عرض/زياد منى
منطلق هذا المؤلف، المكتوب بلغة عذبة ومبسطة، والذي أثراه الكاتب بأمثلة حية من مختلف دول العالم وتجاربها القديمة والحديثة والمعاصرة، قول المؤرخ الروماني سيسرو: "الجهل بما جرى في العصور الغابرة يعني أن الواحد سيبقى طفلا". فالأمر الأساس من منظور المؤلف معرفة تاريخ الرأسمالية والتجارة العالمية والعولمة "السري" لنقض أطروحات الاقتصاد النيوليبرالي، ولاستقاء الدروس منه لصالح الدول الفقيرة.

-الكتاب: سامريون سيئون، أسطورة التجارة الحرة وتاريخ الرأسمالية السري
-المؤلف: ها-جون تشنغ
-الصفحات: 267
-الناشر: بلومزبري برس، نيويورك
-
الطبعة: الأولى/ 2008
البروفيسور ها جُون-تشنغ اقتصادي عالمي شهير وأستاذ في جامعة كمبردج البريطانية، عمل مستشارا لكثير من الهيئات العالمية ومنها الأمم المتحدة والبنك الدولي والبنك الآسيوي للتطوير، كما حاز على جوائز عالمية عديدة في مجال الاقتصاد.

الصفة سامريون منسوبة إلى المدينة الفلسطينية العتيقة "شمرون" التي تعرف حاليا باسمها الإغريقي المعرب "نابلس-المدينة الجديدة"، وعنوان الكتاب مأخوذ من إنجيل لوقا 10:30-37 عن فاعل خير من تلك المدينة حيث كان أهلها ملعونين في التوراة، وصار في اللغات اللاتينية الأصل صنوا لفاعل الخير. أما "السامري السيئ" فهو الشخص الذي يقدم نصائح سيئة "يقذف بالسلم ومن عليه خلفه بعيدا بعيد وصوله إلى القمة ليمنعهم من الوصول إليها".

منطلق الكتاب وهدفه
تاريخ الرأسمالية كما تصوره الدول المتطورة غير صحيح، بل مضلل، وهدف ترويجه تسويغ نصائح سياسية واقتصادية واجتماعية ضارة بالدول الفقيرة، لـ"إقناعها" بتقبل سياسات "الثالوث المقدس"، أي منظمة التجارة العالمية والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، التي تخدم في المقام الأول الدول الصناعية المتقدمة ولسان حالها يقول: طبقوا ما نمليه عليكم، وليس: افعلوا ما فعلناه نحن.

الكاتب يلجأ إلى تاريخ نشوء الرأسمالية والعولمة من مصادره الأولية، وبالتالي "السري" بمعنى "غير الرسمي المعتمد حاليا"، حيث يكشف لجوءها، جميعها بدءا من بريطانيا والولايات المتحدة، وانتهاء بألمانيا وإيطاليا، وعلى نحو مباشر، إلى أنظمة الحماية والتعريفات الجمركية لحماية اقتصادياتها.

ولذا فهو يرى توافر حاجة إلى العودة إلى التاريخ الحقيقي وليس إلى ذلك الذي أملاه المنتصر من وجهة نظر معاصرة فرضت على الماضي، وإلى التجارب الأخيرة لإثبات أن فرض "الاقتصاد النيوليبرالي" هو سبب مشكلات العالم وليس العكس.

ينطلق المؤلف من تجربة بلاده كوريا، في الستينيات إلى الثمانينيات ليثبت أن الحماية والحد من الاستيراد هما اللذان ساعداها على التحول إلى دولة صناعية متقدمة في عالم اليوم، وعلى عكس ما يدعيه منظرو الاقتصاد النيوليبرالي.

وهو يناقش آراء العديد من منظري الاقتصاد النيوليبرالي، ومنهم توماس فريدمان ونيال فرغسُن، ويقدم تصورات بديلة للدول الفقيرة تأخذ همومها في الاعتبار عبر عرض هو مزيج من التاريخ وتحليل عالم اليوم وتنبؤات مستقبلية واقتراحات من أجل التغيير.

تاريخ اقتصادي سياسي مسكوت عنه
المؤلِّف يصل إلى هدفه هذا عبر نقاط عرضها في تسعة فصول، إضافة إلى مدخل وخاتمة. وقد خصص الفصلين الأولين للحديث عن "تاريخ الرأسمالية السري" مشددا على أنه لا يتحدث ضمن ما يسمى "نظرية المؤامرة" أو ما إلى ذلك، ولكن انطلاقا من حقائق مسجلة بكلمات لا لبس في معناها. وهو يلجأ إلى تاريخ كل من بريطانيا وأميركا اللتين تبنتا سياسة الباب المفتوح ليوضح أن ذلك لم يكن منذ بداية التطور الصناعي:

"
ما يعرضه "المنتصر" في التاريخ هو نصف الحقيقة، والأخيرة، بدورها، وكما نعرف، كذبة كاملة, فعلى عكس ما تدعيه كتب التاريخ السائدة، بريطانيا والولايات المتحدة لم تكونا مناطق تجارة حرة منذ البدايات، بل أكثر دول العالم حماية
"
- ما يعرضه "المنتصر" في التاريخ هو نصف الحقيقة، والأخيرة، بدورها، وكما نعرف، كذبة كاملة. فعلى عكس ما تدعيه كتب التاريخ السائدة، بريطانيا والولايات المتحدة لم تكونا مناطق تجارة حرة منذ البدايات، بل أكثر دول العالم حماية.

فالأولى تبنت التجارة الحرة في القرن الـ18 بعدما تمكنت من تثبيت موقعها الاقتصادي العالمي الريادي عبر حماية اقتصادية متشددة جوهرها دعم الصناعة القطنية التي كانت تعد في تلك الأيام "التقانة المتطورة" وحمايتها، إضافة إلى تشجيع المنتجات المحلية وتوزيع حقوق الاحتكار وممارسة التجسس الصناعي.

هذا بدأ في أيام هنري السابع واستعرضها الروائي والاقتصادي والجاسوس دانييل دافو في مؤلف ‹خطة للتجارة الإنجليزية،1728 م› الذي أهمله أو تجاهله كل من كتب سيرته، صاحب مؤلف "روبنسون كروزو" التي هي بالمناسبة رواية اقتصادية بامتياز.

ويستعين الكاتب بمثال جزيرة هونغ كونغ المحبب إلى منظري الاقتصاد النيوليبرالي لإثبات صحة آرائهم الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ونجاعتها، لإثبات العكس.

فالمؤلف ينبه إلى حقيقة أن تلك الجزيرة لم تكن يوما بلدا مستقلا، بل تابعة لبريطانيا. وثمة حقيقة أخرى عادة ما يتم السكوت عنها، وهي أن تلك الجزيرة أضحت كيانا منفصلا بعد "حرب الأفيون–1841م" التي شنتها بريطانيا على الصين بهدف فرض نظام الباب المفتوح عليها بعدما وضعت تعرفات جمركية لمنع استيراد ذلك المخدر السام الذي كانت بريطانيا ترسله لها من مزارعها في الهند.

- والطرف الآخر الذي يعمل على فرض هذه السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، أي الولايات المتحدة، فقد اتبعت الأمر نفسه منذ حرب الاستقلال 1812-1816م، ورفعت التعرفة على الاستيراد من 25% إلى 40%. بل إن اقتصادها القائم على الحماية كان الأكثر تطورا وتوسعا في تلك الفترة "القرن الـ19 إلى عشرينيات القرن الماضي".

دحض المنطلقات النظرية الاقتصادية النيوليبرالية
في الفصول 3-9 يستخدم المؤلف مزيج من النظرية الاقتصادية والبراهين المعاصرة لدحض ما يطرحه منظرو الاقتصادي النيوليبرالي، أي "السامريون السيئون"، وإثبات خطئها من الأساس مستخدما أمثلة اقتصادية تطبيقية معاصرة.

المؤلف يلخص رأيه في نقاط رئيسة سبع مع أمثلة كثيرة سنكتفي بقسم منها توضح صحة رأيه:

- التجارة الحرة تقلل من خيارات الدول الفقيرة. في حالة وجود صحة مطلقة لهذا وجب أن ينطبق الأمر على المكسيك بالدرجة لأنها تجاور أكبر سوق في العالم، أي الولايات المتحدة، كما أنها تملك مقومات نمو جيدة "البنية التحتية". لكنها عندما طبقت مبدأ التجارة الحرة انهارت فيها قطاعات اقتصادية مهمة وهبط معدل النمو بما لا يقاس.

- منع السوق المحلي على الشركات الأجنبية قد يكون مفيدا على المدى البعيد. مثال شركة نوكيا الفنلندية يثبت العكس حيث لم يفتح ذلك البلد أسواقه إلا أخيرا، ما منحها فرصة التطور العالمي.

- الاستثمار في شركات خاسرة ضار. لكن حكومات بريطانية مختلفة تدخلت في القطاع الخاص وأممت شركات خاسرة وحولتها إلى رابحة، ومثال ذلك شركة رولز رويس وصناعة الحديد والصلب. واليونان أيضا فعلت الأمر نفسه مع كثير من الصناعات الوطنية الخاسرة وساعدتها على التجدد والانتقال إلى الربح.

"
بعض أفضل شركات العالم أداء وربحا تملكها حكومات, أفضل مثال هو الخطوط الجوية لسنغافورة التي تملكها الحكومة وتعد من أفضل شركات العالم في مجالها
"
- بعض أفضل شركات العالم أداء وربحا تملكها حكومات. أفضل مثال هو الخطوط الجوية لسنغافورة التي تملكها الحكومة وتعد من أفضل شركات العالم في مجالها.

- اقتراض الأفكار من أجانب أداؤهم جيد أساس للتطور الاقتصادي. ارتفاع أسعار كثير من السلع التي يحتاج إليها الفقراء، ومن ذلك الأدوية "مثلا أدوية مقاومة مرض فقدان المناعة المكتسب "الإيدز"" يحفز الدول السائرة في طريق النمو على تصنيعها دون الاكتراث ببراءة الاختراع حيث تبيعها بأسعار رخيصة لشعوب الدول الفقيرة. مثالا الهند التي تصنع كثيرا من الأدوية دون الحصول على إذن مالكي براءة الاختراع، وتبيعه لفقراء العالم بأسعار منخفضة للغاية.

- التضخم المنخفض والحذر الحكومي قد يكونان ضارين بالتطور الاقتصادي. معدل التضخم المالي في البرازيل في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي كان نحو 42%، لكن معدل النمو فيها تلك الفترة كان 4.5%، وكان الأعلى عالميا.

- الفساد موجود بسبب "سوق فائض" وليس "سوقا أقل"، والسوق الحر والديمقراطية ليسا شريكين طبيعيين.

أجرى الكتاب مقارنة بين بلدين ابتليا بحكام طغاة لصوص وقتلة هما زائير برئاسة موبوتو وإندونيسيا برئاسة سوهارتو. خلال تسلط موبوتو على حكم البلاد بين العامين 1965 و1997، سرق ما يقارب 5000 مليون دولار، أي نحو خمسة أضعاف دخل البلاد عند استقلالها.

في إندونيسيا تسلط سوهارتو على البلاد بين العامين 1966 و1998، وتقدر قيمة سرقاته بين 15 و32 ألف مليون دولار "متوسط 25 مليارا"، أي نحو خمسة أضاعف دخل البلاد في العام 1961 م. لكن عندما فقد الأول السلطة، كان دخل البلاد ثلث ما كان عليه عند استلامها، بينما ارتفع دخل الثانية إندونيسيا بمقدار 300%.

- الدول فقيرة ليس لأن شعوبها كسلى، وإنما شعوبها "كسلى" لأنها فقيرة. يناقش طرح صمويل هنتغنتون صاحب نظرية "صراع الحضارات" حيث شدد على دور الثقافة في تقرير مصير أمة ما واتجاه تطورها.

المؤلف يقدم براهين تطبيقية تثبت خطأ تلك النظرية بأمثلة عديدة نذكر منها مثال من ماليزيا "البلد المسلم المفترض أنه يحد من دور النساء في الحياة العامة" حيث أكثر من نصف موظفي مصرف البلاد المركزي هم من النساء، وهو مقدار أكبر من العاملات في أي مصرف في الدول المسيحية المفترض أنها أكثر "نسوية" تجاه المرأة. لذا فإن عائق التطور الاقتصادي ليس "الثقافة" وإنما الاقتصاد.

خاتمة وكلمة أخيرة
السامريون السيئون، الذين يقدمون نصائح رديئة، يزورون التاريخ هدفهم خدمة مصالحهم ومصالح من يمثلون، أي الدول الصناعية الكبرى واحتكاراتها الساعية لأقصى درجات الربح والهيمنة. إنهم يقدمون للدول السائرة في طريق النمو النصائح الغلط للهدف نفسه.

"
السامريون السيئون، الذين يقدمون نصائح رديئة، يزورون التاريخ هدفهم خدمة مصالحهم ومصالح من يمثلون، أي الدول الصناعية الكبرى واحتكاراتها الساعية لأقصى درجات الربح والهيمنة
"
لكنه المؤلف يرى، انطلاقا من تصوراته المتخيلة التي لخصها في الفصل الأخير أن من مصلحة الطرفين، الدول الصناعية والسائرة في طريق النمو أن ترتقي الأخيرة عبر الأطر الاقتصادية المناسبة لها، وعلى وجه الخصوص ممارسة الحماية وإغلاق أسواقها أمام الشركات الأجنبية وعدم قبول الخصخصة وما إلى ذلك من شروط "الثالوث المقدس".

في الوقت نفسه يبرئ المؤلف هذا الطرف من سوء النية ويرى أنه من الممكن إقناعهم بتبديل سياساتهم التي ساروا عليها لأنها الأسهل لهم، وهو ما لا نتفق عليه معه.

وقد توجهنا إلى المؤلف لنسأله إن كانت الأزمة الاقتصادية الرأسمالية الأخيرة قد أثبتت صحة قناعاته التي سجلها في المؤلف أم أنه عليه مراجعتها؟، فأجاب "إن الأزمة أثبتت صحة آرائه واستنتاجاته على نحو جلي، ونفاق هذه الدول الصناعية يتضح بشكل تام عبر اتباعها سياسة عجز هائل في الميزانية ودعم كبير لصناعاتها الوطنية الخاسرة "مثلا صناعة السيارات"، في الوقت الذي تطالب في الدول السائرة في طريق النمو إلى الامتناع عن ذلك.

كلمة أخيرة، ليت اقتصاديي بلادنا وسياسييها يقرؤون هذا الكتاب الذي حاز على شهرة كبرى ورضا كبير بين أوساط الاقتصاديين في الدول المصنعة قبل الهرولة الارتجالية نحو الخصخصة والانصياع لشروط المنظمات الاقتصادية الدولية التي خلقتها الدول الصناعية الكبرى لتفرض من خلالها شروطها على الطرف الأضعف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك