عرض/محمود جمعة
هناك من توقعوا تراجع الطرق الصوفية أو اندثارها في المستقبل، ويستندون في ذلك إلى ثلاثة عوامل أولها موجة التحديث التي تتسرب رويداً رويداً إلى عقل المجتمع المصري والتي ستضع ظاهرة تقليدية مثل "الطرق الصوفية" في موقف حرج، وثانيها ظهور وترعرع أشكال أخرى للتدين تتمثل في جماعات شتى تتسطر فوق خريطة مصر راحت تزاحم الصوفية، تنتقدها أحياناً وتجلدها أحياناً وتضربها في مقتل بانتقاد اعتقادها الخاص بكرامات الأولياء والتضرع للأضرحة أحيانا ثالثة، وثالثها غياب الهدف السياسي الواضح للصوفية بينما تمتلكه القوى الإسلامية الأخرى، مما جعل المتصوفة جماعة لا يهمها تغيير المجتمع أو الانتصار لاتجاه سياسي معين وإن كان أفرادها يعرفون كالآخرين هموم الوطن ويتأثرون بها مثلما أثبتت هذه الدراسة.

-الكتاب: التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر: ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي
- المؤلف: عمار علي حسن
-عدد الصفحات: 688
-الناشر: دار العين, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2009


لكن يبدو أن الحقيقة تسير عكس هذه التوقعات، فطوال القرن العشرين سارت الصوفية المصرية في اتجاه مخالف للرسم البياني الذي بشر به بعض الباحثين، واستطاعت أن تضم بين مريديها بعض الفئات الحديثة، وأن تساهم في عملية التحديث الاجتماعي.

ولم تؤد أشكال التدين الأخرى إلى تراجع نفوذ المتصوفة بل حدث العكس، فالنظام الحاكم كان في مصلحته دائماً أن تكون الصوفية قوة ظاهرة في مواجهة القوى الإسلامية المناوئة له، ولذا عمل طوال الوقت على إلهاب وقودها ليستمر مشتعلاً، ثم دخل الأميركيون على الخط فزادوا هذا التوجه عمقا، وأعطوه بعدا دوليا وإستراتيجيا كبيرا.

هذا التصور تضمنه كتاب "التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر.. ثقافة الديمقراطية ومسار التحديث لدى تيار ديني تقليدي" وهو دراسة نظرية وميدانية موزعة على أربعة أبواب، إلى جانب ببليوغرافيا عن الدراسات العربية والأجنبية حول الصوفية والتصوف، وملاحق ترصد علاقة الطرق الصوفية بالنظم السياسية المصرية المتعاقبة منذ محمد علي إلى الآن.

وينطوي الباب الأول على الإطار النظري حيث يعرض مفاهيم التنشئة السياسية والتصوف وعلاقة الظاهرة الدينية بالظاهرة السياسية، ثم يتطرق إلى القيم السياسية التي تتناولها الدراسة وهي الحرية والعدالة والمساواة والتسامح والانتماء والانخراط، وصولا إلى تحولات التدين إلى أيديولوجيا وفلكلور وأساطير وتجارة وثقافة سائدة، وتأثير ذلك على السلوك السياسي للأفراد. ثم يتطرق هذا الباب إلى الدين والثقافة السياسية المصرية، من خلال تتبع تأثيره على التطور التاريخي لعلاقة الحاكم بالمحكوم منذ العصر الفرعوني وحتى العصر الحديث.

ويفرد الباحث فصلا مطولا عن مكونات التنشئة السياسية للمتصوفين المصريين، موزعا إياها على الجوانب الفكرية والتنظيمية التاريخية، فيدرس القيم السياسية الناتجة عن لغة المتصوفة وأفكارهم التي تدور حول الزهد والمعرفة الحدسية والولاية والمحبة، ثم يبين دور التنظيم الإداري للطرق الصوفية في صناعة الثيوقراطية، والأخلاق السياسية ومسارات الشرعية الكامنة في التسلسل الروحي للمتصوفة.

الأزهر والصوفية

"
حاول الباحث فهم ما حصله من معايشة المتصوفة عن قرب عبر منهج {الملاحظة بالمشاركة} ليقدم تحليلا كيفيا لواقع المتصوفة إلى جانب ما طرحه من تحليل كمي، يشمل الموقف السياسي والاجتماعي للطرق الصوفية من القضايا المطروحة
"
وفي البعد التاريخي يتناول الباحث علاقة المتصوفة بالسلطة السياسية في مصر منذ صلاح الدين الأيوبي وحتى الآن، وعلاقتهم بالجماهير العريضة، والجماعات والتنظيمات الإسلامية الأخرى، وهنا يضعهم في مقارنة مع المسار السياسي للأزهر الشريف.

وينطوي الباب الثاني على الجانب الميداني حيث توسل الباحث بـ"دراسة الحالة" واتخذ من الطريقتين الصوفيتين، الحامدية الشاذلية والخليلية، ثم من الطريقة "البرهانية" حالة للمقارنة. وقد اختار الباحث عينة ممثلة من هاتين الطريقتين للإجابة عن التساؤلات التي شملها الاستبيان والتي تسعى إلى اختبار المعارف والقيم والاتجاهات السياسية للمتصوفة.

وفي الباب الثالث من كتاب "التنشئة السياسة للطرق الصوفية في مصر" سعى الباحث إلى قراءة ما وراء الأرقام التي نتجت عن الاستبيان، وفهم ما حصله من معايشة المتصوفة عن قرب عبر منهج "الملاحظة بالمشاركة" ليقدم تحليلا كيفيا لواقع المتصوفة إلى جانب ما طرحه من تحليل كمي، يشمل الموقف السياسي والاجتماعي للطرق الصوفية من القضايا المطروحة.

تديين السياسة
بعد ذلك يفسح الباحث مجالا لدراسة "ثقافة الديمقراطية لدى المؤسسات الدينية الدعوية"، وشروط إدماج أصحاب "الرؤى الإسلامية" في حياة سياسية ديمقراطية، والتي يحصرها في ضرورة الإصلاح الديني، وقيام المشروعية على الجماعة، وتوحد مرحلتي الصبر والتمكين، وتديين السياسة لا تسييس الدين، والتماثل لا التمايز، والانتقال من الاستشارة إلى الديمقراطية لاسيما في جانبها الإجرائي، والانتخاب لا البيعة، وتقديم المصلحة القطعية على النص الظني، وعدم حصر الجهاد في بعده الديني، وضرورة الالتفات إلى القوة السلسة، والتخلي عن أوهام الحتميات التاريخية.

ثقافة التصوف
وفي تناوله لوضع الطرق الصوفية بين التحديث والثقافة التقليدية، ينطلق الباحث من تعريف محدد للتحديث وتفاعلاته وكونه مسارا عالميا تنازعه الخصوصيات المحلية، ثم يتناول البنى الاجتماعية التقليدية مثل القبيلة والطريقة الصوفية وأشباههما، وخط التحديث في خطاب المتصوفة وممارساتهم، ومقارنة هذا بمسار التحديث لدى الأزهر الشريف.

وفي الباب الرابع يتعرض الباحث للطرق الصوفية في العالم العربي والإسلامي، ليضعها في مقارنة مع الصوفية المصرية عبر تناول دور"ثقافة التصوف" وحركته في تحقيق شروط الإنجاز السياسي والاقتصادي، لاسيما في مجالي التنمية والجهاد ضد الاستعمار.

2-ويرى الباحث أن الطرق الصوفية أضحت ظاهرة اجتماعية لا يمكن إهمالها، فضلاً عن أهميتها، فهي لا تزال حقلاً بكراً أمام الدراسات الاجتماعية عامة والسياسية خاصة.

كاريزما الشيوخ

"
الشيخ هو الرمز الأساسي الذي يتمحور حوله التنظيم الصوفي باعتباره تنظيماً يقوم على الزعامة الملهمة وليس تنظيما إقطاعياً أو نفعياً يقوم على ازدواج المنافع المشتركة بين أفراده 
"
وينتهي من دراسته إلى نتائج محددة أولها أن التنظيم الصوفي بشقيه الإداري والروحي ينتج قيماً سياسية بعضها إيجابي مثل التسامح والتماسك والتعاون والاستمرارية، وبعضها سلبي لا يشجع على نشوء ثقافة الديمقراطية مثل الخضوع والطاعة العمياء والجمود والإكراه، فيما تعزز كاريزما الشيخ قيمة التسلط.

فالشيخ قائد مطاع يتكئ على شرعية مستمدة من الانتساب إلى آل البيت أو الأولياء الكبار مثلما يعتقد المتصوفة، وهو يرث المشيخة من ذويه، ويمثل رأساً لتنظيم هو خليط تام من جماعات مختلفة من حيث التعامل والاختيار والتجانس أو النوع والسن.

والشيخ هو الرمز الأساسي الذي يتمحور حوله التنظيم الصوفي باعتباره تنظيماً يقوم على الزعامة الملهمة وليس تنظيما إقطاعياً أو نفعياً يقوم على ازدواج المنافع المشتركة بين أفراده ومساهمتهم جميعاً في اتخاذ القرارات الخاصة به بشكل منطقي ورشيد، كما أنه ليس تنظيماً اختصاصياً يركز على التخصص المهني أو العلمي.

وهذا الشكل التنظيمي الذي اتخذته الطرق الصوفية وإن كان قد أدى إلى خلق قيم سياسية سلبية، فإنه يعتبر العامل الأساسي الذي أدى إلى استمرار وجودها على قيد الحياة كل هذه القرون.

خضوع وسلبية
أما النتيجة الثانية فهي على رغم من أن الفكر الصوفي الذي يقوم على أركان أربعة هي المعرفة اللدنية والزهد والولاية والمحبة، ينتج قيماً سياسية متعارضة بعضها إيجابي مثل الانتماء والانخراط والاستقرار والتسامح والتعاون والتماسك، وقيما سلبية مثل الإكراه والصراع والخضوع والتسلط والانعزال، إلا أن الممارسة الحياتية تسير في اتجاه يرفع من شأن القيم السلبية على حساب القيم الإيجابية، حيث يشير تاريخ علاقة المتصوفة بالسلطة السياسية إلى أنهم داهنوها وخضعوا لها أكثر مما عارضوها أو اتخذوا موقفاً حاسماً ضد فسادها وطغيانها.

وإذا كان بعض مشايخ الصوفية قد أغضبهم ظلم السلاطين للرعية، وسعوا لمقاومة الجور وانتصروا للجماهير فإن هذا لم يحدث سوى مرات نادرة، وكان يتم بشكل فردي ومتقطع، ولم يكن أبداً يمثل سياسة متواصلة، تنم عن إصرار على انتزاع الحقوق، والتعامل مع الدين بوصفه ثورة على الظلم والتجبر والفساد.

ويرى الباحث، في النتيجة الثالثة لدراسته، أن أساليب التنشئة السياسية للطرق الصوفية في مصر واحدة رغم اختلاف ظروف النشأة والمؤهلات الشخصية للشيخ والقدرة الاقتصادية والدقة التنظيمية والانتشار الجغرافي والقوى العددية لمريدي الطريقة، ومن ثم تتشابه هذه الطرق من حيث الثقافة السياسية لأفرادها.

فالمعين الذي ينهل منه الجميع واحد وهو الأوراد والأذكار والطقوس، وهو إن اختلف في شكله العام إلا أن جوهره متطابق، كما أن الدور الذي يلعبه الشيخ في تربية مريديه لا يختلف من طريقة إلى أخرى. ومع تماهي وانخراط المتصوفين في المجتمع فإن وجد اختلاف في الثقافة السياسية بين الطرق فإن ذلك يعود إلى نوعية المحيط الاجتماعي الذي تعيش فيه الطريقة وليس لطبيعة الفكر والطقوس والتنظيمات الصوفية.

الإصلاح الديني

"
الإصلاح الديني يتطلب إعادة النظر في {الطرق الصوفية} خارج {الاعتقاد والتقديس} فهي لم تعد شيئاً مقدساً وإنما ظاهرة اجتماعية شعبية حتى ولو أطلق عليها {دين الحرافيش} أو {الدين الشعبي}
"
ويؤكد الباحث أن الإصلاح السياسي في العالم العربي يتطلب الالتفات إلى الإصلاح الديني، فطالما استقوت الجماعات والتنظيمات التي تربط الدين بالسلطة السياسية، وتبحث في الدين الإسلامي نفسه عن سلطة تشبه "الكهنوت" فإن فرص إيجاد ثقافة سياسية ديمقراطية ستصبح غاية في الضعف.

ويدعو الباحث إلى إعادة النظر في "الطرق الصوفية" خارج "الاعتقاد والتقديس" بمعنى أن الطرقية لم تعد شيئاً مقدساً وإنما ظاهرة اجتماعية شعبية حتى ولو أطلق عليها "دين الحرافيش" أو "الدين الشعبي" مثلما يحلو للبعض أن يصفها.

هذا التقييم الجديد للطرقية لابد أن يقوم على الدراسة المتعمقة والبحث الجاد انطلاقاً من شيئين رئيسيين: الأول هو ارتباط الطرق الصوفية بالمزاج الديني المصري وكون التربة الاجتماعية المصرية مهيأة إلى حد كبير لتقبلها، والثاني هو الانتفاع المادي لأرباب التصوف من أسر المشايخ والقائمين على الأضرحة، وهو الأمر الذي وصل إلى حد ادعاء البعض بوجود مقابر للأولياء في أماكن معينة من أجل استغلال الميل الديني لدى الناس في حثهم على دفع النذور والصدقات.

أميركا والصوفية
ثم ينتهي إلى نتيجة مهمة يقول فيها إن إمعان النظر فيما ورد بين دفتي هذا الكتاب إلى القول إن الإستراتيجية الأميركية الرامية إلى تعزيز التصوف في وجه الجماعات والتنظيمات السياسية ذات الإسناد الإسلامي، محكوم عليها بالفشل.

وربما يغير الأميركان وجهة نظرهم، حال قراءة متعمقة لما ينتجه الفكر الصوفي من ثقافة سياسية من ناحية، والاطلاع على تاريخ الطرق الصوفية في آسيا وأفريقيا من جهة ثانية، وربما يمضون في إستراتيجيتهم، لكن الثابت في كل الأحوال أن الصوفية شكلت على مدار التاريخ أحد تجليات الإسلام في أبعاده الدينية والسياسية والاجتماعية، وستظل تزاول هذا التجلي في المستقبل المنظور.

شهادات
وقد أرفق الباحث على غلاف كتابه شهادات لعدد من الباحثين والمفكرين العرب والأجانب، حيث وصف أستاذ العلوم السياسية بجامعة تكساس الأميركية جاسون براونللي، الكتاب بأنه "إضافة متميزة في علم السياسة عامة، لأنه يسد نقصا نجم عن تجاهل نسبي للأدوار السياسية للتنظيمات والحركات الإسلامية الدعوية والروحية. وأنه عمل رائد أضاء جوانب مظلمة عن الروابط العميقة والقوية بين الطرق الصوفية والسلطات المصرية المتعاقبة، واستطاع عبر بناء نظري ومسح ميداني دقيق أن يقدم إسهاما حيويا في الأدبيات السياسية عموما، ولاسيما تلك التي تهتم بأيديولوجيات الحركات الإسلامية".

وأكد براونللي أن قراءة هذا الكتاب تبقى "ضرورية للدارسين المعنيين بالحركات الدينية، وبالتطور الديمقراطي للمجتمع المصري".

"
الكتاب يقدم تحليلا دقيقا لجذور الطرق الصوفية وتنظيماتها وممارساتها السياسية، ومدى استيعابها ثقافة الديمقراطية والتحديث، ويشكل إضافة معرفية مهمة للمكتبة العربية
"
أما المفكر المصري السيد يس فقد اعتبر الكتاب إسهاما بارزا في إطار المحاولات الرامية إلى رسم خريطة معرفية للحركات الإسلامية، وذلك في ظل اهتمام الدوائر السياسية والثقافية بمختلف أنماط الهويات الدينية، وقال إن المؤلف يقدم تحليلا دقيقا لجذور الطرق الصوفية وتنظيماتها وممارساتها السياسية، ومدى استيعابها ثقافة الديمقراطية والتحديث، مبينا أن ما يزيد من قيمة الكتاب في نظره هو تضمنه دراسة ميدانية، ولهذا فهو "يشكل إضافة معرفية مهمة للمكتبة العربية".

وأكد عالم الاجتماع الفرنسي آلان روسيون أنه وجد في الكتاب ما أفاده في دراسته للمجتمع المصري وقال "الكتاب قربني أكثر من فهم تيار ديني لم يدرس كما ينبغي من الباحثين في علمي السياسة والاجتماع وهو الطرق الصوفية، وجعلني ازداد اقتناعا بأن الإصلاح السياسي في العالم العربي برمته يجب أن يترافق مع الإصلاح الديني".

ويقول عالم الاجتماع المصري علي فهمي "مع خبرة في دراسات الدين الشعبي تكاد تناهز نصف قرن أنتهي، بقدر فرض من الموضوعية والدقة المنهجية، أن هذه الدراسة هي الأكثر تميزا بين مثيلاتها في مصر، وأن هذا التميز أوضح في الجوانب النظرية بالغة الثراء".

أما فوليا أتاكان، أستاذ العلوم السياسية بجامعة يلدز في تركيا فتقول "يتعامل هذا الكتاب مع قضية حيوية بالنسبة لمصر، ويقدم تحليلا مهما للعلاقة بين الطرق الصوفية والسياسة، وهو كتاب نافذ البصيرة وملهم".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك