عرض/ حسين عبد العزيز

لأن جوهر الصراع بين الشمال والجنوب في السودان هو صراع هويات، يركز هذا الكتاب على الإطار النظري لمفهوم الهوية والظاهرة الإثنية، وتأثيرات ذلك في العلاقات بين الجنوب والشمال.

-الكتاب: مسألة الجنوب ومهددات الوحدة في السودان
-المؤلف: الدكتور عبد مختار موسى
-عدد الصفحات: 318
-الناشر: مركز دراسات الوحدة العربية, بيروت
-الطبعة: الأولى/2009

 

كما يرصد الكتاب المقولات والأحداث التي تحكم الصورة الذهنية التي يحملها الجنوبي عن الشمالي، ليبين غياب الاندماج الاجتماعي والتفاعل الثقافي بين الطرفين.

يتألف الكتاب من خمسة فصول رئيسية: يناقش الفصل الأول تركيبة مجتمع جنوب السودان وخلفيات العلاقة مع الشمال، ويتناول الفصل الثاني البعد الديني لمسألة الجنوب ومسألة تسييس الدين.

أما الفصل الثالث فيتناول صراع الهويات من منظور سوسيولوجي، ليبحث الفصل الرابع مهددات الوحدة، وفي الفصل الخامس يلقي الكتاب الضوء على اتفاقية السلام الشامل مع محاولة تقييمها.

جنوب السودان: التركيبة وخلفيات العلاقة مع الشمال
تألف السودان من عدة ممالك ومشيخات كمملكة الفونج (1504، 1821)، ومملكة كرفان، ومملكة الفور، وقبائل زنجية في الجنوب، وقبائل البجا في الشرق.

بدأت هذه التكوينات تشكل منذ عام 1821 كينونة سياسية هي التي تعرف الآن بالسودان، على أن تلك الكينونة لم يكتمل تأسيسها في بضعة أعوام، بل تواصلت عملية التوسع طوال العهد التركي/المصري، وكان لكل واحد من هذه التكوينات مسار تطوره المختلف عن الآخر، لكن كانت بينهم عوامل مشتركة، فالملكية المشاعية القبلية للمراعي كانت السائدة في حزام السافنا، وملكية الأرض على ضفاف النيل في أواسط السودان، كما نجد عمل الرقيق الذي يمثل الشكل الشرقي للعبودية.

كان الجنوبيون معزولين عن جيرانهم في شمال السودان والحبشة بحواجز جغرافية، وشكلت جبال النوبة في جنوب كردفان وجبال الحبشة حصونا لمجموعات وثنية تعمل في الزراعة، وما وراء ذلك كانت ترقد أراضي الجنوب في مستنقعات وأدغال استعصت على عملية الاختراق الحضاري.

يميز المؤلف في جنوب السودان بين ثلاثة تكوينات على أساس معايير اللغة والثقافة:

- المجموعة الأولى، سودانية تضم قبائل مثل الزاندي والمورو والبونجو.

ـ المجموعة الثانية، النيلية الحامية وتضم قبائل مثل الباريا والكاكوا والفاجلو والتبوسا.

ـ المجموعة الثالثة، النيلية وتضم الدينكا والنوير والشلك والأنوال.

يرى المؤلف أن أهالي النيل قاوموا كل أشكال النفوذ الأجنبي، وقد شكلت هذه الشعوب الرعوية مثالا حيا للعزلة السياسية التي ميزت مجتمعات جنوب السودان قبل أن يتم افتتاحه ابتداء من عام 1840.

في مقابل ذلك يظهر مؤلف الكتاب أن شمال السودان قد شكل تاريخا مختلفا عن الجنوب، فعبر آلاف السنين كان أهالي الشمال أعضاء في سلسلة من الحضارات الكبيرة، مثل المصرية القديمة، والمسيحية الشرقية، والعربية الإسلامية.

البعد الديني لمسألة الجنوب

"
أخطر ما في البعثات المسيحية الأوروبية الكاثوليكية قديما في السودان هو حملات التشويه ضد الإسلام، حيث ادعت هذه الحملات أن الإسلام يتسم بالانحلال الأخلاقي وتعدد الزوجات وسهولة الطلاق
"
بدأ اهتمام الإرساليات المسيحية بجنوب السودان في فترة الحكم التركي المصري، ثم بدأت حملة منظمة لنشر المسيحية مع الحكم الثنائي البريطاني المصري.

ويؤكد المؤلف أن السودان قسم إلى مناطق عمل للحملات التبشيرية بين البعثات المسيحية الأوروبية الكاثوليكية المختلفة، غير أن أخطر ما في المشروع هو حملات التشويه ضد الإسلام، حيث ادعت هذه الحملات أن الإسلام يتسم بالانحلال الأخلاقي وتعدد الزوجات وسهولة الطلاق.

وكان من الطبيعي أن يكون رد فعل المسلمين عنيفا، ففي عام 1961 منعت حكومة عبود أي صلوات مسيحية خارج مباني الكنيسة، وفي العام الذي يليه طردت كل البعثات التبشيرية من جنوب السودان.

ويذهب المؤلف إلى أن هذه الإجراءات قد ألقت بظلالها على العلاقات الشمالية الجنوبية، ووصل الأمر إلى قمته عام 1965 عندما فقد عدد من الجنوبيين أرواحهم نتيجة عمليات قام بها الجيش ضد المتمردين الجنوبيين.

وفي عام 1969 سعى العقيد جعفر النميري بأطروحته اليسارية إلى دمج الشمال والجنوب في مشروع اشتراكي، على الرغم من اعترافه بالفوارق التاريخية والثقافية بين الطرفين، غير أن السياسات الاشتراكية لم تحقق أي تغيير، حيث بقي الدين المسيحي عنصرا مهما في الأيديولوجية الجنوبية، كما اتضح لاحقا في أطروحات الحركة الشعبية لتحرير السودان في تعاملها مع نظام الإنقاذ الإسلامي فيما بعد.

على أن أخطر ما في الأمر بحسب مؤلف الكتاب هو تدويل المشكلة مع انضمام المعارضة الشمالية إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان، ونقل التمرد إلى دول الجوار وتصويرها للغرب على أنها صراع ديني بين المسيحية والإسلام، والعرب والأفارقة جعل القضية تأخذ منحى دوليا.

تزامنت حرب الجنوب في تسعينيات القرن المنصرم مع متغيرات محلية وإقليمية ودولية:

على الصعيد المحلي، يرى المؤلف أن وصول الإنقاذ إلى الحكم وإعلانه التوجه الإسلامي قد أتاح الفرصة للحركة الشعبية باستخدام البعد الديني لصالحها.

وعلى الصعيد الإقليمي، تزامن ذلك مع ظهور دولتي إثيوبيا وإريتيريا اللتين أظهرتا حساسية من التوجه الإسلامي في الخرطوم.

وتفجرت الأزمة مع اتهام إثيوبيا وإرتيريا لحكومة الإنقاذ بدعمها المعارضة الإسلامية في بلديهما، وكان من نتيجة ذلك أن تحولت أديس أبابا وأسمرا إلى قاعدتين ينطلق منهما الجيش الشعبي لتحرير السودان.

أما على الصعيد الدولي، فقد تزامنت هذه التطورات مع انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي وهيمنة الولايات المتحدة على العالم، متزامنة ببناء واشنطن لتحالفات جديدة تمتد من إثيوبيا وإرتيريا وأوغندا، إضافة إلى دخول إسرائيل على الخط كأحد اللاعبين الذين لديهم أهداف خاصة في أفريقيا.

صراع الهويات ومسألة الجنوب

"
على الرغم من أن الإثنية والدين يشكلان مكونات حيوية للهوية في الواقع السوداني، إلا أن تأثير الإثنية يطغى أحيانا في الهوية، خاصة الهوية السياسية، وقد طغى تأثيرها في العامل الديني عندما تم تسييس الدين
"
يعتبر السودان من أكثر الدول التي تعاني التنوع الإثني والثقافي والديني واللغوي، حيث يضم نحو 572 قبيلة، ويتحدث سكانها 115 لغة.

وعلى الرغم من هذه التعقيدات، شكل الدين الإسلامي واللغة والثقافة العربية قاعدة أساسية للهوية لدى الجماعات المختلفة في شمال السودان، حيث أضعفت هذه الهوية الهويات الأخرى، غير أنها لم تقض على الهويات الأخرى، لكنها احتوتها من خلال عملية استيعابية شكلت مصدرا للتعايش السلمي لمختلف الإثنيات.

ويرى المؤلف هنا أن الدين مثل الأيديولوجيا يمكن أن يشكل حاضنا للهوية عندما يكون هو المرجعية في القيم والمواقف والسلوك، وكذلك الإثنية يمكن أن تكون محورا للهوية.

ويرى المؤلف أنه على الرغم من أن الإثنية والدين يشكلان مكونات حيوية للهوية في الواقع السوداني، فإن تأثير الإثنية يطغى أحيانا في الهوية، خاصة الهوية السياسية، وقد طغى تأثيرها في العامل الديني عندما تم تسييس الدين، وهناك كثير من الأمثلة، فيحيى بولاد الذي كان من أحد كوادر الحركة الإسلامية، انتقل والتحق بالمعارضة المسلحة وتحالف مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بعدما رأي معاناة أهله في دارفور، لقد طغى البعد الإثني على البعد الديني.

ويرى المؤلف أن الفوارق الإثنية في الحالة السودانية تحمل في ثناياها الفوارق الثقافية والدينية والاقتصادية، فالعناصر الزنجية غير العربية هي التي يتركز فيها الوجود غير الإسلامي مسيحيا كان أو وثنيا، كما أن هذه العناصر تحتل في غالبها هامش الحياة الاقتصادية، وهي كذلك ضحية التراتيب الاجتماعية التي أفرزتها الظروف التاريخية.

ويؤكد مؤلف الكتاب أن انتشار المسيحية في جنوب السودان هو الأكبر والأسرع في أفريقيا، ويرجع الجنوبيون هذا إلى التعسف وسياسة الإقصاء التي انتهجتها حكومة الجبهة الإسلامية، وهنا والكلام للمؤلف شكل الدين المسيحي الملجأ والخلاص للجنوبيين، وهذا التفسير للدين كعنصر دينامي في فضاء الهوية السودانية ينطوي بحسب الكتاب على إعادة تقسيم جوهري لتراث القوميات والهوية في سياق لاهوتي وروحي وأخلاقي.

ويبين المؤلف أن تآكل البنية الاجتماعية والأخلاقية للمجتمعات المحلية أتاح للكنيسة فرصة لعب دور قيادي في المجتمع المدني والحكومة المحلية في الجنوب، وهذا يعني أن الخط الفاصل بين الشمال والجنوب أصبح أكثر حدة.

مهددات الوحدة: شواهد من الواقع
في هذا الفصل يسجل المؤلف مقولات ووقائع تعبر عن الصورة الذهنية التي يحملها الجنوبي عن الشمالي:

- عندما تنشب مشاجرة بين جنوبي وشمالي في أحد وسائل النقل، عادة ما يتدخل أي جنوبي ليدافع عن الطرف الجنوبي، على الرغم من عدم وجود أي علاقة بينهما، بينما يجد الشمالي نفسه وحيدا أمام مجموعة من الجنوبيين تستعد لضربه، وهذا الأمر معروف لدى الشماليين.

- غياب الزواج بين شطري الدولة إلا في حالات نادرة، فلا نجد شمالي يوافق على تزويج ابنته من جنوبي، والعكس صحيح، الأمر الذي يعني انعدام أهم عامل في الاندماج الاجتماعي وهو التزاوج.

- ينظر الجنوبيين إلى التعريب الذي تبنته حكومة الإنقاذ في بداية التسعينيات على أنه وسيلة لإقصائهم وحرمانهم، وقال البعض إن سبب تمردهم هو سياسة التعريب المعتمدة.

"
يلعب الأطفال في الشمال لعبة اسمها لعبة الحرب، حيث ينقسم التلاميذ إلى مجموعتين، واحدة تمثل الشماليين وأخرى تمثل الجنوبيين، وهذا يعني أنه قد ترسخت في عقول الأطفال صورة ذهنية فحواها أن العلاقات بينهما هي علاقات حرب وعداء
"
- في مدن الشمال، يلعب الأطفال لعبة اسمها لعبة الحرب، حيث ينقسم التلاميذ إلى مجموعتين، واحدة تمثل الشماليين وأخرى تمثل الجنوبيين، وهذا يعني أنه قد ترسخت في عقول الأطفال صورة ذهنية فحواها أن العلاقات بين الشمال والجنوب هي علاقات حرب وعداء.

وفي دراسة ميدانية للنازحين الجنوبيين الذين نزحوا إلى الشمال منذ عام 1983، لاحظت الدراسة وجود بطء شديد في عملية الاندماج مع الشماليين، ويعود ذلك لأسباب عدة أهمها:

- اختلاف العادات والتقاليد بين الطرفين.
- اللغة من حيث هي حاجز ضد الاختلاط.
- الدين، حيث لم يختلط الجنوبيون إلا قليا مع الشماليين لتعارض عاداتهم مع التعاليم الإسلامية.
- الحاجز الاقتصادي، حيث يعيش أغلب الجنوبيين على أقل من دولار في اليوم، ولاسيما المتواجدين في المعسكرات.

اتفاقية السلام الشامل
لاحظ مؤلف الكتاب أن اتفاقية السلام (2005) اقتصرت على الجانبين الأمني السياسي من جهة والاقتصادي من جهة أخرى، أي وقف الحرب وتقسيم السلطة من جهة، وتقاسم الثروة من جهة أخرى.

ولذلك يرى المؤلف أن الاتفاقية رغم إنهائها الحرب وتحقيق السلام، فإنها لن تؤدي إلى وحدة دائمة بين الطرفين، لغياب التوافق الاجتماعي والثقافي بين الشمال والجنوب.

ويؤكد مؤلف الكتاب أن هناك عدة قضايا كانت من أسباب الصراع لم تعالج في الاتفاقية، مثل:

- قضية الاستعلاء والدونية الثقافية، والحاجة إلى بروتوكول أو ميثاق مفصل للمسألة الثقافية.
ـ قضية العلاقات بين الأديان.
ـ أهملت الاتفاقية مسألة مهمة، وهي الاتفاق على مبادئ وآليات للتعامل مع مظالم الماضي حتى لا يؤثر ذلك سلبا في الوفاق.

كذلك يؤكد المؤلف على وجود بنود مجحفة في نص الاتفاق، وتؤسس لديكتاتورية ثنائية، مثل:

- النص على حرمان الشخص أو الحزب من حقوقه في المواطنة وفي المشاركة الديمقراطية إذا لم يلتزم بالاتفاقية.
- إقحام ديمومة السلطان الثنائي في صيغة الاستفتاء لتقرير المصير.
- تقديم ائتلاف عسكري ثنائي باعتباره التكوين القومي للقوات المسلحة.
- ترك مسألة الانتخابات لحزبين سياسيين دون غيرهما.

بعد هذه المعطيات يقف المؤلف على حقيقة الوضع بين شريكي الاتفاق بعد مرور أربع سنوات عليه، فيرى أن الوضع متسم بالسلبيات الآتية:

"
اتفاقية السلام عام 2005 رغم إنهائها الحرب وتحقيق السلام، فإنها لن تؤدي إلى وحدة دائمة بين الطرفين، لغياب التوافق الاجتماعي والثقافي بين الشمال والجنوب
"
- لم ينعم المواطن السوداني حتى الآن بعائدات السلام أمنا ورخاء اقتصاديا، فما زالت الضرائب عالية، والمعيشة مرتفعة مع زيادة نسبة الفقر والمعاناة.

- انتشار السلاح بين الأفراد والانفلات الأمني في المدن.

- تردي حماس المواطن للاتفاق حتى في الجنوب، على الرغم من المكتسبات السياسية التي حققتها السلطة في الجنوب.

- الوضع الدستوري الانتقالي الحالي للجنوب، والتسليح الكبير للجيش الشعبي الذي يسيطر على الأمن.

وإضافة إلى هذه الملاحظات، فإن أكثر ما يهدد تنفيذ اتفاقية السلام هو عدم الثقة والاتهامات المتبادلة منذ توقيع الاتفاقية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك