عرض/الطيب بوعزة
أصدر المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة إصداره الأول المعنون بـ"التقرير السنوي حول الحالة الدينية في المغرب 2007/2008" وهو إصدار بحثي وصفي تركيبي، يركز على دراسة الحالة الدينية في المغرب برصد خصائصها ومكوناتها وما يعترضها من تحديات.

لماذا التركيز على بحث الحالة الدينية؟
إن اختيار المركز للحالة الدينية موضوعا لاشتغاله، يتناغم مع التركيز الملحوظ في الآونة الأخيرة من قِبَلِ مراكز البحوث، سواء منها العربية أو الغربية، على بحث مسألة التدين وأنماطه وجماعاته. ومعلوم أن علم الاجتماع اهتم منذ أوائل عمليات تأسيسه مع سان سيمون وأوجست كونت، ثم لاحقا مع دوركهايم، بمسألة الدين بوصفه ظاهرة اجتماعية. فأوغل في دراسة أصله وشروط نشأته، وخصائصه باعتباره منظومة قيم، وأشكاله الطقوسية.

-الكتاب: التقرير السنوي حول الحالة الدينية في المغرب
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-عدد الصفحات: 400
-الناشر:
المركز المغربي للدراسات والأبحاث المعاصرة, المغرب
-الطبعة: الأولى/أكتوبر 2009
 
غير أن التطورات التي شهدها النصف الثاني من القرن العشرين أبرزت بشكل أكثر الدين بوصفه ظاهرة سياسية. ومن هنا يفهم تحول العدة المنهجية للسوسيولوجيا من علم الاجتماع تحديدا إلى علم الاجتماع السياسي. مع ما يفرضه هذا التحول من انتقال إلى التركيز على راهن الظاهرة الدينية وأشكال انتظامها.

في هذا السياق ظهرت العديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت الظاهرة الدينية في العالم الإسلامي، لكن بقي نقص على مستوى إنجاز تقارير تتابع الحالة الدينية بشكل سنوي منتظم. ولعل هذا الوعي كان من بين الأسباب التي دفعت هذا المركز الوليد إلى إصدار تقرير سنوي، لا يلتفت إلى تاريخ الظاهرة بل يشتغل على الراهن منها، متوسلا إلى ذلك بمنهج وصفي يقتصد في التفسير، ولا يتخطاه إلى الاستشراف والتنبؤ.

ولاشك أن الإقدام على "إصدار تقرير سنوي لرصد الحالة الدينية بالمغرب من منظور وصفي تركيبي خطوة طموحة نحو تعميق المعرفة العلمية بمجال حيوي خصب"، يوفر للمهتمين قاعدة معلومات تمكنهم من إبصار تجليات الحراك الديني بالمغرب واستجلاء مساراته، وتفاعلات مكوناته، وآفاق تطورها.

ومن الملاحظ على المنهجية التي اشتغل بها باحثو هذا المركز في إعداد تقريرهم أنهم استفادوا في رصدهم للحالة الدينية من نماذج تقارير سابقة، وعلى رأسها نموذج تقريري الحالة الدينية الصادر عن مركز الأهرام للدراسات الإستراتيجية وذلك لسنتي 1995 و1996 الذي ركز على رصد حركية المؤسسات الدينية الرسمية والحركات الدينية غير الرسمية، لكن يلاحظ أيضا أن باحثي التقرير المغربي لم يستنسخوا نموذج التقرير المصري لإدراكهم تباين خصائص الحالة الدينية في المغرب عن مصر، سواء في علاقة الدولة بالدين، أو من حيث الاختلاف على مستوى المكونات الدينية في ظل وجود مسيحي نشط في مصر.

ومن ناحية أخرى انفتح هذا التقرير على أهم الدراسات السوسيولوجية الحديثة التي تناولت الحالة الدينية المغربية مثل "التقرير التركيبي للبحث الوطني حول القيم"، و"تقرير الإسلام اليومي"، والتقرير الذي أنجزه المعهد الأميركي (غالوب) بين عامي 2006 و2008.

محاور تقرير الحالة الدينية
انطلق التقرير من اعتبار رصد الحالة الدينية لمجتمع ما يقتضي الاشتغال على ثلاثة محاور: الأول عقدي ومعرفي ويهم منظومة العقائد والمعارف الدينية، والثاني قيمي ويتعلق بمنظومة القيم والأخلاق، أما الثالث والأخير فهو سلوكي يرتبط بمنظومة العبادات والمعاملات. وهذا التمييز ساعد على دفع محرري التقرير إلى التركيز على التجليات المعلنة والمصرح بها أو المعبر عنها من خلال سلوكات ومواقف ومؤشرات تسمح أن تكون محل رصد.

أما من حيث الإطار الزمني فتم عرض وبحث الوقائع الخاصة بالحالة الدينية خلال سنتي 2007 و2008. وذلك وفق تركيب ينطلق من التحديات الداخلية التي تشمل مجالات الأسرة والقيم والشباب والتعليم والفن واللغة، ويختم بالتحديات ذات المنشأ الخارجي كالتشيع من الناحية المذهبية، أو التنصير من الناحية العقدية، أو التطبيع باعتباره مشروعا حضاريا يستهدف تحييد فعالية منظومة القيم الإسلامية.

ولاشك أن قارئ التقرير لابد أن يستوقفه وضع التشيع في نفس الخانة مع التنصير والتطبيع  والحديث عنه بوصفه تحديا للحالة الدينية في المغرب؛ لذا ينبه محررو التقرير إلى أن اعتبار التشيع تحديا راجع إلى كونه خطرا على الوحدة المذهبية للمغرب.

ما هي التوجهات الدينية الكبرى للمغاربة؟
في المحور الأول "الواقع الديني بالمغرب" يرصد التقرير التوجهات الدينية الكبرى للمغاربة، حيث يكشف عن وجود توجه متنام نحو التدين في صفوف الشباب خصوصا والمجتمع عموما، مع استعداد للانفتاح على مختلف التعبيرات الدينية الحديثة في ظل تراجع الصيغ التقليدية كزيارة الأضرحة وغيرها.

"
يتنامى التدين في صفوف الشباب المغربي خصوصا والمجتمع عموما، مع استعداد للانفتاح على مختلف التعبيرات الدينية الحديثة في ظل تراجع الصيغ التقليدية كزيارة الأضرحة وغيرها
"
وبغية رصد تجليات هذا التوجه الديني، اعتمد التقرير على تسعة مؤشرات هي:
1- مؤشر بناء وارتياد المساجد.
2- صيام رمضان وقد توقف التقرير عند مميزات تدين المغاربة في رمضان، والقيم الإيجابية والسلبية للتدين، ونسب الاستهلاك، والأنشطة الدينية والمدنية والإعلامية.

3- الحج، باعتباره يمثل حدثا استثنائيا في حياة المغاربة بالنظر إلى تراث تاريخي من الارتباط به وإلى تقاليد متجذرة.
4- التعليم الديني ودور القرآن.
5- اللباس وتعبيراته المختلفة وخصوصا ظاهرة الحجاب وعلاقتها بالتوجهات الدينية للمغاربة، وذلك بالاعتماد على رصد أشكال التدين عند الشباب، والمقارنة بين الحجاب باعتباره سلوكا دينيا وبين الواقع الاجتماعي، حيث سجلت الدراسات الحديثة تحوله إلى ظاهرة اجتماعية. وبموازاة ذلك سجل التقرير مؤشرات تؤكد وجود تضييق على الحجاب في بعض مؤسسات القطاع الخاص وكذا بعض الدوائر العمومية.

6- القنوات الفضائيات وأثرها في حركية التدين وذلك عبر قراءة في ثقافة الفضائيات العربية والفضائيات الدينية بصفة خاصة، ومداخل تأثيرها وقام التقرير بتصنيف الفضائيات الدينية حسب المذاهب والعقائد.

7- إشكالية الفتوى والتأطير الديني بالمغرب، فبعد إحداث الهيئة العليا للإفتاء وتمكين المغرب من سلطة مرجعية في الموضوع بالنسبة لمختلف المؤسسات -حيث سجل لجوء بعض القطاعات الحكومية إليها من أجل الإفتاء- لا يزال حضورها كفاعل بارز في الفضاء العام محدودا.

8- التراث الإسلامي من خلال عملية مسح لأهم الإصدارات والمخطوطات التي صدرت في فترة ما بين 2007 و2008.

9- مؤشر الوقف بوصفه مجالا من مجالات الفعالية الدينية للمجتمع.

الفاعلون في الحياة الدينية
ثم انتقل التقرير بعد ذلك إلى دراسة الفاعلين في الحياة الدينية لرصد تطور توجهاتهم وآليات اشتغالهم وأدائهم، حيث عالج التقرير كلا من:

1- مؤسسة إمارة المؤمنين: حيث لاحظ أن مبادرات إمارة المؤمنين تعددت في سنتي 2007 و2008 وشكلت فترة مفصلية في مسار عملية إصلاح تدبير الشأن الديني. ويمكن رصد أهم المبادرات في ثلاثة محاور، الأول يهم تفعيل دور العلماء وأبرز محطة فيه هي إطلاق ميثاق العلماء عام 2008. والثاني دعم تجديد التصوف المغربي وتقوية إشعاعه.

"
تحتل وزارة الأوقاف مكانة خاصة داخل بنية النظام السياسي المغربي، كما تتميز بارتباطها العضوي بإمارة المؤمنين,  ويسجل التقرير تشعب أعمالها خاصة في الجوانب المرتبطة بالمساجد والعلماء والإشعاع العام
"

وأبرز محطة فيه لقاء سيدي شيكر في 2008، والاجتماع العام للطريقة التيجانية في 2007.

ثم الثالث مواصلة التحديث المؤسساتي والتشريعي والاجتماعي للحقل الديني، وقد عرفت سنتا 2007 و2008 الترسيخ التدريجي لمفهوم الأمن الروحي كمحدد في السياسة العامة للدولة، يؤطر سلوكها وسياستها كما يعزز من مفهوم الخصوصية المغربية.

2- وزارة الأوقاف: أشار التقرير إلى أنها تحتل مكانة خاصة داخل بنية النظام السياسي المغربي، كما تتميز بارتباطها العضوي بإمارة المؤمنين. ويسجل التقرير حصول تقدم مضطرد في عمل الوزارة وتشعبه خاصة في الجوانب المرتبطة بالمساجد والعلماء والإشعاع العام، وتحقيق سجل مقدر في مجال تدبير الأوقاف من الناحية الاقتصادية الصرفة، إلا أن الملاحظ هو ضعف السياسة التواصلية مع الفاعلين من مؤسسات المجتمع المدني الدعوي، ومحدودية الانسجام بين سياسات الوزارة وسياسات بعض القطاعات الحكومية ذات العلاقة بالتعليم والفن والثقافة والإعلام، مما يحد من تبلور سياسة مندمجة لتدبير الشأن الديني في الفضاء العام.

3- العلماء: سجل التقرير تزايد الاهتمام الرسمي بمؤسسة العلماء بعد تفجيرات 16 مايو/أيار الإرهابية بالدار البيضاء، حيث احتلوا موقعا مركزيا في برامج "إعادة تأهيل الحقل الديني"، وتوفير "الأمن الروحي" للمغاربة، وإرساء المجالس العلمية وصولا إلى طرح مشروع "ميثاق العلماء" في سبتمبر/أيلول 2008، وبالمقارنة مع سياسة تفعيل دور العلماء واستنهاض دورهم الاجتماعي في بداية الثمانينيات، فإن سياق المشروع الحالي يختلف كليا عن السياق السابق، من حيث كون المبادرة القديمة جاءت في ظرفية التحدي الاجتماعي والسياسي الداخلي المرتبط بالحركة اليسارية والتحدي الشيعي الخارجي مع الثورة الإيرانية، أما اليوم فإن السياق مختلف بشكل كبير، فرغم استمرار التحدي الشيعي فإن بروز تحديات التطرف والغلو والعنف فرض اعتماد مقاربة أوسع وأشمل إزاء العلماء.

4- الزوايا: عرفت سنتا 2007 و2008 تحولا نوعيا في الواقع الديني مس وظيفة الفاعل الصوفي بشكل رئيس نظرا للرهانات السياسية والدينية التي أصبحت مطلوبة منه ضمن إستراتيجية إعادة تأهيل الحقل الديني في المغرب، خاصة بعد إطلاق مشروع بناء فضاء وطني في إطار لقاء سيدي شيكر في سبتمبر/أيلول 2008 والدعوة إلى إحداث هيئة عالمية لمنتسبي التصوف.

وتؤكد مجمل المعطيات المتعلقة بالحركية الصوفية أن السياسة الدينية في المغرب بعد أحداث 16 مايو اتجهت إلى أن يقوم الفاعل الصوفي بدور البديل للتوجهات السلفية من جهة، وأن يضطلع بنشر نموذج للتدين غير "المسيس"، وهو ما يعني أن يتقوى دوره داخل الحقل الديني على حساب الحضور الفاعل للحركة الإسلامية.

"
يعيش المغرب على إيقاع تحولات عميقة وجذرية، مست جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية، وقد تبلورت هذه التحولات بشكل قوي مع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة
"
5- الحركات الإسلامية: يعالج التقرير في هذا المحور موضوع الحركة الإسلامية المغربية بتياراتها الأساسية، بوصفها فاعلا دينيا يسهم في مجال التدين، وذلك من خلال رصد طبيعة حضورها ونوعية تفاعلها مع الأحداث والمستجدات، وتحليل المواقف الصادرة عنها. وقد تطرق التقرير بشكل أساسي إلى الحركات الإسلامية التالية:
أ- حركة التوحيد والإصلاح.
ب- العدل والإحسان.
د- جماعة الدعوة والتبليغ.

مع الإشارة إلى تعبيرات جمعوية جهوية ومحلية أخذت تبرز كحاضن للتدين المتنامي في صفوف الشباب.

بعد ذلك انتقل التقرير في المحور الثالث إلى عرض تحديات التدين بالمغرب، حيث يؤكد أن المجال الديني بالمغرب شهد تحديات متسارعة طيلة سنتي 2007 و2008 تعبر عن تطورات دالة في عدة مجالات، إذ يعيش المغرب على إيقاع تحولات عميقة وجذرية، مست جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية، وقد تبلورت هذه التحولات بشكل قوي مع نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة.

وحاول التقرير رصد هذه التحديات مصنفا إياها إلى عدة مستويات، مستوى التحديات المرتبطة بالحياة الدينية وفضاءاتها الأسرية منها والتعليمية، والتحدي الأخلاقي والقيمي على الحالة الدينية بالمغرب من جهة، ومستوى التحديات الثقافية التي عرفتها المجالات الفنية والسينمائية واللغوية من جهة ثانية، واستحضار تحديات الأمن الروحي والوحدة المذهبية للمغرب المرتبطة بالتنصير والتشيع من جهة ثالثة.

تفاعلات السياسي والديني
في المحور الرابع رصد التقرير تفاعلات الحقل الديني والسياسي خلال سنتي 2007 و2008 وتأثيرات ذلك على حالة التدين وواقع القيم بالمغرب، ومدى انعكاسه على الحياة العامة، وتطرق إلى قضايا الهوية والدين عند الأحزاب السياسية المغربية.

وقد توصل التقرير إلى أن المسألة الدينية تحتل حيزا متفاوتا في برامج الأحزاب السياسية ومشاريعها المجتمعية ووثائقها المرجعية. كما عالج في مستوى ثان تيار ما يسمى بالسلفية الجهادية، ورصد الآثار السياسية التي خلفتها قضيته.

"
يتعرض الوجود العددي لليهود المغاربة إلى التقلص بسبب الهجرة التي تطال الشباب بشكل خاص حيث لا يتجاوز العدد حاليا 3000 يهودي مغربي
"

وخصص التقرير محوره الخامس لرصد وضعية اليهود المغاربة، منطلقا من الإطار التاريخي للجماعات اليهودية المقيمة بالمغرب، وتشكيلات الهوية اليهودية المغربية، وتاريخ هجرة اليهود المغاربة، وجرد لأهم المواسم اليهودية، وتفاعل اليهود المغاربة في الحياة العامة، ووضعيتهم في مدونة الأحوال الشخصية، وموقفهم من العدوان الأخير على غزة.

ويسجل التقرير وجود مسارين من ناحية التقلص العددي لليهود المغاربة بسبب هجرة الشباب بشكل خاص حيث لا يتجاوز العدد حاليا 3000 يهودي مغربي، وفي المقابل غياب تسجيل حالات توتر بين الجالية وباقي المغاربة، مع وجود استثناءات نادرة تتداخل فيها اعتبارات غير دينية. كما سجل التقرير عودة متنامية للاهتمام الروحي بإحياء المناسبات الدينية في مزارات اليهود المغاربة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك