عرض/عمر كوش
تحضر في هذا الكتاب أسئلة الحداثة في البلدان العربية، المجسدة في سؤال العقلانية والعقلنة، وسؤال الحداثة السياسية، وإشكاليات الوضع النسائي في المجتمع وفي الفكر، وفق منظور يتوخى تعميم وتوسيع قيم التحرر.

كما يحضر سؤال الحرية في الفكر السياسي العربي مع الانطلاق من خطابات الإصلاح، ليتوقف أمام باب الحرية المشرع على ممكنات الإبداع اللامتناهية.

هواجس التأليف

-الكتاب: أسئلة الحداثة في الفكر العربي (من إدراك الفارق إلى وعي الذات)
-المؤلف: د.كمال عبد اللطيف
-عدد الصفحات: 320
-الناشر: الشبكة العربية للدراسات والنشر، بيروت
-الطبعة: الأولى/ 2009
تسكن ذهن مؤلف الكتاب، الدكتور كمال عبد اللطيف، الباحث والأكاديمي المغربي، هواجس التفكير في كيفيات أقلمة قيم العصر وتوطينها في الثقافة العربية المعاصرة، على خلفية الإيمان بأن انفتاح هذه الثقافة على قيم الأزمنة الحديثة والمعاصرة في الفلسفة والسياسة والمجتمع، يعتبر من الوسائل المساعدة في عمليات إنجاز ما يمكّن الذات التاريخية من مواجهة أسئلة حاضرها ومستقبلها، وبأقصى ما يمكن من الوعي التاريخي واليقظة الفكرية. ويستدعي هذا الاشتغال الفكري الاقتراب من أسئلة التحديث السياسي في سياق منظومات الأفكار والتصورات، وتحقيباً نظرياً تاريخياً يستوعب في إطاره جملة الجهود الهادفة إلى الاقتراب من أسئلة ونصوص الفكر العربي المعاصر.

ويقدم المؤلف مقاربته النقدية لأسئلة الحداثة في الفكر العربي المعاصر، كي يبني عليها معالم تشييد فكري مختلف عن السائد، وقادر على مواجهة معضلات وأسئلة التأخر التاريخي العربي، وذلك من خلال محاولة تشخيص عوائق الحداثة في الفكر والمجتمع، وتلمس السبل النظرية التي تتيح تجاوز أوهام الانكفاء الذاتي نحو عالم أكثر رحابة وتاريخ أكثر إنسانية، وترسيخ قيم الحداثة والتحديث السياسي في الثقافة والمجتمع، انطلاقاً من الاعتقاد بأن الحداثة أفق في الفكر وفي العمل مفتوح على الحاضر والمستقبل، وأن إشكالاتها في الراهن العربي متصلة بإشكالاتها الكبرى في الفكر العربي المعاصر، الأمر الذي يفترض أن يسهم هذا الاشتغال النظري في تحفيز وتعميق النظر في إشكالات الحاضر العربي، خاصة في مظاهره الفكرية والسياسية.

لحظتان مفصليتان
يحدد كمال عبد اللطيف لحظتين مفصليتين في صيرورة تمثل الفكر العربي الحديث لأسئلة الحداثة، هما: لحظة إدراك الفارق ولحظة وعي الذات، مع الإقرار بوجود لحظات ومحطات بين هاتين اللحظتين لا يمكن اختزالها في حدين أو ثلاثة، ذلك أن الأمور في التاريخ تحصل بصورة مركبة ومتداخلة، فيما تستدعي لحظات البحث نقاط ارتكاز نظرية مساعدة على الإنجاز، ومرتبة لتصورات ناظمة للمتناقض والمختلف والمتحول، لذلك يجترح أطواراً كبرى متداخلة ومتباعدة لانخراط الفكر العربي في مسلسل استيعاب الحداثة، تعكس مخاضات وتوترات ومفارقات مشروع الحداثة والتحديث في المجال الفكري العربي خلال القرنين الماضيين.

"
لحظتان مفصليتان في صيرورة تمثل الفكر العربي الحديث لأسئلة الحداثة، هما: لحظة إدراك الفارق ولحظة وعي الذات، مع الإقرار بوجود لحظات ومحطات بين هاتين اللحظتين, ذلك أن الأمور في التاريخ تحصل بصورة مركبة ومتداخلة
"
ولعل العمل بلغة التحقيب يتيح للباحث إمكانية النظر في الأسئلة والإشكالات التي تقع بمحاذاة الحقب أو على هامشها، حيث تتاح فرصة معاينة ما ينشأ في قلب التحقيب، وما ينشأ بجواره ويلتقي أو لا يلتقي به وبنتائجه.

ويُرجع اللحظة الأولى، لحظة إدراك الفارق، إلى بدايات الاحتكاك بالحداثة الغربية، بوصفها علامة كبرى في طريق مفتوح، مستخدماً مصطلحاً سيكولوجياً ومفردة تستوعب طرفين، حيث يحضر فعل الإدراك، بوصفه عملية إدراك الآخر، الذي يتجسد فيها الآخر المدرك كعلاقة صانعة لصورة جديدة في تاريخ لم يعد بإمكانه أن يظل مجرد خزانٍ حافظٍ لموروث يتلاشى.

وفي هذه اللحظة شخّص الفكر العربي بدايات التحول الصانعة للملامح الكبرى لما يعرف بعصر النهضة العربية، حيث أدركت النخب السياسية والنخب المركِّبة لبرامج في الإصلاح الفكري والاجتماعي أن المجتمعات الأوروبية تتميز بسمات محددة صانعة لقوتها وتقدمها، وأن كل تفكير في تجاوز أوضاع التأخر الحاصلة في المجتمعات العربية، يقتضي الاستعانة بالأسس والمقدمات التي صنعت وما فتئت تصنع مظاهر النهضة والقوة في أوروبا.

فيما يُرجع نشوء اللحظة الثانية، لحظة وعي الذات، إلى الربع الأخير من القرن العشرين المنصرم، من دون أن يستبعد هذا الإقرار الزمني حصول بعض أماراتها وحدوسها العامة في زمن سابق، وعليه حدثت لحظة وعي الذات لتؤشر على مفترق طرق كبير صانع لأسئلة الراهن في العالم العربي، لكنها ما فتأت تتشكل في الفكر العربي المعاصر، كي تستوعب مكاسب لحظة إدراك الفارق، وتتجه إلى تخطيها في اتجاه استحضار المكون الذاتي، ومحاولة بناء أسئلته في علاقاتها بمعطيات الحاضر في بعده الكوني، ومن دون إغفال المتاح للبشرية جمعاء في مجالات المعرفة والمجتمع والتاريخ.

لحظات المقايسة
يظهر أن امتداد الاشتغال الفكري من إدراك الفارق إلى وعي الذات، لا يغيّب عنه حضور لحظات المقايسة، التي لا تحضر في سلّم زمني صاعد، بل تحضر في اللحظة الأولى وفي لحظة وعي الذات لذاتها، لتتمكن من إدراك التمايز والحث على التواصل بالمثاقفة، على خلفية وحدة التاريخ المشترك، والمصير الواحد المشترك، ذلك أن كل تخندق يعزز التنافي ويرسخ التجافي ويصنع المسافات الفاصلة، فيما تستنبت مساعي التواصل قيم الوصل من دون أن تستبعد معطيات الخصوصيات التاريخية الصانعة لثراء التعدد وخصوبة الفصل الذي لا يُغفل الوصل.

وينظر المؤلف إلى وعي الذات بوصفه أفقاً صانعاً لكثير من مظاهر الإبداع في الفكر المعاصر، بالرغم من بؤسه وشقائه، ثم يبني تصوره للحداثة على مفهوم لا يرتكز على مبادئ فكرية مغلقة، إذ ليست الحداثة مجرد مفهوم أو جملة من المفاهيم الموصولة ببعض الأنساق والمنظومات الفلسفية والوقائع التاريخية الحاصلة في أوروبا ابتداء من القرن السابع عشر، بل إنها تستوعب ذلك وتتجاوزه، وذلك بناء على معطيات التاريخ الذي ساهم في تبلورها. وبالتالي يجري التسليم بجملة من المبادئ النظرية التاريخية العامة التي تنظر إلى الإنسان والمجتمع والطبيعة والتاريخ من منظور يستوعب ثورات المعرفة والسياسة كما تحققت وتتحقق في التاريخ الحديث والمعاصر، وفي أوروبا بالذات، باعتبار أنها موطن التشكل الأول للمشروع الفلسفي الحداثي.

الحداثة السياسية

"
يجري الاهتمام بالحداثة السياسية من منطلق تقديمها أفقاً في النظر والعمل، يمكّن العرب، في حال بنائه وإعادة بنائه من تهديم أوهامهم القديمة والجديدة ويسعفهم بتقويض دعائم الاستبداد السياسية ومختلف أشكال الحكم المطلق
"
يجري الاهتمام بالحداثة السياسية من منطلق تقديمها أفقاً في النظر والعمل، يمكّن العرب، في حال بنائه وإعادة بنائه من تهديم أوهامهم القديمة والجديدة ويسعفهم بتقويض دعائم الاستبداد السياسية ومختلف أشكال الحكم المطلق، بهدف فسح المجال أمام مختلف المبادرات القادرة على تطوير نظرنا السياسي في مجالات السلطة والسياسة والحكم.

كما يجري الحديث عن الإصلاح السياسي الحداثي في أفق موصول بإشكالية التأخر العام السائدة في الواقع العربي، ويطرح في مواجهة مختلف صور الاستبداد السياسي القائمة في بلداننا العربي، وعلى خلفية الإدراك بأن المعارك الإصلاحية لم تنقطع طيلة التاريخ العربي المعاصر، مع الإقرار بأنه في اللحظات المفصلية من التاريخ لا تمييز بين معارك الداخل والخارج، خاصة في عصرنا الراهن، حيث تختلط الحدود، وتنفتح المعارك على أمكنة وأزمنة ورموز لا حصر لها، وحيث يمنح انتشار دعاوى تيارات الإسلام السياسي، ودعاوى تيارات التكفير والعنف في ثقافتنا ومجتمعنا، مناسبة تاريخية جديدة لإطلاق مجابهة نقدية أكثر حسما وصرامة، ومعارك يكون بإمكانها أن تكشف فقر ومحدودية وغربة التصورات الموصولة بهذه التيارات، وهو أمر يتيح إمكانية بناء الفكر المبدع والمساهم في إنشاء خيارات مطابقة للتطلعات في النهضة والتقدم.

مشروع الإصلاح
يبحث كمال عبد اللطيف في مشروع الإصلاح الديني في الفكر العربي المعاصر، الذي انطلق مع نهاية القرن التاسع عشر، وأنجزت فيه الحركة السلفية في بداياتها خطاباً توفيقياً، نزع نحو بناء شكل من أشكال المواءمة بين قيم الإسلام وقيم الفكر الحديث والمعاصر، بينما قدم مشروع محمد عبده الإصلاحي الذي كان يروم تكييف المجتمع الإسلامي ومبادئ العقيدة مع مقتضيات ومتطلبات الأزمنة الحديثة.

ويظهر ذلك المشروع في روحه العامة كصورة لنمط في التوفيق مكافئ للمعطيات وللشروط التاريخية التي سمحت بتبلوره، لكنه استنفد في نظره قيمته الإصلاحية المتدرجة، ورصيده النظري الموصول بزمانه، وبعد ذلك ظهرت الحاجة إلى بناء مواقف أكثر قدرة على مواجهة أسئلة وطموحات العصر الحديث بمنطق وأدوات أخرى في الفهم المتعقل والعمل.

ويعثر عبد اللطيف في أعمال الطهطاوي على مشروع في التمدن يقرأ أحوال التردي الحاصلة في التاريخ الذاتي بمعايير التقدم الصانع لمختلف أمجاد النهوض الأوروبي. ويقف من خلالها وبواسطتها على كيفية من كيفيات وعي وتمثل الشيخ رفاعة، لمشروع محمد علي الإصلاحي الهادف إلى بناء الدولة الوطنية في مصر، باعتبارها الوسيلة المناسبة لتخطي مختلف مظاهر التأخر، التي تشكل السمة الأبرز في مصر وفي أغلب المجتمعات العربية.

ويمكن العثور على عناصر من التوجه الإصلاحي الجديد في مشروع نقد العقل العربي الإسلامي كما بلورته أعمال محمد عابد الجابري ومحمد أركون، وكما تبلور بصيغ أخرى في إسهامات الفكر النقدي العربي المعاصر في مختلف تجلياتها النصية المتشكلة في نهاية الربع الأخير من القرن العشرين، وهو الأمر الذي يعتقد أنه ساهم في تعزيز جبهة العمل الفكري في مجال الحداثة والتحديث السياسي، وذلك بالرغم من مظاهر التراجع التي ارتبطت بظهور تيارات معادية للعقلانية الحديثة والمعاصرة.

موضوع المرأة

"
الصورة النمطية السائدة اليوم في العالم العربي عن المرأة تعد محصلة موضوعية لتاريخ من التدبير الاجتماعي، والسياسي، والثقافي المعبر عن أشكال من الصراع الدائرة داخل المجتمع, وأن أي تعديل لها يقتضي إعادة النظر في الأسس التي سمحت بتركيبها وحصولها
"
ينظر المؤلف إلى موضوع المرأة، سواء في الفكر العربي أم في الفكر الإنساني، بوصفه يوضح بصورة جلية قدرة الأفكار على بناء الجدران السميكة التي يصعب زحزحتها، بحكم المصالح التاريخية المتناقضة التي يطرحها موضوع مشاركة النساء في الحياة العامة.

ويرى بأن الصورة النمطية السائدة اليوم في العالم العربي عن المرأة تعد محصلة موضوعية لتاريخ من التدبير الاجتماعي، والسياسي، والثقافي المعبر عن أشكال من الصراع الدائرة داخل المجتمع. وأن أي تعديل مفترض في هذه النمطية القائمة، يقتضي إعادة النظر في القواعد والأسس والمعطيات المتنوعة التي سمحت بتركيبها وحصولها بالصورة التي اتخذت، وهو الأمر الذي يترتب عنه الإخلال بمكاسب حاصلة، مكاسب ليس من مصلحة المستفيدين منها، أن يتخلوا عنها، إلا عندما تختل معادلة موازين القوى داخل المجتمع، وهذه المسألة تستدعي كثيراً من العمل المتواصل من أجل الاقتراب منها، ومن الآفاق التي يمكن أن تفتحها في المجتمع وفي التاريخ.

ويقف في اللحظة الأولى، لحظة وعي الفارق، على النصوص التي عكست في الفكر العربي المعاصر، كيفية إدراك النخب للفوارق القائمة بين أحوال المرأة في عالمنا وأحوالها في العالم المتقدم، ثم يأتي العمل على تشخيص علامات الفوارق في علاقتها بمشروع الإصلاح النهضوي، وهو المشروع المؤطر لقضايا النساء في فكر النهضة العربية.

فيما يقف في اللحظة الثانية على ما يطلق عليه وعي التغيير ولزومه، كما تبلور ذلك في كتابات المصلحين، الذين سعوا للدفاع عن ضرورة تغيير أوضاع المرأة العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك