عرض/حسين عبد العزيز
يحلل المؤلف في هذا الكتاب التغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي جلبها التحول الكبير بعد الثورة الصناعية.

ويرى أن القرن التاسع عشر أنتج ظاهرة لم يسمع بها في تاريخ الحضارة الغربية، وهي سلم المئة سنة (1815-1914)، وهذا السلم لم يكن ناتجا لانعدام أسباب النزاع، بل يعود إلى ما يسميه المؤلف إلى التمويل العالي المستوى.

-الكتاب: التحول الكبير(الأصول السياسية والاقتصادية لزمننا المعاصر)
-عدد الصفحات: 573
-
الناشر: المنظمة العربية للترجمة
-توزيع: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-
المؤلف: كارل بولاني
-
الترجمة: محمد فاضل طباخ
-
الطبعة: الأولى/ 2009
ويقصد المؤلف بالتمويل العالي المستوى المؤسسات المالية الكبيرة التي تقوم بإقراض المؤسسات الأخرى والدول، وتمارس نوعا من السيطرة عليها، بعبارة أخرى إن ربط التمويل العالي المستوى بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي في العالم هيأ الوسائل لإقامة نظام سلم عالمي.

وكان على التمويل العالمي أن يتصدى للطموحات المتنازعة ولدسائس القوى العظمى، وتصرفت المؤسسات المصرفية الوطنية التي من دونها يصبح التمويل العالمي عاجزا كشركاء له كل لدى حكوماتها.

لقد كان تأثير التمويل العالي المستوى على القوى العظمى في صالح السلام في أوروبا على الدوام، حيث كانت القروض وتجديدها متوقفين على الائتمان، والائتمان متوقف على حسن السيرة والسلوك، وكان هذا التأثير فعالا إلى درجة أصبحت الحكومات تعتمد على تعاونه بأكثر من اتجاه، ونتيجة لذلك لم يصادف أي وقت لم تتمثل فيه الرغبة في السلام في مجالس المجموعة الأوروبية.

وإذا أضفنا لذلك -والكلام للمؤلف- الرغبة المتنامية في السلام داخل البلدان حيث ضربت عادة توظيف المال بجذورها، فإننا سوف نعرف سبب هذا السلم المسلح بعشرات من الدول المستنفرة عمليا والتي تحوم فوق أوروبا من 1871 إلى 1914 من دون أن تنفجر في نزاع هدام.

ويذهب المؤلف إلى أن القبضة الحديدة للتمويل على الحكومات المغلوبة تستطيع أن تتجنب الكارثة، ويستشهد بحالة تركيا، فهذه الأخيرة حين تخلفت عن دفع التزاماتها المالية عام 1875 اندلعت الحرب فورا، وعندما وقعت معاهدة برلين استمر الحفاظ على السلم لست وثلاثين سنة.

وهكذا فإن تنظيم الحياة الاقتصادية هيأ الأرضية لسلم المئة عام (1815-1914)، ففي الفترة الأولى كانت الطبقات الوسطى قوى ثورية بشكل خاص تهدد السلم كما شهدت بذلك الانتفاضة النابليونية، فكان أن نظم الحلف المقدس سلمه الرجعي ضد العنصر الجديد الذي بعث الفوضى، وفي الفترة الثانية انتصر الاقتصاد الجديد فأصبحت الطبقات الوسطى نفسها مدافعة عن مصالح السلم في ظل الطابع الوطني العالمي للاقتصاد الجديد.

صعود وانهيار اقتصاد السوق
إن نقطة الانطلاق عند المؤلف هي أن الفكر الاقتصادي الحديث يستند إلى مفهوم للاقتصاد كنظام متداخل للأسواق التي تلائم آليا بين العرض والطلب من خلال آلية السعر.

ويرى أن الاقتصاديين ظلوا يعتمدون على هذا المفهوم للاقتصاد كنظام يحقق التوازن بين الأسواق، إلا أنه يؤكد أن هذا النظام مختلف تماما عما هي عليه المجتمعات الإنسانية عبر تاريخ البشرية.

"
مجتمعات السوق تنشأ من حركتين متعارضتين، حركة دعه يعمل، والحركة النقيضة لها وهي المحافظة، والتي تحاول رفع طوق المجتمع عن السوق، وهي محاولة قامت بها كل فئات المجتمع
"
ويرى كذلك أن إيجاد سوق ذي تنظيم ذاتي كامل يتطلب تحول البشر وبيئتهم الطبيعية إلى مجرد سلع، مما يؤدي إلى تهديم كامل للمجتمع والبيئة الطبيعية. ويستند المؤلف في هذا الرأي إلى تمييزه بين السلع الحقيقية والسلع الزائفة.

وبحسب المؤلف تعرف السلعة بأنها الشيء الذي أنتج لكي يباع في السوق، ووفقا لهذا التعريف تعتبر الأرض والعمل والمال سلعا زائفة لأنها في الأصل لم تنتج لبيعها في السوق، ذلك أن العمل هو نشاط يقوم به الإنسان، والأرض هي الطبيعة مقسمة، وعرض المال والإقراض في المجتمعات الحديثة هو بالضرورة ما ترسمه سياسات الحكومات، وانطلاق الاقتصاد الحديث من اعتبار هذه السلع سلعا حقيقية له مخاطر كبيرة على المجتمع بحسب المؤلف.

يرفض المؤلف اعتبار هذه السلع الزائفة سلعا حقيقية وذلك لسببين، الأول أخلاقي يعتبر معاملة الطبيعة والبشر على أنهما أشياء يتقرر سعرهما من قبل السوق هو انتهاك للمبادئ التي سادت في المجتمعات لمدة قرون طويلة.

والسبب الثاني هو دور الدولة في الاقتصاد، تلك الدولة التي يجب أن تقوم بدور مستمر في ضبط عرض المال والقروض لتجنب مخاطر التضخم والانكماش، وأن تقوم أيضا بتقديم العون في فترات البطالة.

وتبين السلع الزائفة تعذر إخراج الاقتصاد من طوق المجتمع، ذلك أن دوائر السوق الحقيقية تتطلب من الدولة أن تؤدي دورا فعالا في إدارة الأسواق، وهذا الدور يتطلب اتخاذ قرارات سياسية، وحينما تتجه سياسات الحكومات إلى رفع طوق المجتمع بالاعتماد على السوق ذات التنظيم الذاتي، فإن الناس العاديين يضطرون إلى تحمل تكاليف أعلى.

ويذهب المؤلف إلى أن مجتمعات السوق تنشأ من حركتين متعارضتين، حركة دعه يعمل، والحركة النقيضة لها وهي المحافظة، والتي تحاول رفع طوق المجتمع عن السوق، وهي محاولة قامت بها كل فئات المجتمع، ذلك أن الانكماش الاقتصادي الذي يحصل بين الحين والآخر يؤدي إلى تعطيل النظام المصرفي، فإن أرباب التجارة والأعمال يصرون على تقوية نظام المصرف المركزي ليحمي نظام الإقراض الوطني من ضغوط السوق العالمية.

لقد أراد ليبراليو السوق إنشاء اقتصاد عالمي فيه أقصى ما يمكن من الفرص لتوسيع مجال الأسواق عالميا، وكان عليه إيجاد طريقة يستطيع بها الناس من مختلف البلدان، وهم يستعملون عملات مختلفة، أن يعقدوا صفقات فيما بينهم.

ولكي يحقق الاقتصاد العالمي التنظيم الذاتي كان لا بد لكل من بلد من الالتزام بثلاث قواعد:

ـ أن يحدد قيمة عملته بالنسبة إلى كمية ثابتة من الذهب، وأن يلتزم ببيع وشراء الذهب بذلك السعر المحدد.

ـ أن يؤسس كل بلد مخزونه المالي الداخلي على كمية الذهب التي يحتفظ بها في احتياطه، فتكون عملية التداول مدعومة بالذهب.

ـ أن يعطي كل بلد المقيمين فيه حرية قصوى للدخول في صفقات اقتصادية عالمية.

"
معيار الذهب الذي حلم به ليبراليو السوق كآلية تفتح مجال العالم للازدهار، انتهى على عكس ذلك حيث أرغمت صدمات معيار الذهب الأمم على تحقيق نفسها ضمن حدود منيعة
"
ويرى المؤلف أن معيار الذهب وضع آلية مدهشة للتنظيم الذاتي، فإذا ما وقع أحد البلدان في عجز مالي لأن مواطنيه أنفقوا في الخارج أكثر مما جنوه، فإن الذهب يخرج من احتياطه ليسدد الدفعات المستحقة للأجانب، فينخفض بصورة آلية عرض المال والقروض داخليا وترتفع معدلات الفائدة، وتنخفض الأسعار والأجور، ويقل الطلب على المستوردات، ويسوى عجز البلد الاقتصادي ذاتيا من غير تدخل من الحكومة.

لكن المؤلف يذهب أيضا إلى القول إن ثمة مخاطر كبيرة ناجمة عن العمل بمعيار الذهب، فعندما تم تبني معيار الذهب في سبعينيات القرن التاسع عشر كان له التأثير الكبير في تقوية أهمية الأمة لكيان متحد.

ويرى أن القواعد البسيطة لمعيار الذهب فرضت على الناس أكلافا اقتصادية كانت لا تحتمل، فعندما تنحرف هيكلية الأسعار لبلد ما عن مستويات الأسعار عالميا، فإن الوسيلة الوحيدة المشروعة لذلك البلد ليتحكم بنزيف احتياطه من الذهب هي الانكماش، وهذا يعني السماح لاقتصاده بأن يتقلص حتى يقلل انخفاض الأجور من الاستهلاك بما يكفي لاستعادة التوازن في الخارج.

ويؤكد مؤلف الكتاب أن معيار الذهب الذي حلم به ليبراليو السوق كآلية تفتح مجال العالم للازدهار، انتهى على عكس ذلك حيث أرغمت صدمات معيار الذهب الأمم على تحقيق نفسها ضمن حدود منيعة.

وحتى عندما انهار هذا النظام المتناقض عند وقوع الحرب العالمية الأولى، ظل ينظر إلى معيار الذهب كأمر مفروغ منه وسعى المسؤول في مختلف الدول لاسترجاعه، وأعيد تمثيل المسرحية بأكملها بصورة مأساوية مرة أخرى في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين عندما أرغمت الأمم على الخيار بين حماية معدل التبادل وبين حماية مواطنيها، وكان من خلال هذا المأزق أن ظهرت الفاشية، التي جاءت لكي تحمي المجتمع من أخطار السوق عبر التضحية بحرية الإنسان.

التحول في التقدم
يذهب المؤلف إلى أن النظام المالي العالمي الحالي يختلف كثيرا عن معيار الذهب، فمعدلات التبادل والعملات الوطنية لم تعد ثابتة في علاقاتها بالذهب، فمعظم العملات يسمح لها بتقليب قيمها في أسواق الصرف الأجنبية، كما توجد مؤسسات مالية عالمية قوية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي تؤدي دورا رئيسيا في إدارة النظام العالمي.

لكن النقطة الأساسية التي يركز عليها المؤلف هنا هي أن ليبرالية السوق تجعل الطلب على الناس العاديين لا يستمر، فالعمال والمزارعون وصغار الكسبة لن يستطيعوا تحمل نمط من تنظيم الاقتصاد يكونون فيه عرضة لتقلبات دراماتيكية بين فترة وأخرى.

وقد شهدت الفترة الأخيرة من صعود الليبرالية الجديدة احتجاجات في كل أنحاء العالم يحاول فيها الناس مقاومة اختلالات الاقتصاد نتيجة العولمة.

وذهب المؤلف إلى أن اشتداد حالات السخط تدفع النظام الاجتماعي إلى منحدرات خطيرة، يلجأ على أثرها القادة السياسيون إلى تحويل النقمة للتضحية بين أمرين إما الداخل أو الخارج، وهكذا فإن تصور الليبراليين الجدد لن يؤدي إلى السلام كما اعتقدوا، بل إلى نزاعات مريرة.

"
يمكن المحافظة على ليبرالية السوق من دون أن تؤدي إلى أزمات اقتصادية، وذلك عبر تضافر جهود الناس من مختلف الأمم حول العالم لإخضاع الاقتصاد لسياسات الديمقراطية ولإعادة بناء الاقتصاد العالمي على أساس التعاون الدولي
"
ويؤكد المؤلف هنا أن دورة الصراع يمكن إيقافها، ويستشهد على ذلك بإصلاحات روزفلت في الولايات المتحدة حيث وضع مجموعة من الآليات يمكن بواسطتها حماية الإنسان والطبيعة من ضغط قوى السوق عليها، وعبر سياسات الديمقراطية تقرر حماية المسنين بالاعتماد على الضمان الاجتماعي، ووسعت حقوق الطبقة العالمة لتشكيل اتحادات فعالة.

تقوم حجة المؤلف على أهمية دور الحكومة داخليا وخارجيا، وينتقد الرأي الليبرالي الذي يقول إن تدخل الحكومة في الاقتصاد سيؤدي إلى نتائج اقتصادية سيئة، فبالنسبة له إن توسيع دور الحكومات يمكن أن يكون بداية لحقبة من الحرية، لكن مفهومه للحرية يتجاوز الحد من المظالم الاقتصادية والاجتماعية، فهو يدعو للتوسع في الحريات المدنية، ذلك أن مجتمعا يتمتع بالسلطة المدنية فإن حق الانشقاق فيه يكون محميا من قبل المؤسسات.

ويؤكد المؤلف أنه يمكن المحافظة على ليبرالية السوق من دون أن تؤدي إلى أزمات اقتصادية، وذلك عبر تضافر جهود الناس من مختلف الأمم حول العالم لإخضاع الاقتصاد لسياسات الديمقراطية، ولإعادة بناء الاقتصاد العالمي على أساس التعاون الدولي.

وقد ظهرت إشارات واضحة على هذا الاتجاه، فقد نظم الناشطون في البلدان المتطورة والنامية احتجاجات ضد المؤسسات العالمية التي تفرض قواعد الليبرالية الجديدة، وبدأت فئات من جميع أنحاء العالم حوارا عالميا لإعادة بنيان النظام المالي العالمي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك