عرض/ نبيل السهلي

يأتي هذا الكتاب الذي نعرض له في مرحلة دقيقة تمر بها القضية الفلسطينية، في ظل تغييب محكمة الجزاء الدولية التي تحمي وتصون حقوق الإنسان، إذ إن من شأنها أن تسوق المجرمين الصهاينة الذين ارتكبوا جرائم حرب حقيقية في قطاع غزة في أواخر ديسمبر/كانون الأول الماضي وبداية يناير/كانون الثاني من العام الحالي 2009، وكذلك من على شاكلتهم من أعداء البشرية إلى المحاكم الدولية ليصار إلى تجريمهم لقاء ما اقترفوه من مجازر بشعة، أسوة بمحاكمة مجرمي الحرب في صربيا ورواندا، والنازية من قبلهم.

- الكتاب: أميركا وإسرائيل ومحاكم الجزاء الدولية
- الكاتب: المحامي ظافر من خضراء
- الصفحات: 217
- الناشر: دار كنعان للدراسات والنشر، دمشق، سوريا
- الطبعة الأولى 2009

ويتضمن الكتاب مفاصل هامة تلقي الضوء على هيمنة السياسة الأميركية على أداء المنظمات الدولية ذات الصلة بالعدالة الدولية ونشرها، بحيث تهربت الإدارات الأميركية المتعاقبة من تفعيل هذه المؤسسات كي لا تطال قوانينها جنودها وقياداتها وكل من يسير في ركبها ممن اقترفوا الجرائم في كل من العراق ولبنان وفلسطين.

وإذا كان حكام إسرائيل على اختلاف تعاقبهم الزمني قد افلتوا حتى الساعة من المثول أمام تلك المحاكم بفضل الدعم والانحياز والحماية الأميركية التي تكيل القضايا الدولية بأكثر من مكيال، بسبب تفردها كقطب أوحد في الساحة الدولية، فإن الحال الأعوج لن يطول إلى الأبد، فلا بد أن تصحو الإرادة الدولية وتستقيم الأمور صونا للأمن والسلم الدوليين.

وفي هذا السياق لا بد من الإشارة إلى محكمة الجزاء الدولية التي تنظر في القضايا التي تطال الجرائم الأكثر خطورة التي تهدد المجتمع الدولي، كجريمة الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان.

وتقوم المحكمة بمحاكمة الأشخاص وحتى المسؤولين عن تلك الجرائم ومرتكبيها، ولا تعترف بالحصانة لمن يرتكب هذه الجرائم. وكانت محكمة الجزاء الدولية قد أنشئت بموجب اتفاقية بتاريخ 17/7/1998، ومقرها في مدينة لاهاي الهولندية.

الوجه القانوني للصراع العربي الإسرائيلي
في الفصل الأول من الكتاب الذي نعرض له، يشير الكاتب إلى أهمية الوجه القانوني المتعلق بمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية المختصة، إذ بدأ بعض العرب بالتنبه إليه، فكان تحريك الدعوات ضد الإرهابي أرييل شارون أمام القضاء البلجيكي، فيما تزايدت الدعوات من أجل تقديم إرهابيين إسرائيليين كثر أمام محكمة الجزاء الدولية، أمثال إسحاق شامير قاتل الوسيط الدولي في عام 1948 الكونت برنادوت.

ويرى الكاتب ضرورة العودة إلى الوراء كي نتتبع تلك السلسلة الطويلة من عمليات القتل والمجازر الإسرائيلية في دير ياسين وكفر قاسم، وقرية الطنطورة في الساحل الفلسطيني وقرية بلد الشيخ إلى الجنوب الشرقي من مدينة حيفا عروس الساحل الفلسطيني، ناهيك عن المجازر الإسرائيلية في عمق المحيط العربي، في قانا على سبيل المثال لا الحصر.

"
هل يمكن الحديث عن عدالة دولية في عالم يسرح فيه قادة إسرائيل ويمرحون، وهم من أبرز مرتكبي المجازر التي جاء وصفها في مقدمة النظام الأساسي لمحكمة الجزاء الدولية
"
ويصل الكاتب إلى سؤال يبرز بقوة فعل المجازر التي ترتكبها إسرائيل على مدار الساعة بحق العرب الفلسطينيين، والسؤال هو هل يمكن الحديث عن عدالة دولية في عالم يسرح فيه قادة إسرائيل ويمرحون، وهم من أبرز مرتكبي المجازر التي جاء وصفها في مقدمة النظام الأساسي لمحكمة الجزاء الدولية على أنها نوع من أنواع الأعمال الوحشية صدمت على نحو عميق ضمير الإنسانية.

وتبعا لذلك تحتم الضرورة عرض وتقديم قادة إسرائيل أمام تلك المحاكم الدولية، وخاصة أن تاريخ إسرائيل يرتبط إلى حد كبير بتاريخ عدد غير محصور من المجازر، وقد كان اقتلاع أكثر من خمسين في المائة من الشعب الفلسطيني إلى خارج أرضه في عام 1948 عبر ارتكاب المجازر أحد أهم أكبر الانتهاكات لحقوق الإنسان في العالم.

ويسرد الكاتب في الفصل الأول من الكتاب أسماء عدد كبير من القادة الإسرائيليين الذين ارتكبوا جرائم حرب ضد الشعب الفلسطيني، ومنهم على سبيل المثال إيهود أولمرت وشاؤول موفاز وإيهود باراك وتسيبي ليفني وغيرهم، وقد يساعد ذلك في التأسيس لمقاومة قانونية حقيقية، وتقديم القتلة الإسرائيليين إلى مؤسسات العدالة الدولية وفي المقدمة منها محاكم الجزاء الدولية.

حكام إسرائيل ومحكمة الجزاء الدولية
يورد الكاتب في الفصل الثاني من الكتاب أدلة دامغة تجرم القادة الإسرائيليين، فكافة المجازر والجرائم التي ارتكبتها إسرائيل على مدار أكثر من ستة عقود (1948-2009) تؤهل المسؤوليين الإسرائيليين للوقوف أمام العدالة الدولية لمحاكمتهم على الجرائم التي ارتكبوها.

وذكر الكاتب ببعض المذابح الإسرائيلية، ففي قبية ارتكب الجيش الإسرائيلي مذبحة فظيعة في عام 1951، كما ارتكب مجزرة مروعة في خان يونس بقطاع غزة في عام 1956، وقام بقتل الأسرى المصريين في عام 1956، وفي سبتمبر/أيلول من عام 1982 ارتكب مجزرة مروعة في مخيمي صبرا وشاتيلا في العاصمة اللبنانية بيروت.

واستمرت المجازر الإسرائيلية كنهج صهيوني، فارتكب الجيش الإسرائيلي مجزرة الحرم القدسي الشريف في عام 1990، وفي الحرم الإبراهيمي في مدينة خليل الرحمن في عام 1993.

ويؤكد الكاتب أن ما سبق ذكره غيض من فيض، حيث ترتكب إسرائيل مجزرة مفتوحة ضد الشعب الفلسطيني، ويصل الأمر إلى أن تكون عملية إبادة وحشية كاملة للبشر والحجر والشجر، حيث تغتال إسرائيل كافة أشكال الحياة على الأرض الفلسطينية.

وجرائم إسرائيل التي نشهدها يوميا -حسب الكاتب- لا تقل فداحة وفظاعة وعنفا عن جرائم النازيين إبان دخولهم بلجيكا وبولندا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية.

والمطلوب أن تتحمل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومحكمة الجزاء الدولية مسؤولياتها وتقوم بإصدار أمر اعتقال لمجرمي الحرب الإسرائيليين وأن يلاحقوا دوليا وأن تصدر أحكامها العادلة التي ترضي الضمير العالمي والإنساني.

وفي هذا السياق يمكن الإسراع في أداء المؤسسات الدولية القانونية لمحاكمة إسرائيل كدولة وقادتها كمجرمي حرب، خاصة بعد انكشاف الوجه الحقيقي لإرهاب الدولة المنظم، ونقصد هنا الإرهاب الإسرائيلي المدعوم أميركيا.

"
جرائم إسرائيل التي نشهدها يوميا لا تقل فداحة وفظاعة وعنفا عن جرائم النازيين إبان دخولهم بلجيكا وبولندا وفرنسا خلال الحرب العالمية الثانية
"
التحركات القانونية ضد إسرائيل
مع ازدياد وتيرة الجرائم الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني، بدأ الالتفات نحو إمكانية محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، وهو أمر لم يكن العرب قد تنبهوا إليه سابقا، لكن على الرغم من أهمية تلك التحركات وتأثيرها العميق، فإنها ما زالت تتسم بشيء من العشوائية، فضلا عن بعثرة الجهد، ما يبرز الحاجة إلى ضرورة تنظيم الجهود وتوحيدها بغية الوصول إلى نتائج مطلوبة.

وقد لفت الكاتب الانتباه في الفصل الثالث إلى بعض التحركات التي حدثت من أجل التأسيس لمحاكمة حقيقية لمجرمي الحرب في إسرائيل، ومن تلك التحركات والأنشطة، قبول النيابة العامة في تونس عريضة دعوى رفعتها المنظمة العربية للمحامين الشباب والجمعية التونسية للمحامين الشبان ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون الميت سريريا والذي ارتكب وقاد أكثر من ثلاث عشرة مجزرة، منها مجزرة مخيمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين في لبنان في سبتمبر/أيلول من عام 1982.

ومن التحركات الأخرى لمحاكمة ومعاقبة مجرمي الحرب الإسرائيليين، دعوة المؤتمر العربي الإقليمي لمناهضة العنصرية في أكثر من مناسبة المنظمة الدولية إلى تحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الفلسطيني بالاستناد إلى قرارها رقم 377 لعام 1950 والمعروف بالاتحاد من أجل السلام.

كما نبه المؤتمر العربي لمناهضة التمييز العنصري الأطراف السامية الموقعة على اتفاقية جنيف لعام 1949 للانعقاد بأسرع وقت ممكن من أجل اتخاذ إجراءات عملية لضمان انصياع إسرائيل لالتزاماتها بموجب الاتفاقيات.

ويذكر أن المؤتمر العربي الإقليمي كان قد ناقش أوراقا حول العنصرية الإسرائيلية من خلال قراءة القوانين الإسرائيلية التي تتضمن نفحات عنصرية ضد الأقلية العربية في داخل الخط الأخضر.

إضافة إلى ذلك ثمة تحركات من الاتحاد البرلماني العربي ونقابة المحامين المصريين واتحاد المحامين العرب لتجريم الإرهابيين الإسرائيليين ومحاكمتهم في نهاية المطاف.

ويصل الكاتب إلى تسجيل توصية هامة تتمثل في ضرورة إنشاء محكمة جزاء عربية، تقوم بإبرام الأحكام اللازمة ضد المجرمين الإسرائيليين، الأمر الذي يسهل قيام طوق قضائي دولي حول مجرمي الحرب الإسرائيليين، كما أنه يسهل التحرك أمام محكمة الجزاء الدولية بغية تقديم أولئك المجرمين إليها ومعاقبتهم على جرائمهم التي اقترفوها بحق الشعب الفلسطيني.

"
بعد انكشاف صورة إسرائيل البشعة التي قتلت المئات من أطفال غزة ونسائها وشيوخها في بداية العام الحالي باتت الضرورة تحتم إنشاء شبكة للتاريخ العربي الشفوي بشأن المجازر الإسرائيلية
"
مركز بحث عربي لتوثيق المجازر
بعد عرض أهم ما جاء في الكتاب، أرى كباحث أنه من الضرورة بمكان العمل بشكل فعال ومجد باتجاه إنشاء مركز بحث عربي من أولى مهماته توثيق المجازر الإسرائيلية في فلسطين والدول العربية وفق آليات مهنية عالية، وبعد ذلك تتم عملية الاتصال بالمؤسسات الدولية ذات الصلة لمحاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين.

وفي هذا الإطار يمكن الكشف عن عشرات من المجازر الصهيونية في حال الوصول إلى رواة من القرى التي ارتكبت بحقها مجازر لكنها لم تسجل لأسباب ضعف الإعلام من جهة وعدم وجود وعي كاف لتسجيل التاريخ الشفوي الفلسطيني ومن بينها المجازر.

لكن بعد انكشاف صورة إسرائيل البشعة التي قتلت المئات من أطفال غزة ونسائها وشيوخها في بداية العام الحالي باتت الضرورة تحتم إنشاء شبكة للتاريخ العربي الشفوي بشأن المجازر الإسرائيلية، بحيث تقوم بعمليات بحث وتسجيل تبدأها من أهالي قطاع غزة، فضلا عن روايات لأهالي القرى الفلسطينية التي حدثت فيها مجازر، بحيث يشارك في الإعداد للبحث والقيام به قانونيون وعلماء اجتماع وعلماء نفس عرب في المقام الأول.

ومن ثم يتم العمل على تحليل آثار المجازر على الشعب الفلسطيني، ونشرها في وسائل الإعلام العربية وخاصة عبر ندوات في الفضائيات ومراكز البحث، حيث لم ينشر إلا القليل عن المجازر الإسرائيلية التي دفعت غالبية الفلسطينيين خارج أرضهم في عام 1948 وبعده.

وقد يكون من باب أولى أن تقوم الجامعة العربية بوضع آليات حقيقية لإنشاء مركز بحث تابع لإحدى دوائرها مهمته الأساسية إخراج التصور المذكور إلى حيز الوجود. فهل يستخدم العرب ومن ضمنهم الفلسطينيون مقاومة كامنة جديدة قد تكون مفيدة تتمثل في المقاومة القانونية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك