عرض/ زياد منى
اختار مُصدر الكتاب خالد نجل الفنان الشهيد ناجي العلي ما يزيد عن 280 رسما من إبداعات والده التي أنجزها في منتصف الثمانينيات، وأعطى كل مجموعة منها عنوانا استقاه من هذه الرسوم.

فبعد تمهيد كتبه بقلمه ومقدمة بعنوان "دائما يأتي من المستقبل" كتبها محمد الأسعد، تتفتح الرسوم تحت مفردات دالة تشير إلى الهموم الفلسطينية والعربية، ودوما نفاذة، من دون مواربة أو التفاف.

تأتي أحيانا مستعارة من التراث الشعبي مثل "وَكّلوا القرد"، أو من مصطلحات العمل السياسي التي كانت سائدة وقتها، مثل "لا تورطونا"، وفي أحيان أخرى فيها لعب على الكلمات "جواز سفر دبلوماشي" و"دي ويلات" تسخر من حالة الارتخاء والميوعة في الساحة الفلسطينية، وفي الساحة العربية "الفلافل Y I" على لسان حنظلة في سخرية واضحة من الملصقات المكرسة للحكام "الآلهة".

والمجموعات الأخرى تأتي على لسان الإنسان المحتج والقلِق، وكذلك إعلان عن العنفوان والإباء "مش ممكن أنسى فلسطين"، "هدايا الأبوات"، "إخوات الشليتة"، "إدفنوه حي"، "مصالح أميركية-ممنوع التدخين"، "نسأله قبل ما نذبحه أو بعد!!!"، "فشروا"، "يا راكعين لأميركا"، "ارسم شجرة".

وهنا ننوه إلى أن مصدر الكتاب -الذي أكد في تمهيده أن هذا المجلد هو الأول في سلسلة تهدف إلى نشر إبداعات الفنان الشهيد- قد قسم الكتاب وفق المواضيع التي تشغل الإنسان العربي، وختمه بسيرة الشهيد وصور له في مختلف مسيرته الشخصية والفنية.

مسيرة لا تعرف الخوف ولا تخشى الموت
في مسيرته الفنية كما نراها في هذا المجلد القيم، يعكس ناجي العلي في لوحاته الفذة حقيقة معرفة المثقف الملتزم عدم قدرته على الانصياع لأي سلطة، ولذا نرى إبداعاته في حالة صدام دائم مع السلطة/الرقابة.



-الكتاب: ناجي العلي.. كاريكاتير 1985-1987
- إشراف: خالد ناجي العلي
-
تقديم: محمد الأسعد
-
إصدار خاص بعائلة ناجي العلي
-عدد الصفحات: 206 قطع كبير
-الطبعة: الأولى- دمشق 2008 
فالإبداع يندلع فقط في غياب القيود عليها، وعلى السلطة أن تقبل بهذه الحقيقة أو أن تصطدم بطليعة شعبها كما تجلى ذلك في نهاية ناجي العلي وغيره كثيرين.

ناجي العلي رأى أن من أول واجباته الوطنية القومية نقد السلطة الفلسطينية والأنظمة العربية، من دون ذكر أسماء تاركا للقارئ تحديد المقصود، وهجاؤهما بريشته السحرية على لسان كل من الطفل حنظلة الذي أبدعه في عام 1969 وصار ملازما لرسومه جميعها، والعربي الفقير الذي لا اسم له، القومي بامتياز، والمؤمن بعروبة بلاده.

الساحة الفلسطينية بكل ما حوته من تناقضات الصدام مع إسرائيل، ولهاث قيادتها للتخلي عن الوطن والقبول باغتصاب فلسطين عبر تسوية معه، إضافة إلى ممارسات في كل أمكنة وجودها، لا علاقة لها لا بثورة ولا بتحرير، ولا حتى بالالتزام بالحد الأدنى من أخلاقيات العمل الوطني، شكلت مادة دسمة لنقد ناجي العلي الصادق حقا لأنه لم تكن لديه مسافة بين النظرية والممارسة!.

فلو أراد، لفتحت السلطة أمامه "أبواب الجنة"، كما فتحت لغيره من "المثقفين". لكنه رفض ذلك واختار السير عبر ريشته، حتى النهاية المعروفة في طريق المواجهة مع عقلية سياسية لا ترحب بالنقد، بل تمقته وتكرهه، وتجهد لقطع الأصابع التي تكتبه، وقص الألسن التي تنطق به.

لم يكن لناجي العلي أصدقاء في أي سلطة ذلك أنه لم يحاول إرضاءها أيا كانت، لذا نراه يتنقل في بلاد الله الواسعة وراء لقمة عيش له ولعائلته، باحثا عن فضاء يتقبل فنه الكاريكاتوري الرفيع.

ففن ناجي العلي، بحسب محمد الأسعد، كاتب المقدمة "يعيد المرء إلى وجوده، إلى معاشه اليومي وحياته، وينقذه من المصائد والخدع وكل أساليب الغش، وربما بسبب ذلك أثار غيظ السحرة والمشعوذين".

حياة مضطربة
بدأ ناجي العمل رسام كاريكاتير في صحيفة "الطليعة" الكويتية عام 1963، ثم منذ عام 1969 إلى عام 1974 في جريدة "السياسة" الكويتية، ومنذ بداية عام 1974 في جريدة "السفير" اللبنانية حيث استمر في النشر فيها حتى عام 1983.

في عام 1983 غادر لبنان إلى الكويت مرة أخرى وعمل في جريدة "القبس" الكويتية التي بقي فيها حتى عام 1985 حيث طرد منها بتحريض من قيادة منظمة التحرير، فانتقل إلى لندن وعمل في جريدة "القبس الدولي" حتى يوم إطلاق النار عليه في لندن 22 يوليو/تموز 1987 واستشهاده يوم 29 أغسطس/آب من العام نفسه.

"
الثمن المحتوم لنضال ناجي هو أنه كان يدرك أنه سيدفع الثمن في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن
"
ظاهرة نادرة في الكاريكاتير السياسي
بعد قتله نشرت مجموعة كبيرة من الأعمال النقدية والدراسات عن حياته وأعماله، لكن المؤسسات الفلسطينية "الشعبية جدا" صمتت صمت القبور، مما يعكس حقيقة أنها أضحت جثة هامدة لا تُبعث إلا للتطبيل والتزمير لـ"القائد" وإنجازاته وحكمته.

مع ذلك، تحدث د. عاطف سلامة الناطق الإعلامي للجبهة الشعبية والمتخصص في فن الكاريكاتير، عن جريمة قتل الفنان ناجي العلي مبدع الكاريكاتير بالقول "إنه فضيحة للسطحية والجهل والأنانية والغوغائية.. حين سقط ناجي العلي جسدا على الرصيف اللندني، سكت ضيقو الأفق والكتاب الخائفون المتصالحون، ثم غمغموا، ولم يدينوا أحدا..".

"كان فنانا لا يساوم، قاسيا على الذين يتقدمون الصفوف ويمشون عوجا، ولا يرضى بأقل من البياض والنصاعة والطهارة التامة للذين ينتحلون تمثيل البسطاء والفقراء والوطن..".

ناجي العلي كان أحد مهندسي المزاج الوطني، وهو أحد إنتاجات الإبداع الوطني، هو ابننا وأخونا ورفيق مذابحنا وأحلامنا، وخالق حنظلة الخالد، القادر على أن يسمي هويتنا بتأتأة تضحكنا وتبكينا..".

"الثمن المحتوم لنضال ناجي هو أنه كان يدرك أنه سيدفع الثمن في لحظة ما، ومع هذا لم يكن هناك ما يدل على خوفه من دفع الثمن، بل العكس، ظل يناطح حتى الاستشهاد، كانت الشهادة مرسومة على جبينه منذ أن قرر أن يخوض معركته، معركة الشعب الفلسطيني حتى النصر أو الاستشهاد، لم يتراجع لحظة ولم ينافق لحظة ولم يفكر لحظة في حماية رأسه".

في عام 1979 انتخب رئيسا لرابطة الكاريكاتير العربي، واختارته صحيفة "أساهي" اليابانية واحدا من أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم، ومنحه الاتحاد الدولي لناشري الصحف جائزة "قلم الحرية الذهبي" في عام 1988، وكان أول رسام كاريكاتير وأول عربي يحصل عليها.

"
الكثير كتب عن فنه، أما عن قتلته فلم يكتب سوى القليل
"
كلمة ليست أخيرة
من غير الممكن وصف إبداعات الفنان الكبير بالكلمات، لكن كل رسم خطته ريشته شكلت برنامجا وطنيا ودليل مناضل.

الكثير كتب عن فنه، أما عن قتلته فلم يكتب سوى القليل. لكن صحفا أوربية وأميركية عديدة ذيلت الرسم عن "رشيدة مهران" المرفق بهذا العرض بتعليق "الكاريكاتير الذي تسبب في قتل راسمه"، مشيرة بذلك بوضوح إلى وقوف قيادة منظمة التحرير خلف جريمة الاغتيال.

الشرطة البريطانية، التي ادعت معرفة هوية مفجر طائرة البوينغ فوق لوكربي عبر قطعة إلكترونية لا تتجاوز مساحة سطحها مليمترات قليلة، يبدو أنها ميعت القضية ففر القاتل ونجا من أرسله، فشاركت بذلك مباشرة أو عن طريق غير مباشر في جريمة الاغتيال.

لقد كتب الكثير عن القتلة، وشبكة الإنترنت تحوي الكثير عن الأمر، ويمكن للراغب أن يزورها ويقرأ فيها "ما يندى له الجبين".

لكن القتلة والسائرين في فلكهم لم يكتفوا بقتل الفنان ناجي العلي حيث لم يكلف أي اتحاد فلسطيني نفسه بنعيه، بل فجروا التمثال الذي أقامه أبناء مخيم عين الحلوة تخليدا لذكراه، كما لم يسمح الممسكون بأعناق سكانه ورزقهم بدفنه في مقبرة المخيم الذي قضى معظم سني حياته فيه.

ومن المحزن، ويبدو أن مشاعر الحزن ملاصقة للمسيرة الفلسطينية، ألا تصدر أي من المؤسسات الفلسطينية المرتبطة بأي من التنظيمات، وفي مقدمتها تلك التي استنكرت جريمة الاغتيال، أي كتاب عن الفنان الفلسطيني العالمي الشهرة والوجود، حيث تقام معارض كثيرة لرسومه.

علي أي، وكما يقال "إللي خلّف ما مات"، تكفل خالد العلي، ابن الفنان الشهيد، بتخليد ذكرى والده فأصدر هذا الكتاب على نفقته وضمّنه رسوما لم تنشر من قبل سمح لنا بنشر بعضها في هذا العرض.

وقد صدر قبل أيام قليلة عن دار "فِرزو" مجلد باللغة الإنكليزية يحوي رسوم الفنان المغدور مقسمة وفق مراحل تطوره من مطلع السبعينيات حتى يوم اغتياله، قدم لها رسام الكاريكاتير المالطي الأصل العالمي الانتشار والصيت جو ساكو.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك