عرض/ زياد منى
بداية نشدد على أن هذا الكتاب من المؤلفات التي يصعب مراجعتها لأنها هي ذاتها تلخيص مكثف للغاية لمعضلة ما، وهي هنا مشكلة نقص المياه والأخطار المرتبطة بها.

لذلك فإننا سنكتفي بتسليط الضوء على النقاط الرئيس التي تناولها، وليتنا نقرؤه كاملاً قريبًا بالعربية ليعلم كل مواطن منا مدى الكارثة الكونية المقبلة، ذلك أن بلادنا ستكون من أوائل الأقاليم التي ستعاني هذه المشكلة السنوات القليلة المقبلة والتي ستهدد حياتنا جميعا، ما لم توضع لها الحلول الصحيحة.

ننوه بداية إلى أن المؤلفة مود بارلو ترأس مؤسسة مشروع الكوكب الأزرق (Blue Planet Project) الحائزة على جائزة نوبل البديلة، تقديرًا لنشاطها بمجال "العدالة في الحصول على الماء العذب".

الأسباب موضوعية وذاتية

-الكتاب: الميثاق الأزرق, الأزمة المائية العالمية والمعركة القادمة على المياه
-المؤلفة: مود بارلو
-الصفحات: 196
-الناشر: ذي نيو برس

-الطبعة: الأولى/2007
السبب الرئيس لنقص مياه كوكبنا إضافة إلى التغير المناخي، ازدياد عدد سكان العالم حيث تضاعف بالقرن العشرين بمقدار 300%، بينما زاد استهلالك الماء بمقدار 700% مما يؤدي إلى القضاء على مصادر المياه غير القابلة للتجدد بمعدلات خطيرة للغاية.

لكن يضاف إلى ذلك سوء استهلاك المياه العذبة وإدارتها وتلويثها، ومن ذلك على سبيل المثال:

- لا مسؤولية في استهلاك المياه بالزراعة: إنتاج كيلو من الحنطة يحتاج 1000 لتر ماء، وإنتاج كيلو قطن يحتاج 30000 لتر.

- دول الشمال مشاركة في صنع الأزمة حيث تعتمد الولايات المتحدة على المياه الجوفية غير القابلة للتجدد لسد 50% من احتياجاتها، والمقدار يزيد في أوروبا إلى 65%.

- 90% من المياه المستعملة في أفريقيا تصرف في الأنهر من دون تطهير مما لوث 75% من أنهرها، ويؤدي إلى وفاة مليوني طفل سنويًا.

- مثلاً، مدينة مومباي الهندية توفر مرحاضا واحدا لكل 5440  شخصا.

- فقط 3% من سكان مدينة جاكرتا يتمتعون بأنظمة صرف صحية.

- في روسيا 75% من المياه السطحية، و30% من المياه الجوفية ملوثة.

- في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، تصرف المياه المستعملة إلى جوف الأرض من دون معالجة.

- في أوروبا 20% من مياه القارة السطحية مهدد بالتلوث، وفقط خمسة من أصل خمسين نهرًا يحتفظ بنقائه الأصلي.

- فقط 2% من مياه أميركا اللاتينية الملوثة تعالج.

- كل بحيرات أفريقيا الـ677 ملوثة.

النتائج
نقص المياه العذبة وسوء إدارة ما توافر منها، أدى إلى مجموعة من الكوارث البيئية والصحية منها:

- عدم وصول عدد من الأنهر إلى البحر، منها ريو غرانده بالولايات المتحدة، ونهر الهندوس بباكستان، ونهر موراي بأستراليا، والنهر الأصفر بالصين، ونهر الأردن، ونهر أوكسس وسط آسيا.

- في إيطاليا جف وادي نهر البو الذي يروي زراعة ثلث أكل البلاد.

- مساحة بحيرة تشاد تقلص بمقدار 90%.

- في الصين تلوثت 80% من أنهر البلاد إلى درجة عدم احتوائها على أي حياة، و90% من مياه مدنها ملوثة، و7 من أكثر عشر مدن العالم تلوثًا موجودة بالصين.

- فقط ربع سكان باكستان يحصلون على مياه نظيفة.

- عدد ضحايا الإسهال من الأطفال بسبب تناول مياه ملوثة، يفوق قتلاهم بكل النزاعات منذ الحرب العالمية الثانية.

- الصيد أو السباحة في 40% من أنهر الولايات المتحدة خطر على الصحة، وربع شواطئها مغلق بسبب التلوث.

- الكتل الجليدية في طريقها للاختفاء. فعلى سبيل المثال عام 1985 كان 75% من جليد جبال الألب يتقدم، أما الآن فإن 90% منه يتراجع.

"
المياه أضحت مسألة أمنية بكثير من دول الشمال وصارت مصدر نزاعات مختلفة الأشكال ومنها بين القرى والمدن وحتى بين الجيران مالكي الأراضي الزراعية بمختلف الدول مثل أستراليا وأميركا الشمالية والصين
"
- المياه أضحت مسألة أمنية بكثير من دول الشمال، وصارت مصدر نزاعات مختلفة الأشكال، ومنها بين القرى والمدن، وحتى بين الجيران مالكي الأراضي الزراعية بمختلف الدول مثل أستراليا وأميركا الشمالية والصين.

 وما يزيد من خطورة الأمر وجود نحو 215 نهرًا و300 حوض جوفي تتشارك فيه دولتان أو أكثر. وهي ترى أن مناطق النزاعات المستقبلية ستكون في فلسطين/ "إسرائيل"، تركيا/ سوريا، الصين/ الهند.

- ضرورة إخلاء مدن بأكملها في مقدمتها العاصمة اليمنية صنعاء، وكذلك مدن وأقاليم بباكستان ومنغوليا وإيران ونيجيريا والمكسيك وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا.

- التقانة المستقبلية مثل بذر السحاب، وهي إضافة أيوديد الفضة والثلج الجاف إلى السحاب لتحفيز الهطل، وتستعمل حاليًا بـ24 دولة، تؤدي إلى إشعال أزمات وصراعات بين المدن والقرى جوهرها "سرقة السحب". وكثير من العلماء يرون أن هذه التقانة ستؤثر سلبًا في الدورة الهيدروليكية.

الحلول الإدارية والتقنية الضارة
لأن مصادر المياه في العالم أضحت محدودة، اندلع صراع عالمي بين معسكرين أولهما يضم تحالف حكومات "دول الشمال" تدعمها هيئات ومؤسسات عالمية مثل "البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية" وبعض مكونات هيئة الأمم المتحدة أيضًا، وهو يدعو إلى عد الماء سلعة تحقق الربح.

المعسكر الثاني يضم حركة عدالة المياه العالمية التي شكلها محبو البيئة والناشطون بمجال حقوق الإنسان والمنظمات النسائية وصغار المزارعين والفلاحين والهيئات الفرعية التي تناضل من أجل السيطرة على الموارد المائية الوطنية والإقليمية، وغيرها من هيئات "نظام عالمي بديل" للذي نعيشه والقائم على هدف تحقيق أقصى الأرباح مهما كان الثمن، وجميعها تؤمن بأن المياه إرث إنساني لكل البشر ولكل المخلوقات، ومن غير المقبول إطلاقًا لأي كان أن يسيطر عليها أو منعها عن أي بسبب عدم المقدرة على دفع ثمنها.

حكومات الشمال دعمت الهيمنة الاحتكارية الخاصة عبر ربط مساعداتها لدول بالجنوب بذلك، بعدما فرضت عليها قبلاً خصخصة الرعاية الصحية والتعليم والكهرباء والمواصلات.

وتمت ممارسة الضغوط على الحكومات عبر البنك الدولي الذي يفرض نظما اقتصادية محددة شرطًا لتقديم القروض. وقد ساهم في تفاقم أزمة المياه العالمية عبر عد الماء سلعة، في قرار أصدره عام 1993 حيث تمكن مع الشركات الخاصة من فرض سيطرة القطاع الخاص على المياه.

كما فرض الخصخصة على الأمم المتحدة عبر إعلانه أن للماء قيمة اقتصادية، في مؤتمر دبلن عام 1992 الذي حضره ممثلو مائة دولة ومؤسسات ومنظمات المجتمع المدني.

وقد ساهم الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان في ذلك حيث دعم تأييد منظمته دخول القطاع الخاص ميدان الاتجار بالماء، ومن ذلك تمويل شركتي فيوليا وسويز المتخصصتين بتقانة الماء مؤتمرًا لليونسكو عن المادة حيث وضعت شعاريهما إلى جانب شعار الأمم المتحدة.

كما قدمت الشركة الأخيرة منحة مليون دولار تقريبًا لجامعة دلفت بهولندا لتأسيس كرسي متخصص بالتعاون بين القطاعين العام والخاص وغيرهما في مجال استثمار المياه.

"
لأن مصادر المياه في العالم أضحت محدودة، اندلع صراع عالمي بين معسكرين أولهما يضم تحالف حكومات "دول الشمال" الذي يعد الماء سلعة تحقق الربح, أما المعسكر الثاني فيضم حركة "عدالة المياه" العالمية والتي ترى المياه إرثا إنسانيا لكل البشر
"
في عام 1992 أسست 180 شركة، وأكثر من خمسين مجلس أعمال وطني وإقليمي "مجلس الأعمال العالمي للتطور المستدام" للتأثير في قرارات مؤتمر الريو.

وفي عام 1997 تأسست مجموعة خاصة تطالب بخصخصة المياه. وقبل ذلك بعام تأسست هيئة "عالمية" أخرى هدفها تحويل الماء إلى سلعة تدر أرباحًا. شركات الماء صارت قوية لدرجة أنها قادرة على التأثير في قرارات حجب المساعدات الحكومية عن الدول الفقيرة المعارضة لخصخصة المياه؛ مثلا شركة فيوليا لديها 272000 موظف وعائداتها الآن 34 مليار دولار، بينما كانت خمسة مليارات قبل عقد من الزمن.

لأن هدف شركات الماء الربح وليس تأدية دور اجتماعي، تسود ذلك القطاع مختلف أوجه الفساد المعروفة مثل رفع الأسعار غير المسوغ وقطع المياه عن الملايين ونوعية الماء المنخفضة والتلوث وطرد العمال.. إلخ. ومن المفارقة أن الشركات الخاصة تطالب الحكومات بدعم كلفة مد خطوط مياه الشفة إلى المناطق الفقيرة والنائية، مع أن فلسفة "الخصخصة" مبنية أساسًا على رفع كاهل "الدعم" عن الحكومات!.

وثمة مثال مهم يوضح ذلك التأثير السلبي بالأرقام: في عام 1950 كان سعر قدم/هكتار ماء (1,3 مليون م3 دولار واحد، فارتفع عام 2007 إلى 16000 دولار.

تجارة المياه المعبأة: عام 1970 كان بالسوق مليار لتر ماء معبأ في زجاجات، وعام 2006 ارتفع المقدار إلى 200 مليار لتر، وتسيطر عليه أربع شركات أكبرها نستلا السويسرية تليها دانوني وبيبسي كولا وكوكا كولا.

هذه التجارة التي تأخذ ما يهطل من السماء مجانًا وتبيعه للناس بأضعاف سعر البنزين، تلوث البيئة لأنها تستخدم حاويات مصنعة تنفد ثاني أكسيد الكربون الذي يتسبب في احترار الأرض.

تقانة ضارة
- بناء السدود الكبيرة "بلغ عددها 95000 سد": يفاقم مشكلة نقص المياه لأنها تحصر المواد العضوية والزراعة المتعفنة التي تصدرا غاز الميثان الذي يتسبب في الاحترار، إضافة إلى الهجرة السكانية القسرية.

- نقل المياه الجوفية: كما في مشروع "النهر الصناعي العظيم" في ليبيا الذي يخلق مشكلة بيئية كبرى، إضافة إلى حقيقة أن خزان المياه الجوفي ذاك يقع تحت أراضي كل من تشاد والسودان ومصر أيضًا مما يعني مصدر نزاع مستقبلي. ومشروع "إسرائيل" لنقل مياه البحر الأحمر إلى البحر الميت الذي يكاد يختفي بسبب تحويلها مجرى نهر الأردن لسقاية المستعمرات، سيتسبب في معضلة بيئية ضخمة مصدرها الطحالب التي ستتجمع في المجرى.

- تحلية المياه: تقانة مكلفة وضارة بالبيئة لأنها تنتج مواد سامة وغازات تساعد في تفاقم الاحترار. فالصور الفضائية لمحطات تحلية المياه بالمملكة السعودية، وهي أكبر منتج مياه محلاة بالعالم، تظهر تلوثا خطيرا في مياه البحر المحيط بها، الذي هو في الأصل ملوث بمجاري البلاد نفسها.

البدائل

"
البدائل الحقيقية للممارسات الحالية والتي تشكل صمام أمان للمستقبل دومًا (وفق المؤلفة) تتلخص في صيانة وعدالة وديمقراطية المياه
"
نجحت كثير من القوى وهيئات المجتمع المدني في وقف عملية الخصخصة ومقاومة كارتيلات الماء بالعديد من الدول الفقيرة، وفي مقدمتها بوليفيا التي اضطرت تحت الضغط الشعبي إلى طرد شركة الماء الأميركية.

كما حقق الهجوم المضاد لقوى "عدالة المياه" العديد من النجاحات المهمة في كل من الأرجنتين والمكسيك وتشيلي والإكوادور والهند ودول المحيط الهادي وإندونيسيا والفلبين وأستراليا وجنوب أفريقيا وناميبيا وغانا وأميركا الشمالية وأوروبا.

لذا فإن البدائل الحقيقية للممارسات الحالية والتي تشكل صمام أمان للمستقبل دومًا (وفق المؤلفة) تتلخص في ثلاث نقاط هي صيانة وعدالة وديمقراطية المياه.

هذا يعني بالضرورة عد الوصول إلى المياه العذبة حقا من حقوق الإنسان وإعلانه شرعة من شرائعه، بكل ما يعني ذلك من تبعات قانونية عالمية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات