عرض/ سيدي أحمد بن أحمد سالم

دولة المغول والتتار بين الانتشار والانكسار كتاب للباحث الليبي الدكتور علي محمد الصلابي, يأتي مكملا لمؤلفاته التي تناولت الحروب الصليبية، ككتابه عن عصر الدولة السلجوقية وعصر الدولة الزنكية، فضلا عن كتابيه المخصصين لنور الدين زنكي ولعماد الدين زنكي دون أن ننسى كتابه الخاص بصلاح الدين الأيوبي.

الانتشار المغولي
يثير الكتاب في البداية قضية الغزو المغولي للعالم الإسلامي معرفا بهذا الشعب الآسيوي موطِنِه وتفريعاته القبلية وحياته الاجتماعية والثقافية والدينية. كما يلفت الباحث النظر إلى حالة العالم الإسلامي قبيل هذا الغزو الذي غير ملامح الخريطة الإسلامية وخصوصا في جناحها المشرقي.

-الكتاب: دولة المغول والتتار بين الانتشار والانكسار
-المؤلف: الدكتور علي محمد الصلابي
-عدد الصفحات: 444
-الناشر: دار المعرفة, بيروت
- الطبعة: الأولى/ 2009
وقد استفاض المؤلف في الحديث عن شخصية القائد المغولي جنكيز خان عن حروبه وصفاته وفكره العسكري، وكيف كان الرأي والموقف لا يتخذان عند المغول إلا بعد التشاور وتقليب الآراء. فضلا عن الوقوف على مشروعه "الإستراتيجي" الذي كان من أبرز ملامحه احتلال العالم عبر التحالف مع المسيحيين لمواجهة المسلمين. على أن يكون الخان الأعظم سيد العالم الأوحد وحلفاؤه تبعا له.

وكانت الدولة الخوارزمية أول مكون من مكونات الدولة الإسلامية تطؤه أرجل المغول وتجتاحه جحافلهم التي لا تبقي ولا تذر. فالمذابح الجماعية والانتقام القاسي والبطش والتنكيل مفردات معروفة عند الغزاة المغول. ويبين الباحث كثرة الأسباب التي جعلت العرش الخوارزمي يتلاشى أمام سنابك الخيل المغولية. ومن أبرز تلك الأسباب جور الحكام الخوارزميين وغياب أي مشروع سياسي وعسكري وركونهم إلى الدنيا وتنازعهم وخلافهم الداخلي في حين كان خصمهم شديد العصبية وافر العدة متنوع العتاد مسكونا بمشروع عسكري طموح.

ومن أبرز وقفات الكتاب وقوع عاصمة الخلافة الإسلامية ومدينة هارون الرشيد مدينة السلام بغداد في يد جنكيز خان. استباح جنكيز خان بغداد وقتل آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله فسالت الدماء وقتل آلاف الأنفس وقضي في فترة وجيزة على تراكمات حضارية وفنية ومعمارية وعلمية دكت دكا ومزقت شر ممزق وما لم تقطعه سيوف المغول كان مصيره قاع نهر دجلة.

ولم تكن الدولة الخوارزمية التي سقطت أول الأمر بأقل فسادا وتمزقا وخلافات من دولة الخلافة في بغداد. فسيران الدسائس في بلاط المستعصم والانهماك في حياة الترف وضعف الجيش وغياب الوعي الإستراتيجي كلها عوامل مع غيرها أذنت بسقوط بغداد.

غير أن تناول تاريخ التتار وتغلبهم على بغداد لا يمكن أن يتم بمعزل عن تاريخ دولة المماليك بمصر تلك الدولة التي كان لها الفضل في التصدي للجحفل المغولي الجرار. فمنذ أن ارتفع شأن المماليك وسقط آخر سلاطين الدولة الأيوبية وتنازلت شجرة الدر لعز الدين أيبك عن السلطة بدأ شأن المماليك يعلو. وتعرض الباحث بشيء من التفصيل للمماليك لغتهم وأصولهم وماذا تعني رابطة الأستاذية والزمالة (الخشداشية)عندهم وكيف كانت حياتهم العسكرية.

وقد عقد فصلا خاصا لعز الدين بن عبد السلام بائع المماليك.

تصدى المماليك للمشروع المغولي تحت قيادة سيف الدين قطز الذي كان قائدا عبقريا يفقه فن إدارة الصراع. وقد كانت معركة عين جالوت التي هزم فيها الجيش المملوكي جيش المغول الذي كان أسطورة ذلك الزمن، فهو الجيش الذي يقهر لكن سيوف المماليك قهرت الغزاة المغول وفرقت شملهم بعد أن احتلوا شرقي العالم الإسلامي ووصلوا أبواب مصر.

"
كانت قيادة المسلمين في عين جالوت قيادة حكيمة, حيث كان سيف الدين قطز صالحا دينا مواظبا على الصلاة في المسجد فضلا عن شجاعته وإقدامه, واكتسب خبرات قتالية أهلته أن يكون قائدا فذا
"
وقد حاول الباحث دكتور الصلابي أن يقف على معنى انتصار المسلمين في عين جالوت وما هي الأسباب التي أدت إلى ذلك الانتصار. فكانت قيادة المسلمين قيادة حكيمة حيث كان سيف الدين قطز صالحا دينا مواظبا على الصلاة في المسجد فضلا عن شجاعته وإقدامه. شهد المعارك ضد الصليبيين مع الأيوبيين فاكتسب خبرات قتالية أهلته أن يكون قائدا فذا.

كما أن رؤية القائد قطز كانت واضحة وكان اعتقاده بالنصر جازما، وقد عبأ جيشه على عقيدة الدفاع عن بيضة الإسلام والحرص على الشهادة وعدم موالاة أعداء الأمة. كما عرف عن قطز تولية من هو أهل للولاية تأسيا بمبدأ الرجل المناسب في المكان المناسب. فقد عين كوكبة من القادة المعروفين بنزاهتهم وشجاعتهم. كما جمع ما استطاع جمعه من عدة كافية وعتاد كثير جامعا بين التدريب العقدي والتدريب القتالي حتى يكون الجندي قويا من الناحيتين النفسية والبدنية.

كل هذه الأسباب مكنت قطز من أن يضع خطة يسهل تنفيذها على جيشه وتبلغه النصر. وهي خطة تقوم على: الاقتصاد في القوى وحشد الجيوش والضغط على الأعداء وتحقيق المفاجأة ووضوح الهدف والمناورة بالقوة والسرعة في الميدان وتجييش المخابرات العسكرية وتكثيف أدائها.

الاستعانة بالعلماء
ومن أبرز صفات الدولة المملوكية في عهد سيف الدين قطز هي مشورة العلماء. فقد أسس قطز هذه القيمة في دولته، واتخذ من علماء الدين المشهود بكفاءتهم ووقوفهم مع الحق مستشارين.

وكان العلماء والفقهاء في ذلك العهد قريبين من الشعوب ينزلون إلى ساحة المعركة مع الجيوش يقاتلون ويقتلون. ومن أشهر من كان القائد قطز يقربه ويتخذ من رأيه محجة يستنار بضيائها عالم الإسلام العز بن عبد السلام وقد أفتاه بتلك الفتوى الشهيرة التي تحرم على الحاكم أخذ أي شيء من العامة ما دام في خزائن الدولة وأملاك الحكام والقواد أي شيء. فلا يمكن أن تؤخذ الضرائب من الناس للاستعانة بها في الحرب حتى يستنفد كل ما تملك الدولة والحكام. وقد أخذ قطز بتلك المشورة وطبقها.

مشروع ورؤية
تهاوت الممالك الإسلامية الواحدة تلو الأخرى أمام المشروع المغولي من بخارى وسمرقند إلى بغداد والشمام مرورا بكابل وخراسان وفارس. فاستبيحت الأعراض وهتكت المحارم وتعمقت الهزيمة. غير أن القيادة المملوكية الإسلامية في مصر كان لها مشروع ورؤية مكناها من التمسك بأسباب النصر دون غيرها من الدول الإسلامية. ويقف المؤلف عند عصر المماليك مصححا النظرة المجحفة التي تصف العصر المملوكي بأنه عصر تدهور واضمحلال وتخلف، مبينا في الوقت نفسه عطاء المماليك الحضاري والعسكري.

"
التصدي للمشاريع الغازية وانتزاع المدن والقلاع من الصليبيين والمغول هو ما ميز المشروع الإسلامي سواء قبل صلاح الدين الأيوبي مع السلجوقيين والزنكيين أو بعده مع المماليك
"
لقد كان أبرز حدث سياسي وعسكري في العصر المملوكي هو الانتصار في معركة عين جالوت ودحر القوة المغولية. وكان من نتائج هذا الانتصار: تجدد الإيمان بالروح الإسلامية وأن هنالك كيانا يسمى دار الإسلام لديه من يدافع عنه. كما انحسر المد المغولي وفشل التحالف الصليبي المغولي على إثر تلك المعركة بل وضعف الوجود الصليبي على إثرها في المشرق الإسلامي فترة طويلة من الزمن. ونشأت تأسيسا على ذلك دولة إسلامية قوية في مصر وبلاد الشام أبقت –ولو اسميا- على الخلافة العباسية، حيث استدعى السلطان الظاهر بيبرس أحد العباسيين. لكن لم يكن له من الخلافة سوى اسمها.

وقد استطاع المماليك بعد ذلك أن يطوروا قدرات جيشهم وأن يصبح من أقوى الجيوش في القرون الوسطى: حيث تعددت تشكيلاته لتصبح ثلاثة جيوش ضخمة أحدها في مصر والثاني في دمشق والثالث في حلب.

والخلاصة التي ينبه إليها الباحث الصلابي في كتابه هذا أن التصدي للمشاريع الغازية وانتزاع المدن والقلاع من الصليبيين والمغول هو ما ميز المشروع الإسلامي سواء قبل صلاح الدين الأيوبي مع السلجوقيين والزنكيين أو بعده مع المماليك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك