عرض/ منتصر حمادة
ينفرد كتاب "مستقبل العمل" الذي شارك فيه ثلة من كبار الخبراء والأساتذة الجامعيين وأرباب العمل وصناع القرار تحت إشراف البروفيسور جاك أتالي في طرح جملة من الأسئلة الصعبة التي تتمحور على صيغ ونماذج العمل المستقبلية. 

فهو يطرح تطور آفاق العمل في الألفية الثالثة وأي مهن سيزاول تلامذة ثانوية اليوم في أفق 2050؟ وهل سيقبلون مزاولتها؟ ولأي مهن يجب إعدادهم؟ ووفق أي تكنولوجيا؟ وفي أي شركات؟ وخلال كم من الوقت؟ ثم ضمن أي قواعد؟ وفي ظل أي قانون عمل؟ هل سيكون عدد الرجال الآليين أكثر من العمال، أم كلاهما سيوجدان معا؟ هل نتجه إلى مجتمع الخدمات أم إلى مجتمع فائق التصنيع؟ وكيف تؤثر العولمة وما ينتج عنها من نقل لمراكز الإنتاج على طبيعة المهن والعائدات ومشقة العمل؟

- الكتاب: مستقبل العمل
- المؤلف: البروفيسور جاك أتالي
- المترجم: د. حسن مصدق
- عدد الصفحات: 121
- الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون. بيروت
- الطبعة: الأولى 2008
كما يتساءل عن كيفية تطور الحركة النقابية؟ وما هي تداعيات الحراك الاجتماعي على مدة العمل وشروطه وحماية العاطلين؟ هل سنواجه عدم استقرار أو حماية أكبر في العلم؟ هل سنستطيع إقناع الشباب بمزاولة مهن ستكون ضرورية؟ هل سيتطور العمل المؤقت؟ وأخيرا، هل ستختفي البطالة؟


ميزة الكتاب الذي يعمل على تحرير بعض الإجابات على أسئلة كهذه، أنه أشرف عليه جاك أتالي المعروف بكتاباته المستقبلية، وأبحاثه المبنية على معطيات واستلهامات جعلته يصبح من ضمن الخبراء الدوليين الكبار، وتتسابق دور النشر العالمية على ترجمة كل ما يُنشر له، من كتب ودراسات.

وبالرجوع إلى مقدمة المترجم، تتضح معالم الرؤية الفكرية التي يعتمدها جاك أتالي في بحثه، حيث نقف على تفاصيلها الدقيقة وخيوطها العلمية الرفيعة، إذ أفرد المترجم مقدمة تبرز مجمل القوالب العلمية والأسس الفكرية التي ينطلق منها جاك أتالي في تسطير الأهداف التي يتوخاها في بحثه، فضلا عن تداعيات تكنولوجيا المعلومات والتواصل على الذهن والسلوك من ناحية، كما العقول والجيوب من ناحية أخرى.

المستهلك سيد الاقتصاد
يشدد المؤلف على أن بداية الرحلة الطويلة تكمن في المراهنة على الموارد البشرية وتأهيلها التأهيل اللازم، وفتح إمكانية التكوين المستمر أمام عموم المواطنين، بحيث يرى أن مجتمع اقتصاد المعرفة لا مكان فيه لمن لم يأخذ بسلاح العلم وناصيته.

فتحقيق الثروة والقوة -كما يقول المترجم في مقدمته- مرتبطان أشد الارتباط في عالم الغد، بحيث أن كسب الرهان يبدأ من المراهنة على تنمية قدرات البشر الذهنية والمعرفية.

ومن ثم يعرج جاك أتالي على ضرورة رفع تحديات على جانب كبير من الخطورة، بحيث إن عدم توطين الشركات في بلدانها الأصلية وانتقالها من بلد إلى آخر بحثا عن الربح بسبب العولمة وتكنولوجيا المعلومات والتواصل، يجعلها قادرة على نقل أعمالها وأموالها إلى بلدان تكون فيها تكاليف العمالة والمهارات الفنية والتقنية أقل وأدنى، نظرا لعدم وجود اتحادات ونقابات مهنية قوية، الأمر الذي يشكل ضغطا على الأجور وإضعافا لقدرة العمال الشرائية في البلدان السائرة في طريق النمو، بينما غالبا ما ينجم عن ذلك في البلدان المتقدمة تقليص للموارد الحكومية الضرورية لدعم برامج الرخاء والضمان الاجتماعي التي تزداد صعوبة وتتراجع عما كانت عليه.

من المتوقع أيضا أن يصبح المستهلكون مع الممولين، سادة التطور الاقتصادي، وسيضعون مصالحهم قبل مصالح العمال، وسيلعبون دورا متزايدا في تصور الأغراض المصنعة بتدفق ممتد وبوتيرة متواصلة ووفق مقاييس محددة، كي تكون في متناول بعض المستهلكين الذين سيشتتون قدراتهم الشرائية لتلبية رغبات متنوعة جدا، مع إقرار مثير مفاده أنه سيكون من الصعوبة التمييز بين العمل والاستهلاك والتسلية والتأهيل، إذ سنعمل ونحن نستهلك ونلعب ونحن نتدرب، كما سنُؤهَّل ونحن نعمل ونستهلك، وسيزيد تعميم استخدام الرجل الآلي من حدة هذا الغموض.

"
سيشهد المستقبل تعميم استخدام الإنسان الآلي في جميع مصانع العالم، مُلغيا بذلك ملايين الوظائف، وسيكون هؤلاء الرجال الآليون غاية في الصغر ويتمكنون من أداء مهام دقيقة ومتطورة
"
تعميم استخدام الإنسان الآلي
حظيت الإشارات بالأدوار المستقبلية للرجل الآلي بتركيز لافت في الكتاب، وفي أكثر من مقام، نذكر منها التأكيد على تعميم استخدام الإنسان الآلي في جميع مصانع العالم في السنوات القادمة، مُلغيا بذلك ملايين الوظائف، وسيكون هؤلاء الرجال الآليون غاية في الصغر ويتمكنون من أداء مهام دقيقة ويساعد على ذلك تزودهم بأياد صناعية ذات مفاصل كامتداد للأذرع الصناعية الحالية، كما ستجهز بمزيد من الذكاء الاصطناعي لتتمكن من تأدية مهام متطورة جدا وأكثر دقة، كالتوجيه والتعرف بصريا على البضائع ومعالجتها بغرض الإحصاء أو قراءة الأرقام المتسلسلة للمنتجات.

وسيتم أيضا استعمال رجال آليين في الخدمات كي يحلوا محل الموظفين أو العاملين في الخدمات الخاصة. إذ بدأ العمل بها في كوريا، حيث توظف مصلحة البريد عددا منها من أجل استقبال الزبائن وتقديم المعلومات لهم وتوجيههم في مسعاهم، مثلما تستخدم وقت الضرورة في تسليتهم.

وهناك العديد من المصارف التي ستستبدل العاملين بالآلات في الأسواق التجارية، مغلقة بذلك عددا كبيرا من فروعها. وأخيرا، سنشهد أيضا ظهور كثير من الرجال الآليين في إدارة الصحة (على شكل أجهزة إصلاح الأعطاب والتلف اللذين قد يصيبا أعضاء الجسم) وفي مجال الأمن (على شكل رجال آليين للمراقبة)، وفي مجال التسلية (على شكل رفيق لعب، حقيقيا كان أم افتراضيا).

وهناك "مشروع خدمات الرجل الآلي الذكي" التابع لوزارة الإعلام والاتصالات الكورية، عازم على تجهيز كل بيت برجل آلي منزلي في غضون 2020، أما اليابان، فقد بدأ بالفعل بعض الرجال الآليين العمل كموظفي استقبال في مستشفيات، يقومون باستقبال الزوار والإجابة على أسئلتهم وحمل حقائبهم وتوجيههم في ردهات المستشفى.

مِهَن العالم الافتراضي
إذا كان العالم الافتراضي فضاء للتسلية، فإنه سيصبح غدا حقلا هائلا لفرص العمل، بحيث يجد فيه العمال مجالا للفعل، وسيعمل فيه الملايين من العمال الافتراضيين لصالح شركات حقيقية وافتراضية، ويتبادل اليوم، ما يقارب ستة ملايين مشترك سنويا مليون دولار تقريبا عبر لعبة "الحياة الثانية" والتي يسترزق منها أكثر من ألف شخص، حتى إن البعض منهم غادر عمله الرئيسي كي يتفرغ للعمل الافتراضي.

وتقوم سيدة من أصل صيني معروفة باسم أتشي تشونغ، وهي شخصيتها الافتراضية، بالترويج العقاري لأراض افتراضية، وتضم شركتها الواقعة في الصين، عشرين موظفا يخططون ويروجون منازل افتراضية تُؤجّر أو تُباع إلى سكان "الحياة الثانية" محققة بذلك ارتفاعا قدره 10% في أنشطتها كل شهر.

وإجمالا، ستكون قابلية نمو هذه المهن الافتراضية مهولة جدا (وستتوسع رقعة أراضي "الحياة الثانية"، التي تعادل اليوم مساحة دولة لوكسمبورغ، إلى ما لا نهاية) كما سيشهد تدخل الحقل الافتراضي ظهور أنشطة أكثر قربا من الواقع كمحاكاة التدفق العمراني والحروب وقولبة النتائج السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإنتاج الافتراضي للسلع -الواقعية أو الافتراضية- المستهلكة في العالم.

من بين النقاط التي من المفترض أن تثير الرعب لدى ممثلي النقابات العمالية، التأكيد على تضاؤل قدرة العمال وممثليهم النقابيين على التفاوض جراء تحرير الأسواق المالية وحركة رؤوس الأموال وتفتت عمليات الإنتاج إلى وحدات صغيرة مبعثرة جغرافيا، حيث سيفقد معه الأُجراء كل شعور بالانتماء وسيعتبرون أنفسهم مجرد خبراء فرديين مفوضين في كل حالة على حدة، وهنا بالذات، ستفقد الأمانة كل معانيها.

"
إذا كانت الإنسانية جديرة بأن تضع الحماية الضرورية للأكثر فقرا في الجنوب ولسكان الشمال، فسيدخل العالم في حقبة من النمو المذهل، لكن على العكس من ذلك، إذا رأينا بروز "عدم استقرار مزمن" فإن العبودية تنتظرنا بجميع أشكالها
"
نبوءة جورج أورويل
فيما يشبه الانتصار لتنبؤات جورج أورويل في رائعته الشهيرة "مزرعة الحيوان" تخلص أطروحات الكتاب القيّم، إلى أن مؤسسات التأمين لن تفرض على زبائنها دفع الأقساط المستحقة عليهم فحسب، بل ستتحقق أيضا من توافقهم مع بعض المعايير في عملهم وفي تسليتهم، من أجل التقليل من المخاطر التي تتكفل بتغطيتها.

فالجهل والمجازفة بالتعرض للأخطار والتبذير والوهن ستعتبر بمثابة أعراض مرضية، فيما يجب على الشركات من جهتها، الإذعان لبعض المعايير كي تُخفّف من مخاطر الكوارث الصناعية وحوادث العمل أو الاعتداءات الخارجية وتبذير الموارد الحقيقية.

بالنسبة لمأزق الفوارق في الأجور بين كبار المديرين وبقية الأجراء، فسوف تستمر في الارتفاع مجددا، (بينما كان مديرو أكبر مائة مدير شركة أميركية يتقاضون في عام 1970 راتبا -في المتوسط- أكبر بـ39 مرة من متوسط الراتب الوطني العادي، تضاعف اليوم بمعدل ألف مرة).

أما الشركات والعمال على حد سواء، فسيصبحون أكثر مرونة وترحالا وعدم استقرار، إذ إنه في العديد من الحالات، ستُفوض العديد من الشركات مهام ممارسة ما كانت تقوم به داخليا إلى مستشارين يُقيمون في مكاتبهم الخاصة، ذلك أن أُجراء الشركات سيتم اعتبارهم أكثر من أي وقت مضى، مجرد عمال مستقلين يعملون كمستشارين، فيما يُعتبر تحصيل حاصل للتطبيقات الميدانية التي تسطرها سُنن العولمة.

وحينما تنتهي هذه الأخيرة من فرض قانون السوق وإضعاف دور الدول، فستعرف خدمات التعليم العام والوقاية والأمن، ثم قطاعات العدالة والسيادة منافسة من قبل الشركات الخاصة. مما سيجبر الدول على أن تتعامل مع سلسلة العيادات الأجنبية كما تتعامل مع المستشفيات العامة، هذا إن لم تتعامل كذلك مع فروع الجامعات الخاصة الأجنبية كالجامعات الوطنية.

نختتم هذا العرض بما جاء في زبدة العمل، حيث وضع أتالي القارئ والعالم وصناع القرار على الخصوص في مخرجين اثنين، فإذا كانت الإنسانية جديرة بأن تضع الحماية الضرورية للأكثر فقرا في الجنوب ولسكان الشمال، فسيدخل العالم في حقبة من النمو المذهل، لكن على العكس من ذلك، إذا رأينا بروز "عدم استقرار مزمن" بطريقة أو بأخرى، فإن العبودية تنتظرنا بجميع أشكالها، حتى في وجهها الأفظع وهو الحرب، بمعنى أن عمل الغد عند شريحة واسعة من البشر سيقتصر على الأنشطة المتسببة في الدمار، مثلما كان عليه الأمر طيلة القرن العشرين.

وبالطبع، إذا نجحت البشرية في تجنب هذا السيناريو الكارثي، فإن المسؤولية الجماعية للبشر ستقتصر على تحضير وإعداد الأجيال القادمة من أجل شَغْل وظائف ما زالت غير موجودة حتى في مخيلتنا، سيُنجبون ويُكونون باحثين قادرين على اكتشاف ابتكارات تنبثق منها تطبيقات تجعل ظهور مثل هذه الوظائف ضروريا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك