التي أظهرت -كما يرى إدوارد سعيد- ماركس بوصفه شيخا من شيوخ المستشرقين.

ولعل هذا ما نجده الآن لدى بعض الباحثين العرب ممن ينتمون إلى ما يمكن تسميته "الليبرالية الجهادية" الذين يرون أنه لا يمكن فهم دور مكة التاريخي إلا بوصفها تشبه إلى حد كبير هونغ كونغ.

كما أن الكتاب يأتي لتصحيح مسار اتجاه آخر بتنا نقرؤه كثيرا هذه الأيام من خلال دعوة بعض كتابه -ولا أقول الجميع- لتطبيق الرؤية الإسلامية. ولا تعكس هذه الدعوة برأينا "إرادة معرفة" بل "إرادة أيديولوجيا" تسعى إلى تصفية حساباتها مع الآخر الغربي دون توضيح لأسس وثوابت رؤيتها، ولتساهم برأينا في خلق مناخ من "سحر القول في الاقتصاد الإسلامي" الذي هو بحاجة ماسة الآن إلى تأسيسه لمدرسة تساهم في تمتين وتأصيل رؤاه الاقتصادية انطلاقا من بعد إنساني لكون رسالة الإسلام في عمقها رسالة إنسانية، علها تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه وخاصة للواقع الذي تمر به جامعاتنا العربية التي وصل بها حد التسطيح الفكري والسذاجة إلى حد اعتبار الزكاة ضريبة دخل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات