عرض/عبد الحافظ الصاوي

ينطلق الكتاب عبر أبوابه الستة من مسلمة أن الولايات المتحدة الأميركية بتكونها الفكري، وممارساتها العملية في مجالات السياسة والاقتصاد هي التي أدت إلى الأزمة المالية العالمية، وأن منطق القوة هو الذي سير السياسة الأميركية في مجالاتها المختلفة منذ الحرب العالمية الثانية وحتى وقوع الأزمة المالية العالمية، فمالا يحسم بقوة السلاح حسم بقوة المعونات والعقوبات الاقتصادية عبر المؤسسات الدولية، التي أديرت منذ نشأتها تحت سيطرة أميركية.

ولذلك يرى المؤلف وجود أسباب حقيقية للأزمة المالية، سواء على الصعيد الاقتصادي أو السياسي، وينفي ما يقال عن نظرية المؤامرة في تفسير الأزمة، وإن أيد القول بنظرية المؤامرة في الأزمات الاقتصادية العالمية التي وقعت منذ الستينيات وحتى الأزمة الآسيوية.

-الكتاب: الأزمة المالية.. رؤية مغايرة
-المؤلف: عصام علي
-عدد الصفحات: 240
-دار النشر: دار الكلمة للنشر والتوزيع، المنصورة، مصر
-الطبعة: الأولى/2009

الأزمة.. الحدث والتداعيات
يرى الكاتب أن طبيعة تكوين الشخصية الأميركية التي تبلورت خلال إقامة دولتها على أرض الهنود الحمر، لا يمكن إغفالها في قراءة الأحداث، فهي تعتمد على الفردية وتمجيد الفرد، وكذلك الشعور بالتميز عما سواهم، والبراغماتية والتناقض، والمفهوم المغلوط للتدين المعتمد على أنهم مميزون عن غيرهم، وأن من سواهم خلق لمجرد خدمتهم، وهو ما انعكس في خطاب الإدارة الأميركية إبان حكم بوش الابن، والرغبة الجامحة لدى الشخصية الأميركية بالتوسع، وأن دولتهم هي أرض الأحلام.

كما يبين مراحل ضعف الاقتصاد الأميركي منذ الدخول في حروب خارجية والتوسع في الإنفاق على التسليح والظهور في شكل القوة المتفردة المسيطرة على العالم ومقدراته، وفشل الاقتصاد الأميركي في السيطرة على خروج الاستثمارات الأجنبية إلى دول آسيا والصين، والإبقاء على نفس معدلات الاستهلاك المرتفعة داخل المجتمع الأميركي، ثم فقاعة الرهن العقاري، التي قامت على تسلسل هرمي هش، أدى إلى تصدع الاقتصاد الأميركي، ومعه الاقتصاد الأوروبي وبلدان أخرى في آسيا ومنطقة الخليج وبلدان أخرى.

غير أن مظاهر التصدع كانت واضحة في أميركا عبر انهيار مؤسساتها المالية، وانتشار البطالة، وإغلاق مؤسسات اقتصادية عملاقة، وإفلاس أخرى. وتبع هذه التصدعات صحوة الاقتصاديات المرتبطة بالاقتصاد الأميركي على خسائر في الثروات، وضياع لجزء كبيرة لمدخراتها، وتعرض سياساتها النقدية للوهن عبر الارتباط بالعملة الأميركية.

والأمر الأكثر وضوحاً في هذا المضمار هو ضرب الرأسمالية في أسسها النظرية القائمة على الحرية المطلقة، والتي خلفت كل هذه المشكلات التي تتطلب دخول الدولة بقوة، وصلت لحد تأميم المنشآت الاقتصادية، وتقديم الدعم الحكومي على نطاق واسع من أجل الحفاظ على بقاء الحياة الاقتصادية دون انهيار مروع.

ويذهب الكتاب إلى أن الأزمة عرض لمرض أساسي هو إطلاق العنان للرأسمالية، والخلل في بنيتها الاقتصادية والأخلاقية والاجتماعية، وعدم ملاءمتها لاحتياجات الأفراد والمجتمعات.

الأسباب السياسية والتداعيات النفسية
من شأن الصورة البانورامية التي رسمها الكتاب عن تداعيات الأزمة المالية العالمية على الاقتصادي الأميركي والعالمي، أن يعاد النظر في قيادة النظام العالمي، ليعاد رسم خريطته، ويرى الكتاب أن شبكة المصالح العنكوبتية التي خلفتها السياسة الاقتصادية الأميركية مع اقتصاديات العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، هي التي حالت دون تخلي دول العالم عن مساندة الاقتصاد الأميركي، فربط الاقتصاد العالمي بالدولار، جعل العديد من الدول تدعو إلى فك هذا الارتباط ولكن بشيء من التؤدة، وكذلك التفكير في خلق أسواق جديد بديلة للأسواق الأميركية.

"
التوسع في الإنفاق العسكري أفقد أميركا سيطرتها على الأوضاع الاقتصادية، وتحولت من المقرض الأول في العالم إلى أكبر دولة مدينة في العالم, وتجاوز دينها العام نحو 11 تريليون دولار
"
كما بين المؤلف الأسباب السياسية للأزمة، والتي جاء في مقدمتها ارتفاع تكاليف الحروب الخارجية، في فيتنام، وكوريا، وأفغانستان، والعراق، والدعم الدائم للكيان الصهيوني منذ نشأته وحتى الآن، مما دعا العلامة / عبد الوهاب المسيري –رحمه الله- إلى القول بأن "إسرائيل لا تنهار من الداخل بسبب الدعم المادي الغربي والأميركي السخي". وأوضح الكتاب أن التوسع في الإنفاق العسكري أفقد أميركا سيطرتها على الأوضاع الاقتصادية، وأجبرها على التخلي عن قاعدة الذهب عام 1971، ولم تستفد أميركا من تجربة بريطانيا قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتحولت أميركا من المقرض الأول في العالم إلى أكبر دولة مدينة في العالم فتجاوز دينها العام نحو 11 تريليون دولار، وكذلك وصول العجز بميزانها التجاري لنحو 700 مليار دولار نهاية عام 2007، وعانت موازنتها العامة من عجز كبير لم تشهده منذ الحرب العالمية الثانية.

إنفاق غير مجد
يرى المؤلف أن الإسراف الأميركي في الانفاق على الجانب العسكري لم يمكنها من حسم خياراتها بالقوة، سواء فيما سمى بالحرب على الإرهاب، أو القضاء على النظام الديكتاتورية أو السيطرة على منابع النفط.

وفشلت سياسة العصا والجزرة، فالفشل في فيتنام وأفغانستان والعراق أثبت زوال هيبة أميركا، وفض الإجماع الدولي حول قراراتها باستخدام القوة، كما أن أوضاعها الاقتصادية الحالية وفشل مؤسساتها في منع وقوع الأزمة، برهن على تدهور أوضاع أميركا الاقتصادية، ومن هنا لم يعد لدى أميركا ما تستخدمه كجزرة للدول الفقيرة، بعد أن تسببت الأزمة في ارتفاع عدد الفقراء في العالم ليلامس المليار فقير.

ومع سقوط هيبة أميركا سياسياً واقتصادياً –حسب توقعات الكاتب– فهناك أمل للوصول لحل أفضل لقضية الشرق الأوسط، إن أحسنت الدول العربية إدارة الملف في ظل المتغيرات العالمية الجديدة.

ورصد الكتاب التداعيات النفسية للعالم ومقارنتها بما حدث في أزمة الكساد الكبير، مبيناً فداحة الأثر النفسي في أزمة 2008، وذلك من خلال حالات الانتحار في أميركا والعالم بسبب تداعيات الأزمة، وكذلك ارتفاع معدلات الطلاق وفسخ اتفاقات الزوج الجديد بسبب الأزمة، وأيضاً ارتفاع عدد من يذهبون للعيادات النفسية للعلاج من الصدمة التي عرضتهم لها الأزمة.

النظام الإسلامي مخرج للأزمة

"
تتفرد تجربة المصرفية الإسلامية في نجاتها من الأضرار السلبية للأزمة المالية، وإن كانت وقعت في بعض الأخطاء ولكنها أخطاء لا تتعلق بالمنهج بقدر ما تتعلق بالممارسات البشرية
"
ساق المؤلف مجموعة من الدلالات على فشل الرأسمالية كنظام اقتصادي وسياسي في قيادة العالم، بعد فشل الشيوعية من قبل عبر تجربة انهيار الاتحاد السوفياتي، وساق ما يدلل على صحة المنهج الإسلامي في المجال الاقتصادي عبر كتابات الغربيين سواء قبل وقوع الأزمة أو بعدها، وما نشر عن الدعوة لتطبيق قواعد الشريعة الإسلامية في عالم المصارف والمال.

ثم عرج على التعريف بالنظام الاقتصادي الإسلامي عبر الزكاة ومردودها الاقتصادي والاجتماعي وكيف عالجت قضيتي الفقر والبطالة، وكذلك تحريم الربا وما نتج عنه من الحفاظ على الثروات وتشغيل المال في إطار قاعدة الغنم بالغرم.

وأشار الكتاب إلى تفرد تجربة المصرفية الإسلامية في نجاتها من الأضرار السلبية للأزمة، ولكنه لم يبرئ هذه المصارف من الوقوع في بعض الخطأ، ولكنها أخطاء لا تتعلق بالمنهج بقدر ما تتعلق بالممارسات البشرية، وعدم وجود الدراية الكافية لبعض العاملين بالمصارف الإسلامية بالنواحي الفقهية والشرعية.

مصر والأزمة المالية
أفرد المؤلف باباً للأزمة المالية العالمية وأثرها على مصر، مبيناً مظاهر التأثير السلبي على موارد النقد الأجنبي للاقتصاد المصري، مثل تراجع إيرادات قناة السويس، والبترول، وعوائد العاملين بالخارج، والسياحة، وكيف لعب الجهاز المصرفي دوراً إيجابياً في معالجة الآثار السلبية للأزمة على الاقتصاد المصري، إلا أن الكتاب أكد أن مشكلة البطالة زادت حدتها مع وقوع الأزمة.

وأشار الكتاب إلى مجموعة الإجراءات التي اتخذتها الحكومة المصرية لمواجهة الأزمة، من تقديم الدعم لبعض القطاعات الخدمية والتصديرية، وغيرها. وتوقع من خلال تصريحات لمسؤولين وآراء للخبراء باستمرار الآثار السلبية للأزمة على الاقتصاد المصري خلال العامين القادمين، في ظل تراجع معدلات النمو على الصعيدين العالمي والقُطري.

الأزمة تحمل ملامح التغيير
يخلص المؤلف إلى أن الأزمة المالية العالمية، وإن كان لها أضرارها المادية الملموسة، فإن لها جوانب إيجابية، تتمثل في: الصحوة من التبعية والانقياد للإدارة الأميركية سياسياً ولاقتصاديات العولمة التي اعتمدت على تحقيق مصالح القلة على حساب قاعدة عريضة من الفقراء، كما أنها أعادت أهمية النظر للتجمعات الإقليمية وضرورة إعمال تعظيم المصالح الإقليمية، وضرورة وجود نظام عالمي قائمة على المشاركة بين مجموعة من القوى الكبرى، مع الأخذ في الاعتبار أهمية إصلاح المؤسسات الدولية، السياسية منها والاقتصادية على السواء مثل هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي.

"
الأزمة المالية العالمية تحمل في طياتها بوادر التغيير الإيجابي لمجمل السياسات والممارسات الدولية في ظل تراجع السيطرة الأميركية، وعلى العرب والمسلمين استثمار هذه الأجواء لنيل حقوقهم وتقديم منهجهم الإسلامي
"
أما على الصعيد القُطري، فيرى الكتاب أهمية زوال الحكومات الديكتاتورية التي كرست التبعية والانقياد لأميركا، وخلفت الفقر والبطالة لشعوبها.

ويطالب الأفراد بإعادة النظر في سلوكهم الاقتصادي والانصراف عن الاقتصاديات الترفية والاستهلاكية، وضرورة الادخار وبناء الثروات والاهتمام التعليم، مع التركيز على الإيمان بالذات بعد نجاح نماذج المقاومة المحدودة في وجه مشروعات التوسع الأميركية، كما يحدث في إيران، وكوريا الشمالية، وحزب الله، وحماس.

كما يطالب المؤلف بضرورة الأخذ بالقواعد والنظام المالي والاقتصادي الإسلامي، بعد أن تبين للغرب والعالم سلامة هذا المنهج، ولكن يبقى على الدول الإسلامية حسن تقديم هذا الجانب للعالم ليحل بديلاً عن النظامي الاشتراكي والرأسمالي، وبخاصة أن النظام الإسلامي يمتلك منظومة متكاملة لإصلاح الأفراد والمجتمعات، وتلعب القدوة الصالحة فيه دوراً مهماً وأساسياً، واستشهد الكتاب بحوادث تاريخية لقادة مسلمين اتسموا بحسن التصرف والورع فيما يتعلق بالمال العام ومصالح الناس الاقتصادية والاجتماعية.

وينتهي المؤلف إلى أن الأزمة المالية العالمية تحمل في طياتها بوادر التغيير الإيجابي لمجمل السياسات والممارسات الدولية في ظل تراجع السيطرة الأميركية، وعلى العرب والمسلمين استثمار هذه الأجواء لنيل حقوقهم وتقديم منهجهم الإسلامي، وبخاصة أن العالم يعاني الآن من وجود كاريزما تأخذ بناصيته إلى بر الأمان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك