عرض/ عدنان أبو عامر
"التقرير الإستراتيجي الإسرائيلي" الذي بين أيدينا اليوم، يقدم قراءة دقيقة وتفصيلية لما يحدث في قارات العالم الست من تغيرات، والموقف الإسرائيلي منها، وآثارها السلبية والإيجابية على تل أبيب.

-الكتاب: التقرير الإستراتيجي الإسرائيلي
-المؤلف: د. عوديد عيران وآخرون
-عدد الصفحات: 132
-الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب
-الطبعة: الأولى، أكتوبر/تشرين الأول 2008
التقرير الصادر باللغة العبرية وأشرف على إعداده وتحريره والتقديم له البروفيسور عوديد عيران المحاضر في مركز متعدد المجالات في هرتزليا، يسلط الضوء على موضوعات هامة وساخنة، محلية وإقليمية ودولية، أهمها العلاقة المأزومة بين إسرائيل ولبنان ممثلا بحزب الله، مستعرضا عددا من السيناريوهات المتوقعة في المستقبل المنظور والبعيد.

إلى جانب تناول الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وما يدور من مفاوضات ماراثونية أملا في إيجاد حل عسير للقضية، مؤكدا في هذا المحور على تلاشي فكرة الدولتين: الفلسطينية والإسرائيلية كنهاية متوقعة لهذه المفاوضات.

محاور التقرير تطرقت إلى الأوضاع العاصفة التي تحياها الأراضي الفلسطينية، مشيرا إلى الأفول المتدرج للسلطة الفلسطينية بغياب مهامها ووجودها الفعلي، مع عدم إهمال التطورات على الأصعدة التي تشكل أرقا مزمنا لإسرائيل من قبل كل من سوريا وإيران وتنظيم القاعدة.

حرب لبنان الثالثة

"
إسرائيل ليس بمقدورها أن تحقق نصرا ساحقا على حزب الله لكونه منظمة تخوض حرب عصابات ميدانية، إضافة إلى الحماية والحصانة التي تمنحها إياه الدولة اللبنانية التي ما زالت دولة معادية في نظر تل أبيب
"
يسارع التقرير في الفصل الأول للحديث عن قراءة مستقبلية حول حرب لبنان الثالثة، مشيرا بصورة "صادمة" لإسرائيل إلى أن حربا قادمة بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله لن تكون بالضرورة نتائجها أفضل من سابقتها التي حصلت في صيف 2006، ومنيت بها تل أبيب بهزيمة ساحقة.

ويستند التقرير في ذلك إلى أن من الأسباب التي ترجح هذه الفرضية أن ميزان القوى بين إسرائيل وحزب الله لم يتغير، بل بقي على حاله منذ انتهاء الحرب الثانية، كما أن التحسينات التي طرأت على الجيش الإسرائيلي قابلها تطوير ملحوظ لدى قدرات حزب الله العسكرية.

فضلا عن أن إسرائيل ليس بمقدورها –كما يؤكد الإستراتيجيون الإسرائيليون- أن تحقق نصرا ساحقا على حزب الله لكونه منظمة تخوض حرب عصابات ميدانية، إضافة إلى الحماية والحصانة التي تمنحها إياه الدولة اللبنانية التي ما زالت دولة معادية في نظر تل أبيب، الأمر الذي يشير إلى استنتاج خطير مفاده بأن الحرب القادمة يجب أن تتوجه ضد لبنان الدولة وليس إلى حزب الله فقط.

ومع ذلك، يستدرك التقرير بأن استهداف لبنان الدولة قد يجلب على إسرائيل آثارا ونتائج سلبية أهمها: البعد القانوني الذي قد لا يجيز استهداف دولة مستقلة، والنواحي الأخلاقية التي ستواجه إسرائيل إذا ما سقط مدنيون في هذه الحرب، وخسارة إسرائيل للرأي العام الدولي حتما إذا اندلعت هذه المواجهة.

غياب حل الدولتين
يعرج التقرير على القراءة المستقبلية للمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وما قد يترك آثاره على التجمعات الاستيطانية اليهودية في الضفة الغربية إذا تم التوصل إلى حل بين الجانبين.

محرر هذا الفصل من التقرير الإستراتيجي ينظر بخطورة إلى مدى قدرة الدولة على إخلاء تلك التجمعات الاستيطانية، وكيف سيؤثر على موقع إسرائيل الإستراتيجي والأمني، وفي ذات الوقت يبدي تشككا من تحقيق رغبة الحكومتين الأميركية والإسرائيلية في إقامة الدولتين إذا ما استمر المستوطنون في أراضي الضفة الغربية، ملمحا إلى أن الوقت قد لا يخدم بالضرورة تطبيق هذا الحل في المستقبل المنظور.

"
التقرير يطرح سيناريوهين مرشحين للاستمرار على الساحة الفلسطينية: أولهما يتمثل في استمرار حالة الضعف والتراجع التي تعيشها السلطة الفلسطينية وإلى جانبها التيار الوطني، والثاني تنامي القوى الإسلامية الراديكالية على الساحة الفلسطينية
"
في ذات السياق، يشير محور منفصل إلى المآلات التي وصلت إليها السلطة الفلسطينية بفعل حالة التدهور في العلاقات البينية على الصعيد الداخلي، وما حصل من انقسام جغرافي بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وخلاف سياسي بين حركتي حماس وفتح، الأمر الذي يدفع بالتقرير إلى طرح أسئلة مصيرية هامة من قبيل: ما مدى قدرة السلطة الفلسطينية على الاستقرار في حدوده الدنيا؟ وما هي مبررات قيامها وبقائها؟ وما السقف الزمني لاستمراريتها؟

التقرير الإستراتيجي الإسرائيلي يطرح سيناريوهين مرشحين للاستمرار على الساحة الفلسطينية، أولهما: يتمثل في استمرار حالة الضعف والتراجع التي تعيشها السلطة الفلسطينية وإلى جانبها التيار الوطني، رغم ما أسماه حجم الدعم المادي والمعنوي التي تحظى به من قبل إسرائيل والمجتمع الدولي. في المقابل يتحدد مستقبل السناريو الثاني في تنامي القوى الإسلامية الراديكالية على الساحة الفلسطينية.

ويربط التقرير مستقبل السلطة الفلسطينية بنتائج الانتخابات الأميركية، وما قد تسفر عنه الانتخابات الإسرائيلية القادمة.

إيران وسوريا.. إلى أين؟
حظي المحور الدولي بحيز هام من صفحات التقرير بدءا بالحديث عن الدور الروسي المرتقب، حيث أشار إلى تغير النظرة الدولية للدور الروسي في الساحة الدولية، لاسيما مع إشارة التقرير إلى ما أسماه المصالح المشتركة بين روسيا والغرب معا، ومنها: الحرب ضد الإرهاب، منع انتشار السلاح النووي، وبالتالي يستبعد أن تصنف روسيا على أنها دولة معادية للتحالف الغربي.

وفي ذات الوقت فإن روسيا بدأت –كما يؤكد التقرير- بالبحث عن موطئ قدم لها خارج النطاق الإقليمي والجغرافي المصنف على أنه الحديقة الخلفية للولايات المتحدة وحلفائها الغربيين، لاسيما في جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، حيث تتناقض المصالح الغربية والروسية بصورة مطلقة.

ويتناول التقرير الإستراتيجي بالتفصيل الدور الروسي المرتقب في أكثر من بقعة جغرافية، لاسيما في منطقة الشرق الأوسط التي لا تنظر موسكو بعين الرضا إلى حالة التفرد الأميركي فيها.

على الصعيد الإيراني، تطرق التقرير إلى إمكانية توجيه ضربة عسكرية إسرائيلية قاصمة للمنشآت النووية الإيرانية، مركزا على خشية طهران من إقدام تل أبيب على مثل هذه الخطوة رغم ما تبديه من ثقة بنفسها أمام الرأي العام العالمي وقدرة على حماية مشروعها الماضية فيه، انطلاقا من إدراكها لحجم الرد الكبير الذي قد تقابله أي ضربة أميركية أو إسرائيلية لها.

ومع ذلك، يستدرك التقرير بأنه رغم ذلك فإن طبيعة الاستعدادات الميدانية والمناورات العسكرية التي تجريها إيران على مدار الساعة، تظهر تخوفها الحقيقي من ضربة متوقعة، الأمر الذي يدفع بها لاتخاذ بعض الخطوات الردعية أمام واشنطن وتل أبيب، وماذا أعدت لليوم التالي إذا تم ضربها فعلا؟

"
الاستعدادات الميدانية والمناورات العسكرية التي تجريها إيران على مدار الساعة تظهر تخوفها الحقيقي من ضربة متوقعة، الأمر الذي يدفع بها لاتخاذ بعض الخطوات الردعية أمام واشنطن وتل أبيب، وماذا أعدت لليوم التالي إذا تم ضربها فعلا؟
"
سوريا هي أيضا حظيت باهتمام واضح في التقرير الإستراتيجي، في ضوء تنامي الحديث عن المفاوضات غير المباشرة التي تجريها مع إسرائيل بوساطة تركية، خاصة إثر تدهور العلاقات بينهما عقب اندلاع حرب لبنان الثانية عام 2006.

التقرير يسلط الضوء على أبرز التطورات والتغييرات التي طرأت على الملف السوري في إسرائيل خلال العامين الأخيرين، محاولا فحص مدى جدية الفرص الخاصة بتحقيق انفراج حقيقي وجاد في المفاوضات الثنائية، لاسيما مع انتهاء عهد رئيس الحكومة الإسرائيلي إيهود أولمرت.

تنظيم القاعدة الذي بات في السنوات الأخيرة ضمن اهتمامات دوائر صنع القرار الإسرائيلي، احتل مساحة هامة في التقرير الذي يقدم ما يشبه "كشف حساب" للمكاسب والخسائر التي تحققت للتنظيم في السنوات الخمس الأخيرة من الحرب التي يخوضها ضد القوات الأميركية في العراق، رغم ما يشير إليه التقرير من أن التنظيم لم يستخدم بعد كل ما لديه من أسلحة في الساحة العراقية.

المشاركون
هذا التقرير الإستراتيجي يأتي في إطار العادة التي جرت عليها إسرائيل منذ سنوات عديدة على صعيد إصدار تقارير إستراتيجية تقدم بالعادة إلى صانع القرار الإسرائيلي، من خلال الاستعانة بجملة من الباحثين والدراسين الذين يسلطون الضوء على أبرز القضايا التي تحتل جدول أعمال الدولة أمنيا وسياسيا وإستراتيجيا.

ولذلك فإن التقرير لا يكتسب أهميته الفائقة من التوقيت الحرج الذي يصدر فيه فقط، بل أيضا انطلاقا من طبيعة ومواقع المؤلفين المشاركين في إعداده، فمنهم الأكاديمي والجنرال والأمني الذين ساهموا بصورة أو بأخرى في صناعة القرار الإسرائيلي خلال مراحل مختلفة من عمر الدولة.

وقد أفسح معهد أبحاث الأمن القومي الذي أصدر التقرير هذا العام -بعكس ما جرت عليه العادة- الفرصة لاستكتاب مجموعة من المؤلفين ممن يعملون خارج إطاره الإداري، لإعطاء صورة أكثر وضوحا بعيدة عن التوجيه المقصود في كتابة محاور التقرير.

ومن أبرز المشاركين في إعداد التقرير: رئيس مجلس الأمن القومي السابق الجنرال غيورا آيلند، ورئيس شعبة الأبحاث في جهاز الاستخبارات العسكرية سابقا الجنرال يوسي كوبرفاسر، ورئيس معهد موشيه دايان البروفيسور أيال زيسر المتخصص في تاريخ الشرق الأوسط، وكبير المحللين السياسيين في صحيفة هآرتس الإسرائيلية ألوف بن، والحائز على شهادات علمية عليا في القانون الدولي إيريز زيونيتس، والباحث في معهد أبحاث الأمن القومي البروفيسور ومركز دراسات بن غوريون زكاي شالوم، والدكتور أفراييم كام مساعد رئيس معهد أبحاث الأمن القومي، ومدير معهد شتاينميتس لأبحاث السلام أفراييم ليفيا، ومدير معهد أبحاث الإرهاب يورام شفايتسر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات