عرض/عبد الحافظ الصاوي

في غياب دولة القانون يختلط الأمر على الباحث وتضيع الحقائق العلمية، ولا تعبر الأرقام أو الدراسات البحثية عن الواقع المعيش في أي مجتمع.

-الكتاب: جذور الفساد الإداري في مصر، بيئة العمل وسياسات الأجور والمرتبات في مصر، 1963 – 2002
-المؤلف: عبدالخالق فاروق
-عدد الصفحات: 374
-
الناشر: دار الشروق, القاهرة
-
الطبعة: الأولى/2008
وهناك ظاهرة ملموسة في المجتمع المصري، وهي تضاؤل المرتبات للعديد من الفئات العاملة، ولكن على الجانب الآخر توجد معدلات استهلاك لا تخطئها عين تزيد بكثير عن معدلات الأجور الممنوحة والمعروفة للعاملين، سواء في الحكومة أو القطاع العام أو القطاع الخاص، وهذا بدوره أدى إلى انتشار العديد من مظاهر الفساد التي يمكن القول بأنها أصبحت جزءا من بنية النشاط الاقتصادي في مصر.

وفي دراسة علمية يرصد كتاب "جذور الفساد الإداري في مصر، بيئة العمل وسياسات الأجور والمرتبات في مصر، 1963 – 2002" مظاهر الفساد التي ترتبت على الخلل في بنية الأجور والمرتبات وكذلك بيئة العمل.

بيئة عمل سلبية
يتضمن الكتاب ثلاثة أبواب، تحتوي على أحد عشر فصلاً، متضمنة ثلاثمائة وأربعة وسبعين صفحة من القطع المتوسط. حمل الباب الأول عنوان "بيئة العمل في القطاع الحكومي المصري" تناول فيه الباحث بيئة العمل في الأدبيات الإدارية، وبخاصة في التجربة العالمية والعربية والمصرية، مبيناً فقر الكتابات العربية في هذا المجال، وتلك الفجوة الموجودة بين علمي الإدارة والاجتماع فيما يتعلق ببيئة الأعمال، وأن التجربة المصرية التي تمثلت في بعض رواد علم الإدارة العامة انحسرت في دراسة بعض الجوانب الجزئية في تأثيرها على الأداء الإداري.

كما أنها أخذت على الصعيد التطبيقي بما تم التصديق عليه من اتفاقيات دولية في هذا الصدد، وأصبحت هذه الاتفاقيات جزءا من قانونها العام والخاص، وذلك منذ صدور دستور عام 1923.

إلا أن الكتاب يظهر عدم الالتزام العملي بما جاء في هذه الاتفاقيات أو ما تضمنته الدساتير المصرية منذ عام 1923 وحتى الآن. سواء في ما يتعلق بحقوق العمال في قضية الأجور وبيئة الأعمال المناسبة، ويدلل الكتاب على ما تم بخصوص الزيادة في راتب رئيس الجمهورية بنسبة 300% في عام 1987، حيث صدر القانون رقم 101 لنفس العام ليقضي بـ"زيادة مرتب رئيس الجمهورية بنسبة 300% سارية من تاريخ إصدار القانون وفي نفس مدة الرئاسة".

وهو ما أعد مخالفة للمادة 80 من الدستور في هذا التاريخ والتي تنص على "يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية ولا يسري تعديل المرتب أثناء مدة الرئاسة التي تقرر فيها التعديل.

كما أشار الكتاب إلى الشريحة التي تغطيها الدراسة من العاملين في مصر، وهى فئة العاملين في الجهاز الإداري للدولة والإدارة المحلية، والتي يقدر حجمها بنحو 85% من العمالة الحكومية، مستثنياً العاملين في الهيئات الاقتصادية والخدمية، بسبب ضآلة التمويل الذي أتيح لإنجاز هذا البحث. كما بين طرائق الحصول على المعلومات والبيانات حيث استخدمت آلتا الاستبيانات والمقابلات الشخصية.

"
النتائج التي توصل إليها الباحث في هذا الباب تظهر بيئة العمل غير المناسبة في كل من الجهاز الإداري للدولة والإدارة المحلية، وإن كانت في الأخيرة يمكن وصفها بالمتدنية
"
إلا أن النتائج التي توصل إليها الباحث في هذا الباب تظهر بيئة العمل غير المناسبة في كل من الجهاز الإداري للدولة والإدارة المحلية، وإن كانت في الأخيرة يمكن وصفها بالمتدنية.

هذا فضلاً عن وجود مؤشرات عن تضييع وقت العمل في قراءة الصحف وتناول المأكولات والمشروبات وأداء الصلوات، وافتقاد العديد من أماكن العمل الحكومية لدور حضانة، أو أماكن لتناول العاملين وجبات الطعام، كما تنتشر في كلا الجهتين ظاهرة الاتجار في السلع كنوع من تحسين الدخل، سواء كانت ممارسة الظاهرة من قبل العاملين أنفسهم، أو من قبل بائعين من الخارج.

وفي ملاحظة سريعة لغياب العدالة في تقديم الخدمات للعاملين على قدم المساواة يرصد الباحث وجود 11751 سيارة لنحو ثمانية آلاف شخص يشغلون مناصب عليا، أى أن نصيب كل فرد نحو 1.4 سيارة، ولا تشمل هذه الإحصائية السيارات المخصصة للهيئات الرقابية مثل مجلسي الشعب والشوري، أو الجهاز المركزي للمحاسبات والرقابة الإدارية، أو الوزارات السيادية مثل الداخلية والدفاع، وكذلك جهاز الأمن القومي.

غياب الشفافية
تناول الكتاب في بابه الثاني سياسات الأجور والمرتبات بالقطاع الحكومي المصري خلال الفترة من 1944 وحتى عام 2002.

وقد أشار الباحث إلى سبب عودته إلى إجراء مقارنة بين الموازنة المصرية في مرحلة ما قبل الثورة، والموازنة المصرية فيما بعد، هو أن الموازنة قبل الثورة كانت تتسم بالشفافية والوضوح، وبخاصة ما يتعلق بقضية الإنفاق على الأمن والعدالة، بينما بعد الثورة وحتى الآن كما يرى الباحث فهناك عدم إفصاح فيما يخص الإنفاق على هذين البندين، وأن هناك باباً مفتوحاً للمكافآت والحوافر بهاتين الجهتين يبعدهما عن الرقابة والمسؤولية.

وكان من أهم العوامل التي ساعدت على الشفافية والوضوح في موازنة ما قبل الثورة مناخ الحريات العامة، الذي افتقدته مصر فيما بعد.

ويرصد الباحث العديد من المخالفات الدستورية بشأن الموازنة من حيث فصل الهيئات الاقتصادية والخدمية عنها وجعل علاقاتها تنحصر فقط بالموازنة بالعجز والفائض، وهو ما يساعد على إبعاد هذه الهيئات عن أعين الرقابة.

والجانب الثاني وهو ما يتم إعطاؤه من صلاحية لرئيس الوزراء أو وزير المالية بموجب قانون تأشيرات الموازنة، لتكون لهما حرية النقل من باب إلى باب، وهو ما يعني أن اعتماد مجلس الشعب للموازنة ليس محل احترام، ولكن يمكن التعديل فيه.

وعادة ما كانت الحكومة خلال فترة الدراسة تؤخر تقديم الحساب الختامي للموازنة إلى مجلس الشعب لفترة قد تصل إلى ثلاث سنوات، وهي مخالفة قانونية صريحة، حيث من المفترض أن يقدم الحساب الختامي بعد فترة ثمانية أشهر من انتهاء السنة المالية.

تفاوت الأجور
يرصد الباحث العديد من الظواهر السلبية فيما يخص الأجور والمكافآت للعاملين لدى الحكومة، ومن ذلك ما يلي:

• وجود ثلاثة مستويات لتصنيف العاملين لدى الحكومة، المستوى الأول وهو ما يطلق عليه أجهزة الدرجة الأولي، وهى التي تخص رئاسة الجمهورية والهيئات الرقابية والأجهزة السيادية، وبعض أجهزة وزارة التجارة مثل التمثيل التجاري، وهؤلاء يتقاضون مكافآت تعادل ثلاثة أو أربعة أضعاف الأجر السنوي (تشمل المكافأت من 36 – 48 شهرا خلال السنة).

"
الظاهرة اللافتة للنظر بشكل أكبر، هى عدم تحريك قيمة الرواتب الأساسية لدى العاملين بالحكومة بما يتناسب مع معدلات التضخم، والالتزامات المعيشية التي صاحبت المتغيرات الاقتصادية والانتقال إلى اقتصادات السوق
"
المستوى الثاني ويطلق عليه الوزرات أو الجهات المتوسطة حيث يحصلون على مكافآت لا تزيد عن 18 شهرا في السنة، ويضم هذا المستوى الجمارك والرقابة على الصادرات والواردات ووزارة التخطيط. والمستوى الثالث يحصلون على مكافآت من 3 – 6 أشهر في العام، ويمثل هؤلاء ما نسبته 83% من موظفي القطاع الحكومي في مصر.

• أما الظاهرة اللافتة للنظر بشكل أكبر، وهى عدم تحريك قيمة الرواتب الأساسية لدى العاملين بالحكومة بما يتناسب مع معدلات التضخم، والالتزامات المعيشية التي صاحبت المتغيرات الاقتصادية والانتقال إلى اقتصادات السوق، فتوضح بيانات الموازنة أن بند المكافآت يصل إلى نحو 240% من الرواتب الأساسية.

فأي منطق يحكم العلاقة الأجرية؟ فالمنطق أن المكافأة أو الحافز جزء من الراتب وليس العكس.

الاقتصاد غير الرسمي وتغير الأجور والإنفاق
يرى الباحث أن الاقتصاد المصري تعرض خلال الثلاثين عاماً الماضية لمجموعة من المتغيرات، الداخلية والخارجية ساهمت بشكل كبير في إحداث تغيرات في هيكل الرواتب والإنفاق، للدرجة التي يصعب معها الاعتماد على البيانات الخاصة بالحسابات القومية الصادرة عن الحكومة المصرية، وذلك لأن معظم هذه الدخول وصور الإنفاق تتم في إطار ما يسمى الاقتصاد غير الرسمي.

وتحت الاقتصاد غير الرسمي يوجد تصنيفات عدة منها ما هو مشروع، مثل أن يحصل بعض العاملين بالحكومة على دخول إضافية نتيجة قيامهم بأعمال أخرى بعد انتهاء العمل الرسمي، أو الدروس الخصوصية، ومنها ما هو غير مشروع، وهو ما يطلق عليه الاقتصاد الأسود، مثل الاتجار في العملة والدعارة وتجارة المخدرات والرشى داخل المؤسسات الحكومية، وبخاصة داخل أقسام الشرطة والمستشفيات العامة والأعمال الإدارية داخل المحاكم.

ومن هنا لم تعد الأجور والمكافآت المدونة في البيانات الحكومية معبرة عن الواقع الحقيق، كما رصد الباحث التغيرات التي حدثت من تحسن في دخول المصريين نتيجة الهجرة للخارج، وبخاصة إلى دول الخليج، وما ترتب عليها أيضاً من تغيرات ملموسة في إنفاق المصريين، متمثلاً بشكل كبير في الدروس الخصوصية والهواتف المحمولة، وخدمات النقل والترفيه.

إلا أن أهم ما يقف عليه الباحث في هذا الباب هو تلك التقديرات حول الاقتصاد الخفي في مصر، مستعيناً بدراسة لخبير نمساوي قدر حجم هذا الاقتصاد في مصر بما يعادل 35% من حجم الناتج المحلي الإجمالي، وتقدير أخر لخبير مصري، هو الدكتور محمود عبد الفضيل يقدر فيه حجم الاقتصاد الخفي بنحو 12.5% من الناتج المحلي الإجمالي، ويرى الباحث أن تقدير عبد الفضيل متحفظ جداً.

وفي ملاحظته حول التغير الحادث في هيكل الإنفاق في المجتمع المصري يرصد الأتي:

• أن الإنفاق العائلي شهد خلال فترة الدراسة زيادة على حساب الإنفاق الحكومي ليصل إلى ما نسبته 96.4% من الإنفاق القومي بعد أن كان 91.5%.

• الإنفاق على الطعام تراجع إلى 56.5% بعد أن كان 60.9%.

• الإنفاق على الخدمات زاد من 14.3% إلى 17.5%.

نحو إستراتيجية تنموية لسياسات الأجور بالقطاع الحكومي
يرصد الباحث عشر سلبيات في السياسة الأجرية للعاملين بالحكومة أدت إلى سلوكيات شديدة الخطر ولا أخلاقية لدى العاملين بالجهاز الحكومي.

"
من أبرز السلبيات في السياسة الأجرية للعاملين بالحكومة غياب سياسة الثواب والعقاب، الفجوة الكبيرة بين الأجور في القطاع الخاص والحكومي، وعدم مراعاة الضغوط التضخمية في تحديد أجور العاملين
"
ومن أبرز هذه السلبيات: غياب سياسة الثواب والعقاب، الفجوة الكبيرة بين الأجور في القطاع الخاص والحكومي، وعدم مراعاة الضغوط التضخمية في تحديد أجور العاملين بالحكومة، كما أصبحت المكافآت والحوافز جزءا من الرتب لا ترتبط بمعايير الأداء نظراً لضعف الرواتب الحكومية، وزيادة الاستقطاعات الحكومية من الرواتب للضرائب والتأمينات لتصل إلى نحو 35% من الأجر الأساسي والمتغير، وأيضاً غياب مراعاة الأعباء الوظيفية لبعض العاملين مثل المدرسين والأطباء والعاملين بالإدارة المحلية.

ويطرح الباحث في نهاية بحثه ثلاثة مرتكزات لإستراتيجية أجرية تنموية للعاملين، تعمد على مفهوم مرن للعدالة في الأجور يرتكز على وجود حدود للفوارق الكبيرة بين العاملين في الجهاز الحكومي بحيث لا تزيد عن نسبة 1 : 25، وعدم التفرقة بين العاملين بالجهاز الإداري للدولة والعاملين بالإدارة المحلية من حيث المزايا والمكافآت.

والعنصرالثاني وجود مفهوم صارم لقياس الكفاءة، والعنصرالثالث -الأخير- ضبط سوق العمل الخاص والاستثماري وتوفير الحدود اللائقة الخاصة ببيئة العمل، داخل مؤسسات هذا القطاع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك