عرض/بدر محمد بدر
يقدم لنا الدكتور محمد عمارة بين دفتي هذا الكتاب ثلاث دراسات عن المشروع الفكري لثلاثة من أعلام الفكر المعاصر وهم: الشيخ محمد رشيد رضا والدكتور عبد الرزاق السنهوري والسيد ميشيل عفلق, بهدف دعوة أتباع هذه المدارس الفكرية إلى قراءة الآخرين, وعدم التمركز حول أنفسهم أو التخندق الفكري, وصولاً إلى اكتشاف مساحات الأرض المشتركة, بين أعلام هذه الفصائل, وبخاصة في ميدان المرجعية الإسلامية للنهضة العربية المعاصرة.

في الدراسة الأولى يستعرض المؤلف رحلة حياة الشيخ محمد رشيد رضا (1865-1935) بداية من بلدته "القلمون" في طرابلس الشام (في لبنان حاليا) مروراً بانضمامه للطريقة الصوفية النقشبندية, ثم تحول قناعاته الفكرية بعد مطالعته لأعداد قديمة من مجلة "العروة الوثقى" التي أصدرها السيد جمال الدين الأفغاني, وقراره السفر إلى القاهرة ولقائه بالإمام الشيخ محمد عبده في عام 1897, وبالتالي بداية رحلته مع "المشروع الفكري الإصلاحي" الذي تبناه الأفغاني ومحمد عبده, وإصداره مجلة "المنار" لتكون ديوان فكر المدرسة الإصلاحية.

مدرسة الإحياء والتجديد 

-الكتاب: المشروع الحضاري الإسلامي
-المؤلف: د. محمد عمارة
-عدد الصفحات : 208
-الناشر: دار السلام, القاهرة 
-الطبعة: الأولى/ 2008
ويلخص الكتاب معالم المشروع الحضاري النهضوي الذي دعت إليه مدرسة الإحياء والتجديد, والتي كان رشيد رضا من أعلامها, وتتركز في أن المرجعية الإسلامية هي أساس نهضة الشرق, وشمول الشريعة الإسلامية للإصلاح الديني والإصلاح السياسي معا, وضرورة الاجتهاد والتجديد لتواكب الشريعة جميع المستجدات عبر الزمان والمكان, والوسطية الجامعة بين منابع المرجعية الإسلامية والواقع المتجدد, دونما انغلاق على تجارب السلف أو قطيعة مع التراث, توقع أصحابها في تقليد الحضارة الوافدة والغازية.

ومن معالم المشروع الحضاري في فكر رشيد رضا أيضاً, الاعتصام بالشرع الإسلامي دون الوقوع في شرك الكهانة والسلطة الدينية -المعنى الكنسي الغربي- تلك التي يرفضها الإسلام, والتي برئ منها تاريخنا الحضاري, والانفتاح على الحضارات المختلفة, والتفاعل مع كل المعارف والعلوم التي تمدن الواقع, مع الاحتفاظ بخصوصيتنا الحضارية وهويتنا وشخصيتنا التي تتميز باللغة والدين والشريعة والآداب.

ومن معالم المشروع الحضاري عند رشيد رضا كذلك: التعلق برابطة الجامعة الإسلامية, التي تستوعب شعوب الأمة وأجناسها ولغاتها وأوطانها ومللها, حذراً من ضيق التعصب القومي أو العصبية الإقليمية.

وكان الشيخ رشيد رضا من دعاة الإصلاح الدستوري في الدولة العثمانية, ولم تكن رحلاته إلى الحجاز والعراق والكويت والهند وسوريا إلا علاقة بين الإصلاح السياسي ممزوجاً بالإصلاح والإحياء الديني، وأخذت السياسة الدولية تجد لها مكاناً بارزاً على صفحات "المنار", حتى أصبحت هذه المجلة الشهرية مدرسة جامعة لتيار الإحياء والتجديد, بل كانت المنطلق للحركات الإسلامية الجماهيرية, التي رفعت شعارات شمولية المنهاج الإسلامي للدين والدولة, وللعقيدة والشريعة, وللفرد والأمة, وللدنيا والآخرة, في مواجهة العلمانية الغربية التي أرادت اختزال الإسلام, واستبعاد حاكميته من ميادين الاجتماع والحياة.

السنهوري باشا
ويتناول المؤلف في الدراسة الثانية التطور الفكري للقانوني الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895-1971) الذي يصفه بأنه "أعظم فقهاء الأمة في القانون الحديث والمعاصر", وأن "إمامته في القانون الحديث قد انعقد عليه إجماع فقهاء وأساتذة وقضاة هذا القانون, عرباً ومسلمين وأجانب, إضافة إلى إمامته في الشريعة الإسلامية والفقه الإسلامي".

حتى إن فقهاء القانون في أوروبا -كما يقول المؤلف- أطلقوا عليه لقب "الإمام الخامس" إشارة إلى إمامته في الفقه بعد الأئمة الأربعة (أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل) منذ مرحلة دراسته للدكتوراه في باريس, في منتصف عشرينيات القرن العشرين, والتي أنجز فيها رسالتين للدكتوراه, إحداهما في القانون المدني, والثانية في فقه الخلافة الإسلامية, التي أسقطت في عام 1924م.

لقد تبوأ السنهوري باشا عرش التجديد القانوني في الوطن العربي والشرق الإسلامي على امتداد عقود القرن العشرين, وكانت بداية التجديد في مذهبه هي العودة إلى فقه فقهائنا القدماء, وكان تميز الفقه المصري هو عين إسلامية هذا الفقه, وكان اعتماد المنهج المقارن بين الفقه الإسلامي والمجموعات القانونية الغربية هو السبيل لجعل الفقه الإسلامي عنصراً من عناصر نهضة وإثراء الفقه العالمي, وكانت وحدة الشريعة والقانون عنده هي معلم من معالم وحدة الشرق, بوصفه مدنية وحضارة وجامعة سياسية لعصبة الأمم الإسلامية.

"
تبوأ السنهوري باشا عرش التجديد القانوني في الوطن العربي والشرق الإسلامي على امتداد عقود القرن العشرين, وكانت بداية التجديد في مذهبه هي العودة إلى فقه فقهائنا القدماء, وكان تميز الفقه المصري هو عين إسلامية هذا الفقه
"
ويقول المؤلف إن السنهوري باشا في مشروعه الحضاري كان يرى وجوب ربط الأمم الشرقية (البلاد العربية والإسلامية) بروابط اقتصادية ولغوية وقانونية, قبل التفكير في ربطها بروابط سياسية وأن ذلك يأتي متأخرا, ولتطبيق ذلك يمكن البدء بالنهضات الآتية:

1- نهضة تتناول الشريعة الإسلامية وجعلها مطابقة لروح العصر, وهذه النهضة تنتشر في كل الدول الشرقية.

2- نهضة تتناول اللغة العربية وإدخال ما يجب إدخاله عليها من التعديلات, وتوحيد اللهجات المختلفة فيها بقدر الإمكان, وهذه النهضة تنتشر في البلاد العربية كمصر والشام وبلاد العرب والعراق وبلاد المغرب.

3 ـ نهضة اقتصادية وتتناول ربط البلاد المستقلة بمعاهدات تجارية واقتصادية واتحاد جمركي أو ما يشبه.

4 ـ نهضة لإحياء العلوم والمعارف الشرقية وبخاصة الإسلامية, وهذه تتناول جميع الدول الشرقية.

ومن المفيد -كما يقول د.السنهوري- أن يبدأ في تولي هذه النهضات جمعيات مؤسسة على مجهودات الأفراد, فإن كل عمل من هذا القبيل يبدأ دائماً بمجهودات أفراد قبل أن تفكر فيه الحكومات, والواقع أن الأفراد هم الذين يؤسسون الجمعيات, وهذه هي التي تدرس الخطوات العملية للوصول إلى أغراضها, وتأتي الحكومات من بعد ذلك وتأخذ بالنتائج التي وصلت إليها الجمعيات, وأرى أن هذه الجمعيات يجب أن تتعدد بتعدد الأغراض.

جمعية عامة
ويرى الدكتور السنهوري في مشروعه الفكري أن الإسلام يحوي مبدأين يجعلانه سياجا لجمعية أمم عامة لا يتطرق إليها الضعف, الأول: المساواة بين الشعوب والأفراد, فليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى. والثاني: المناداة بأن الإسلام مفتوح لجميع البشر وأنه دين الإنسانية جمعاء.

لقد كان الإسلام في رأي السنهوري باشا منهاجاً شاملاً للحياة, فهو دين ودولة وشريعته فقه وقانون, كما هو عبادات وقيم وأخلاق, وهو أيضاً مدنية وحضارة لكل شعوب الشرق, التي غلب الإسلام على عقائد أكثريتها, وصبغ ثقافتها ومدنيتها وحضارتها, ولأن الإسلام مدنية أيضاً لكل شعوب الشرق, فهو مشروع وصيغة وجامع نهضة لكل هذه الشعوب, وهناك رأي يقول إن على مصر أن تنظر إلى المدنيات الغربية فتختار من كلٍ أحسنه, وأرى أن أكبر ضعف في هذا الرأي أنه ينسى أن مصر لها مدنية أصيلة, وحاجتها الآن هي جعل هذه المدنية ملائمة للعصر الحاضر, وليست مصر الدولة الطفيلية الحديثة التي ترقع لها ثوباً من فضلات الأقمشة التي يلقيها الخياطون!

"
عفلق: العرب لا تعرف غير لغة القومية, وكما استجابوا في الماضي لنداء الدين, فاستطاعوا أن يحققوا الإصلاح الاجتماعي, فإنهم يستطيعون اليوم تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين والحرية بالإيمان القومي وحده
"
ميشيل عفلق
أما الدراسة الثالثة والأخيرة فقد تناول فيها الدكتور محمد عمارة واحداً من أبرز دعاة القومية العربية هو ميشيل عفلق (1901-1989) مؤسس ومنظر حزب البعث, الذي كان يرى القضية القومية هي ميدان اهتمامه الأول, بل وزاوية الرؤية التي رأى من خلالها كل شيء, وكان يرى في مرحلة ما قبل السبعينيات من القرن العشرين أن "المحرك الأساسي للعرب هو القومية, التي هي كلمة السر التي تستطيع وحدها أن تحرك أوتار قلوبهم, وتنفذ إلى أعماق نفوسهم, وتتجاوب مع حاجاتهم الحقيقية الأصيلة.

لذلك لا يمكن أن يفهموا لغة غير لغة القومية, وكما استجابوا في الماضي لنداء الدين, فاستطاعوا أن يحققوا الإصلاح الاجتماعي, فإنهم يستطيعون اليوم تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين وضمان الحرية بين العرب جميعاً, نتيجة الإيمان القومي وحده".

ويفرق المؤلف بين رؤية ميشيل عفلق في مرحلة ما قبل السبعينيات وبين المرحلة التي تلتها حتى وفاته, ففي المرحلة الأولى يقول عفلق "إن البعث العربي حركة قومية تتوجه إلى العرب كافة على اختلاف أديانهم ومذاهبهم, وتقدس حرية الاعتقاد, وتنظر إلى الأديان نظرة مساواة في التقديس والاحترام, ولكنها ترى إلى جانب ذلك في الإسلام ناحية قومية, لها مكانتها الخطيرة في تكوين التاريخ العربي والقومية العربية, وتعتبر هذه الناحية ذات صلة وثيقة بتراث العرب الروحي وبمميزات عبقريتهم".

رؤية جديدة
فموقف عفلق هنا -كما يقول المؤلف- هو الموقف الانتقائي, الذي يستدعي من الإسلام ناحيته القومية دون غيرها, لكن هذه الصورة التي وقف عندها قراؤه ودارسوه من القوميين والإسلاميين على السواء, بل واستقرت في الفكر البعثي بوجه عام, تغيرت بعد ذلك فيما يسمى بـ "الحقبة العراقية" عندما تفرغ للفكر على مدى 15 عاماً, ولم يبق له من العمل الحزبي سوى لقب الأمين العام للقيادة القومية لحزب البعث.

وشرع الرجل يلقي الأضواء على الدور المحوري والمصيري لاكتشافه الإسلام, وخصوصية العلاقة بينه وبين العروبة, وتأثير هذا الاكتشاف في تميز صيغة البعث عن الصيغ التي كانت سائدة في ساحة الفكر والسياسة العربية في الأربعينيات.. صيغ القومية المجردة من الدين, كرد فعل ضد هيمنة الدولة العثمانية على العالم العربي, أو تقليداً للقوميات الغربية اللادينية.

يقول ميشيل عفلق إن الإسلام "هو الذي حفظ العروبة وشخصية الأمة في وقت التمزق والضياع وتشتت الدولة العربية إلى طوائف وممالك ودويلات عدة متناحرة, وكان مرادفاً للوطنية وللدفاع عن الأرض والسيادة, والداعي إلى الجهاد أمام العدوان والغزو الأجنبي, وسيبقى دوماً قوة أساسية محركة للنضال الوطني والقومي, وهو الذي خرجت من صلبه ومن حركة التطور التاريخي فكرة القومية العربية بمفهومها الإنساني السمح".

"
عفلق: الإسلام "هو الذي حفظ العروبة وشخصية الأمة في وقت التمزق والضياع وتشتت الدولة العربية إلى طوائف وممالك ودويلات عدة متناحرة, وكان مرادفاً للوطنية وللدفاع عن الأرض والسيادة, والداعي إلى الجهاد "

"إن الإسلام هو العامل الصميمي المندمج في نسيج الأمة وفي تاريخها وفي حياتها اليومية.. ولا يصح تناول الإسلام من الموقع الحيادي النظري السياسي, والشيء الطبيعي هو أن يكون انفتاح التيار القومي على الإسلام, موقفاً فيه الحرارة والحنين والغيرة والحرص والاعتراف بالفضل, وبما يشكله الإسلام من ضمانة مصيرية لقوميتنا ولمستقبلنا كأمة.. ومن هذا المنطلق يستطيع التيار القومي أن يحاور التيار الديني المتجرد الوطني حوار الحب والعقل.." وهذا جزء من خطاب عفلق في أبريل/نيسان 1988 بعنوان نداء إلى الأمة.

ويقول المؤلف إن ميشيل عفلق حدد في هذا الخطاب مكانة الإسلام المرجعية في المشروع النهضوي, وانتهى إلى دعوة التيار القومي إلى الانفتاح على الإسلام وإلى الحوار مع التيار الديني, حوار الحب والعقل, وهي نفس الرسالة التي يوجهها الدكتور محمد عمارة إلى التيار القومي, وأيضاً إلى التيار الإسلامي الذي وقفت تصوراته للفكر القومي وتياره ومشروعه النهضوي عند الصفحات الأولى التي لم تنضج فيها الرؤية القومية للإسلام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك