عرض/ محمد مورو
هذا الكتاب هو دعوة إلى مناهضة الرأسمالية باعتبارها السبب الرئيسي لشقاء العالم، وجوع الإنسان، والتسبب في كوارث الموت وسوء التغذية وانتشار الأمراض والطريق إلى كل أنواع التهلكة، وباعتبار أن هذه الكوارث تتم عن عمد، فهي حرب اقتصادية وأحيانًا عسكرية بالمعنى الحقيقي وليس المجازي يدبرها ويقودها السادة الإقطاعيون الجدد، ومن ثم فهي تستحق حربًا مضادة ينخرط فيها كل سكان العالم المتضررين من آثار تلك الرأسمالية والعولمة، وهم أغلب سكان العالم تقريبًا.

-الكتاب: سادة الحرب الاقتصادية – الإقطاعيون الجدد- إمبراطورية العار
-المؤلف: جان زيجلر
-عدد الصفحات 323 
-ترجمة: د. هالة منصور عيسوي
-الناشر الفرنسي: e livre de poche
-الطبعة: الأولى/
2009
يقول المؤلف إنه في بلاد نصف الكرة الجنوبي تمتلئ المدافن الجماعية بضحايا الأوبئة والجوع يومًا بعد يوم، كما يعاني الغرب من البطالة، ويعمل التخلف الاقتصادي على الزج بالبشر في سجن كبير. فهو يسجنهم في وجود يائس، الهروب منه مستحيل، والمعاناة غير نهائية، ولا تستطيع إلا قلة قليلة نشر قضبانه والهروب، وهو سجن أبدي يأخذ حلم الحياة الأفضل فيه ملامح حلم مستحيل، وتعتبر فيه الكرامة الإنسانية وهمًا وألم الحاضر أبديًّا ولا يسمح بأي أمل.

المؤلف جان زيجلر هو مفكر فرنسي منخرط في حركات مقاومة العولمة ويعكس آراء هي أقرب إلى الاشتراكية المثالية، والكتاب يضم خمسة أبواب هي الحق في السعادة، أسلحة الدمار الشامل، الاستنزاف والتضامن، سبل التحرر، عودة النظام الإقطاعي، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة.

تحذير من عودة الإقطاع
على عكس التسلسل الماركسي المعروف والصاعد من الرق إلى الإقطاع إلى الرأسمالية إلى الشيوعية، وغير القابل للعودة إلى الخلف، فإن المؤلف جان زيجلر يحذر من عودة الإقطاع من جديد على أساس أن تصبح علاقات سخرة وعبيد وأمراء، وهو ما يتم الآن عن طريق التحكم من السادة الإقطاعيين الجدد كما يسميهم جان زيجلر في الأسعار والديون والحروب ومن ثم إخضاع العالم كله لنوع من الرق الجماعي.

يقول المؤلف تعتبر الاختيارات محدودة في النظام الرأسمالي النهاب الذي يزدهر على حساب تجويع الشعوب وتكبيل الدول الفقيرة بالدين، فإما أن يتصرف الحاكم الكوني بإنسانيته -وهذا غير واقعي- ويدمر إمبراطوريته، وإما أن ينساق مع الشيطان ويتصرف بشراسة وجشع -وهذا يحدث فعلاً- فتسقط جثث الفقراء تحت قدميه، ولا يوجد أي خيار آخر فمن الصعب على الحكام الكونيين (الإقطاعيون الجدد) أن يختاروا طريق التعاطف مع الشعوب الفقيرة.

ويعرض المؤلف في هذا الصدد عددا من أساليب الإقطاعيين الجدد للتحكم في الشعوب عن طريق زيادة أسعار المنتجات الرأسمالية وخفض أسعار الخامات التي تنتجها الشعوب الفقيرة، ومن ثم زيادة الديون على الدول الفقيرة باستمرار، وكذا تعويض النقابات العمالية باضطراد وتحدي القوانين في جميع أنحاء العالم بوقاحة والإفلات من العقاب رغم ارتكاب كل الجرائم وخرق مبادئ حقوق الإنسان.

دعوة إلى الثورة ولكن 

"
يجب أن يبدأ الناس في الثورة من جديد لأن هناك تناقضًا جذريًّا بين العدالة الاجتماعية الكونية وبين السلطة الإقطاعية أيًّا ما كانت، لا يمكن للإنسان أن يقهر الوحدة واليأس أو أي ألم من الآلام الكثيرة التي يتعرض لها إلا بالثورة عليها
"
يقول المؤلف في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين تلقى الإنسان إهانة بالغة لم يكن تخيلها ممكنا منذ خمس سنوات فقط، ولا تتحمل هذه الإهانة أي دولة قومية أو أي منظمة فوق قومية أو أي حركة ديمقراطية، فقد أحكم أمراء الحرب الاقتصادية السيطرة على الكوكب، فهم يهاجمون الدول وسيادتها ويعارضون السيادة الشعبية ويدمرون الديمقراطية ويتلفون الطبيعة ويدمرون الإنسان ويقضون على حقوقه، إنهم يحاربون جذريا حق الإنسان في البحث عن السعادة، ولا تستطيع أي سلطة أو دولة أو نقابة التصدي لقوتهم الساحقة.

ويرى المؤلف نفسه وينقل عن آخرين يشاركونه نفس الرأي أنه لا يوجد شيء مشترك بين الشعب وأعدائه إلا السيف، السيف الذي يفرق ويقطع، بيد أن الحق في السعادة، وفي الكرامة وفي الغذاء وفي الحرية هو جوهر الإنسان نفسه، وهو ما يجعل من الإنسان إنسانا، وأن الحق في الحياة واحد وأساسي ويعني كل إنسان لمجرد أنه إنسان.

ويضيف المؤلف داعيا إلى الثورة "ما العمل إذن تجاه استغلال الحكام الكونيين والعنف الذي يثيره أتباعهم وسخريتهم من حق الإنسان في البحث عن السعادة ، يجب أن يبدأ الناس في الثورة من جديد لأن هناك تناقضًا جذريًّا بين العدالة الاجتماعية الكونية وبين السلطة الإقطاعية أيًّا ما كانت، ولذلك تظل الحرب بينهما دائمة، لا يمكن للإنسان أن يقهر الوحدة واليأس أو أي ألم من الآلام الكثيرة التي يتعرض لها إلا بالثورة عليها".

ولكن المؤلف لم يحدد لنا أي طريق لهذه الثورة، فهل هي هبات عفوية بلا تنظيم ولا أيديولوجية، ولم يتوجه المؤلف إلى طبقة العمال مثلاً مثل كارل ماركس، بل دعا كل إنسان مظلوم، وهذا بالطبع خروج على الماركسية وهو أمر جيد.

ولكن المؤلف لم يقل لنا لماذا فشلت الماركسية ولماذا فشل لاهوت التحرير المسيحي في أميركا اللاتينية، وهل هناك طريق حضاري وأيديولوجي آخر –خارج إطار الحضارة الغربية وأفكارها وفلسفتها التي ينتمي إليها المؤلف ذاته- يصلح أن يكون جذرا ثقافيا لتلك الثورة، وهل يمكن أن تصبح القيم الحضارية الإسلامية مثلاً هذا الجذر الثقافي باعتبار أن المنظومة الحضارية الإسلامية فيها انحياز واضح للفقراء وفيها مخالفة واضحة للطريق الرأسمالي، وفيها أيضا تحريض على الثورة ورفض الظلم، وهي كذلك منظومة حضارية خارج إطار الحضارة الغربية ومن ثم تصلح لمواجهة الرأسمالية التي هي إحدى إفرازات الحضارة الغربية، وتنتمي لنفس الأرضية الحضارية الأوروبية " التي يسميها المؤلف إمبراطورية العار".

وبديهي أن حل المشكلة لا يمكن أن يكون استناده إلى أرضية التفكير التي أفرزت هذه المشكلة، وهناك قول مشهور للعالم الرياضي ألبرت أينشتين هو أنه إذا أردت حل مشكلة رياضية فلا تلجأ إلى نفس القوانين والقواعد التي أنشأت هذه المشكلة!

فضح الرأسمالية وأساليبها 

"
المهمة الأولى لأي رجل فكر محترم، هي نشر المعلومات وتوضيح الممارسات للسادة الإقطاعيين الجدد، فهم مصاصو دماء يخشون ضوء النهار كما يخشون الطاعون
"
لعل أهم ميزات الكتاب الرئيسية أنه استند إلى كم هائل جدا من الأمثلة والأحداث التي تفضح الممارسة الرأسمالية ولكن في إطار عاطفي ومفكك وغير منظم، ربما كانت العاطفة تغلب على المؤلف, وربما كانت هذه طريقة معتمدة في الكتابة لإحداث تأثير عاطفي على الناس ليثوروا على الرأسمالية ويناهضوها.

يقول المؤلف إنه في عام 2007 مثلاً لقي 36 مليون شخص حتفهم بسبب الآلام المبرحة أو الجوع أو نتيجة تداعيات بعض الأمراض، وسيلقى آخرون حتفهم بسبب نقص الدواء، أو بسبب أوبئة نجح الطب في علاجها منذ زمن بعيد، كما ستدمر المياه الملوثة تسعة ملايين طفل دون العاشرة، وسوف يحول المسكن غير الصحي والفئران واليأس والقذارة حياة ملايين الأمهات جحيمًا، وسوف تقضي البطالة الدائمة أو المؤقتة والخوف من المستقبل على كرامة ملايين من الرجال والآباء.

لماذا هؤلاء ولماذا لا أكون أنا في هذه الظروف، كان يمكن أن تكون الضحية زوجتي أو ابني أو أمي أو صديقي أو أيًّا من أقاربي أو من الذين أحبهم، هؤلاء الضحايا الذين يقتلون بعشرات الملايين كل عام، هم ضحايا ما يطلق عليه (بابوف) القوانين الفظة، ولا يفصلني عن هؤلاء الشهداء إلا صدفة ميلادي.

والمهمة الأولى لأي رجل فكر محترم، هي نشر هذه المعلومات وتوضيح ممارسات السادة الإقطاعيين الجدد، فهم مصاصو دماء يخشون ضوء النهار كما يخشون الطاعون.

ويتعاطف المؤلف مع الشباب الأفريقي الذين يتركون بلادهم كل عام ويجازفون بحياتهم من أجل محاولة الوصول إلى أوروبا ويعتبر أن عدم إنقاذ الغرقى من هؤلاء، أو إطلاق الرصاص على من يصل منهم إلى الشواطئ الأوروبية، جريمة أوروبية تجعل من أوروبا إمبراطورية للعار.

ويقول المؤلف "إن الإجراءات التي تتخذها الدول الأوروبية السبع والعشرون ضد سيل المهاجرين الأفارقة هي -في حقيقة الأمر– إجراءات حرب بمعنى الكلمة بين هذه القوة العالمية، وبين هؤلاء الشباب الأفارقة من القرويين أو الحضريين، الذين لا يملكون أي وسيلة دفاع، والذين تمتهن حقوقهم في التعليم والتوعية الاقتصادية والعمل والغذاء بأسلوب منظم في بلادهم الأصلية. إن هؤلاء الشباب هم ضحايا لقرارات واختيارات اقتصادية شمولية ليسوا مسؤولين عنها، ورغم ذلك فإنهم يُطردون ويطاردون ويهانون عندما يحاولون البحث عن مخرج من أزمتهم من خلال الهجرة".

العنف الهيكلي -الحرب على الإرهاب 

"
يجب أن نعلم أن البؤس هو منبت إرهاب الجماعات المتطرفة، وأن الذل والخوف والبؤس تمهد الأرض للأعمال الانتحارية وأنه في مقابل إرهاب الدولة ينشأ إرهاب الجماعات الصغيرة
"
يرى المؤلف أن الحرب في إمبراطورية العار ليست عرضية بل دائمة ليست حالة مرضية، بل هي المعيار والقاعدة، ليست حالة من غياب العقل، بل هي سبب وجود الإمبراطورية أصلا.

ويطلق المؤلف مصطلح "العنف الهيكلي" على هذا النظام الجديد للكون وعلى هذه الممارسات الجديدة، فقد تحولت ممارسة أقصى درجات العنف إلى ثقافة في يومنا هذا، فهي تسود العالم وتظل قائمة بل إنها أصبحت التعبير العادي للإقطاعيات الرأسمالية في المؤسسات العسكرية وفي عالم الاقتصاد والسياسة.

حتى إن هذه الممارسة غدت في جوهر النظام العالمي، وبعيدًا عن أن تكون ممارسة العنف الأقصى دلالة على خسوف عارض للعقل، صارت تنتج آلية نشأة الكون الجديد، وصارت تمثل نظرية مشروعيته، كما أصبحت تنتج شكلاً جديدًا ومبتكرًا للأنا الأعلى الجماعية والكونية وتدل عليه، وهي تكمن في قلب منظمة المجتمع الدولي، وتمثل هيكله، وبالمقارنة بالقيم المؤسسة لعصر التنوير، فإنها تشير إلى انهيار واضح لتلك القيم، التي يبدو أنها اختفت وبلا عودة .

ويرى المؤلف أن الجماعات الإرهابية نشأت ردًّا طبيعيا على العنف الرأسمالي المنظم، ويقول "يجب أن نعلم أن البؤس هو منبت إرهاب الجماعات المتطرفة، وأن الذل والخوف والبؤس تمهد الأرض للأعمال الانتحارية وأنه في مقابل إرهاب الدولة ينشأ إرهاب الجماعات الصغيرة.

ويطرح المؤلف مفارقة بديهية، وهي أن تكاليف الحرب في العام الواحد تصل إلى تريليون دولار، في حين أن 58 مليار دولار فقط أي حوالي 1/20 من ميزانيات الحروب والقواعد العسكرية والإنفاق على التسليح، على حد تقدير برنامج الأمم المتحدة للتنمية لو أنفقت سنويًّا لمدة عشر سنوات تكفي لتوفير التعليم الأساسي والرعاية الصحية الأساسية والغذاء المناسب والمياه الصالحة للشراب والبنى التحتية الصحية لكل كائن بشري على وجه العرض، ولكن الحرب العالمية على الإرهاب تعمي أبصار هؤلاء الذين يقودونها، هذه الحرب ليست لها عدو محدد، وليست لها نهاية متوقعة، إنها حرب ألف سنة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات