سيدي محمود الهلال-الجزيرة نت
كتاب "أميركا والعالم" ليس كتابا بالمفهوم التقليدي، بل هو حوار في جلسات متعددة، عقدها الصحفي الأميركي المشهور ديفد إغناشيوس مع مفكرين أميركيين شغل كل منهما منصب مستشار الأمن القومي الأميركي في فترة من فتراته هما زبغنيو بريجنسكي وبرنت سكاوكروفت.

وهذا الكتاب الذي يأتي في ثمانية فصول ليس كما يوهم به العنوان مقارنة بين أميركا والعالم، وإنما هو تفكير متأن في (مستقبل أميركا)، ومحاولة رصينة لفهم الأخطاء التي وقعت فيها والبحث عن إصلاح ما فسد بسببها، مع التركيز على سبل الحفاظ على هيمنة أميركية على عالم لم تعد أحادية القطب فيه ممكنة كما كانت في يوم من الأيام.

كيف وصلنا إلى ما نحن فيه؟

-الكتاب: أميركا والعالم
-المؤلف: زبغنيو بريجنسكي وبرنت سكاوكروفت
-الصفحات: 291
-الناشر: بيزيك بوكس، نيويورك
-الطبعة: الأولى/ 2008
بهذا السؤال بدأ الكتاب وانطلق من قول الرئيس الأميركي المنصرف جورج بوش الابن إن الحرب على الإرهاب هي تحدي القرن الحادي والعشرين.

ورأى الرجلان في هذا القول نبرة غرور، ونفيا مقتضاه لأن الحرب على الإرهاب لن تكون حسب بريجنسكي هي تحدي القرن الحادي والعشرين، متوقعا أن يكون هذا التحدي مرتبطا بثلاثة أمور أو أحدها على الأقل، أولها عولمة الوعي إلى درجة جعلت كل إنسان في العالم ناشطا سياسيا، وثانيها تحول مركز القوة من المحيط الأطلسي إلى الشرق الأقصى، لا بمعنى سقوط الشرق، ولكن بمعنى فقده الهيمنة على العالم لأول مرة منذ 500 عام، أما ثالثها فهو فسيفساء المشاكل التي تؤرق العالم كالمناخ والبيئة والفقر وانتشار الظلم.

والصعوبة في التعامل مع هذه المشاكل بالنسبة لأميركا حسب رؤية رجلين عاشا حياتيهما مركزين كل اهتمامها على الحرب الباردة، هي افتقاد أميركا ثقتها بنفسها التي كانت في نظرهما هي مفتاح النصر في الحرب الباردة، مما جعل ثقافة الخوف هي السائدة في أميركا اليوم.

ويرد الكتاب بعض أسباب هذا الحال الذي تردت فيه أميركا إلى لحظة انتهاء الحرب الباردة، إذ شكلت بالنسبة لها انقطاعا مفاجئا فقدت عنده الشيء الذي كانت تركز عليه عدستها، فإذا بها ترى فسيفساء من المشاكل الصغيرة المتفرقة، فاضطرت إلى التعامل معها بأدوات الحرب الباردة.

واتفق الرجلان على أن كل الأسباب التي يمكن أن يذكراها لا تعني شيئا بالنسبة للحظة تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 وما تلاها من ردود فعل منفعلة.

وتوقفا عند ردود الفعل تلك طويلا متخيلين بكل تفاؤل كيف كان العالم سيكون لو لم تكن ردود الفعل بتلك الطريقة، ولو أن حرب العراق لم تقع.

العراق.. الحوار
وخلص الرجلان إلى أن تحول أميركا من صلب الحرب على الإرهاب إلى فكرة احتلال العراق -التي وقفا ضدها كلاهما على اختلاف انتماءاتهما الحزبية- كان تحولا حاسما فيما صارت إليه أميركا اليوم من الضعف ومن المشاكل، خاصة حينما ذهبت إلى الحرب وحدها ضد نصيحتهما.

ولئن اتفق الرجلان على ضرورة أن تخرج أميركا من العراق في وقت سريع بالنسبة للديمقراطي بريجنسكي وطويل بالنسبة للجمهوري سكاوكروفت، فإنهما لم يتفقا على أن وجود القوات الأميركية اليوم جزء من المشكلة التي يعاني منها العراق.

ومع ذلك اتفقا على أن انسحابا سريعا من العراق يمكن أن يؤدي إلى شبه حرب أهلية مراكز القوة فيها معروفة سلفا، السنة هم حلقتها الأضعف، متصورين أن إدراك السنة لحقيقة ضعفهم سيجعلهم بعد معارك قليلة يرضون بوضعهم ويبدؤون بالتكيف مع العراق الجديد.

ومع أن ما يهم الرجلين في النهاية هو عراق موحد كما يقولان، فإنهما تخيلا أن السنة الذين تقف وراءهم الأموال العربية يمكن أن يجعلوا الحرب الأهلية طويلة الأمد، خاصة إذا ما خرج الأكراد من الصراع واكتفوا بدولتهم القائمة.

"
ينصح الكاتبان الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما بأن ينخرط في حوار مع العراقيين وحكومتهم حول مستقبلهم كدولة مستقلة لا يثقلها وجود جيش أميركي ضخم على أرضها، دون أن يعطيهم دروسا ودون أن يهددهم بسحب القوات
"
وينصح الرجلان الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما بأن ينخرط في حوار مع العراقيين وحكومتهم حول مستقبلهم كدولة مستقلة لا يثقلها وجود جيش أميركي ضخم على أرضها، دون أن يعطيهم دروسا ودون أن يهددهم بسحب القوات.

وذهبا إلى أن على أوباما أن يضع جدولا قبل الحوار بسحب الجنود حتى يتأكد العراقيون من جديته، مؤكدين أنه ليس من الأخلاق أن تقول أميركا بين عشية وضحاها للعراقيين نحن ذاهبون فتحملوا مسؤولياتكم، متناسية أنها السبب في كثير من معاناتهم.

وفي سؤال عن ما يردان به على الرئيس المنصرم إذا هو استدعاهما ليسألهما هل كانت الحرب على العراق خطأ رد أحدهما بأن الحكم في ذلك أصبح للمؤرخين، ورأى الثاني أنها أصبحت واقعا ينبغي أن تستفيد منه أميركا، مختتما بأنه سيشكر الرئيس على أنه ذهب دون أن يضيف حربا مع إيران إلى تلك الحرب.

إيران.. وضرورة الحوار
وبما أن كل حديث عن العراق يقود في النهاية إلى إيران ولج الرجلان الموضوع الإيراني متحدثين عن ما ينبغي أن يكون عليه التعامل مع ذلك البلد الذي مدحا تاريخه كثيرا.

وبدا الحديث بأن إيران بدأت تشعر بأن لحظتها التاريخية قد حانت وبدأت تتوق إلى دور إقليمي مهم بسبب أن حرب أميركا على الإرهاب في أفغانستان وحربها على العراق أزالتا أعداء إيران المجاورين.

وأشار بريجنسكي إلى أن تعامل أميركا مع إيران ما بعد الثورة طغت عليه العاطفة، منتهيا إلى أن على أميركا اليوم أن تتفهم موقع إيران التي تعيش في منطقة خطرة بوصفها دولة شيعية في وسط سنية وبوصفها دولة فارسية في محيط عربي.

ورأيا في هذا الوضع تشابها بين وضع إيران وإسرائيل، وتوصلا إلى أن العداء الظاهر بينهما يخفي كونهما حليفين طبيعيين في منطقة القاعدة فيها أن الجار عدو، وأن عدو جارك صديقك، مستطردين في هذا السياق بما قامت به إسرائيل من مد إيران بقطع الغيار العسكرية أيام حرب العراق مع إيران دون إذن من أميركا.

وما على أميركا أن تقوم به هو أن تقود إيران عبر حوار إقليمي إلى أن تكون جزءا من نظام إقليمي تشعر فيه بالأمان، دون أن تكون بحاجة إلى سلاح نووي لحماية نفسها.

"
على أميركا أن تقود إيران عبر حوار إقليمي إلى أن تكون جزءا من نظام إقليمي تشعر فيه بالأمان، دون أن تكون بحاجة إلى سلاح نووي لحماية نفسها
"
ورغم أن حل مشكلة الملف النووي الإيراني عسكريا لا تبدو مقبولة لدى الكاتبين فإنهما يريان أن وصول إيران إلى السلاح النووي أمر غير مقبول.

ولئن اعترفا بأن إيران لها الحق في تخصيب اليورانيوم، فإنهما رأيا أن ذلك ينبغي منعه حتى لا يفتح ذلك الباب أمام دول أخرى تطالب بهذا الحق كمصر والسعودية.

وانتهيا إلى اقتراح صيغة تقوم بموجبها الدول النووية بإنتاج وقود مخصب بسعر أقل مما يمكن أن تنتجه به الدول الراغبة في إنتاجه، وتشرف على بيعه واسترجاعه بعد الاستعمال الوكالة الدولية للطاقة النووية.

ولخص الكاتبان نصيحتهما للرئيس الأميركي الجديد بشأن إيران بأن عليه أن يتخذ دبلوماسية متطورة جدا وذكية جدا وحذرة جدا وفاهمة لكل جوانب المشكل الإيراني، وأن يتعامل مع هذا الملف بتؤدة لأن الوقت غير ضاغط، وإمكانيات النجاح قائمة.

مشكلة تنتظر الحل
كانت القضية الفلسطينية محطة مهمة من الكتاب لأن الكاتبين عايشا هذه القضية، وكل منهما حقق ما يسميه اختراقا بشأنها، الأول أشرف على مفاوضات كامب ديفد بين مصر وإسرائيل والثاني أشرف على مؤتمر مدريد.

وقد قال بريجنسكي إن القضية الفلسطينية الإسرائيلية عميقة جدا، وكبيرة جدا، وعاطفية جدا، ومتجذرة في أعماق الطرفين وجدانيا إلى درجة أنهما لا يمكن أن يجدا لها حلا عبر مفاوضات بينهما وحدهما، إلا أن أميركا يمكن أن تحلها.

وعلى ذلك يمكن أن تقدم أميركا مقترحا يضع في الاعتبار المصالح الحيوية لكل طرف، وتتحلى بالحياد ثم تقف وراء مقترحها باعتباره إلزاميا وتترك للطرفين تفاصيل باقي الحل.

وقدم بريجنسكي مقترحا من أربع نقاط على أساسه ينسى الفلسطينيون حق العودة إلى الأبد، ويقبل الإسرائيليون بالقدس عاصمة للبلدين، ثم الرجوع إلى حدود 1967، مع إمكان تبادل بعض الأراضي بين الطرفين حسب التراضي، ثم إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح.

وأوضح الكاتبان أن الوقت مناسب جدا، وحلما بمستقبل زاهر لمنطقة الشرق الأوسط في ظل هذا السلام الذي يصفانه، نتيجة تعاون يقدم فيه الإسرائيليون تكنولوجيتهم والعرب أموالهم في وئام دائم.

"
بريجنسكي قدم مقترحا من أربع نقاط على أساسه ينسى الفلسطينيون حق العودة إلى الأبد، ويقبل الإسرائيليون بالقدس عاصمة للبلدين، ثم الرجوع إلى حدود 1967، مع إمكان تبادل بعض الأراضي بين الطرفين حسب التراضي، ثم إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح
"
وبهذا السلام تكون أميركا قد برأت ذمتها الأخلاقية من الظلم الذي لحق بأجيال من اللاجئين الفلسطينيين، ومسحت ما علق بنفوس العرب جراء دعمها الدائم لإسرائيل وحربها على العراق.

ولم ير الكاتبان أفضل من هذا السلام تحسينا لصورة أميركا في العالم العربي، ولا أفضل منه لحل باقي مشاكل المنطقة، خاصة أن وصفة الديمقراطية كانت مزعجة عندما جاءت بحماس، وستكون أكثر إزعاجا لو رفعت صور بن لادن مرشحا ضد شخص من العائلة المالكة في السعودية.

إذا أضيف إلى هذا السلام اتفاق بين سوريا وإسرائيل، -وهو أمر اعتباراه سهلا لما يعلمانه كما قالا من جاهزية سوريا له دون قيد ولا شرط- فإن باقي المشاكل ستنحل تلقائيا، كحماس وسلاح حزب الله والعلاقات الإيرانية السورية.

وانتهى الكاتبان بعد تحليل عميق لإستراتيجية "القاعدة" التي تقوم على أن أميركا كلما زاد انتشار جيشها في البلاد الإسلامية، زاد حنق المسلمين عليها وساهمت في تدمير نفسها، إلى أن حل قضية الشرق الأوسط هو مفتاح كل نجاح لسياسة بلادهم في هذه المنطقة.

باكستان.. ضرورة التعاون
مشكلة أخرى لم تحل، هي باكستان عرج عليها الكاتبان، فوصل بهما التحليل إلى أن هذا البلد ظل يراوح بين فترات حكم مدنية فاسدة وأخرى عسكرية غير ديمقراطية.

ونبها إلى أن تخلي الولايات المتحدة عن باكستان بعد حربها الثانية مع الهند لم يكن حكيما، خاصة أنه رافقته عقوبات أضرت كثيرا بباكستان، ولكنهما في نفس الوقت أبديا تخوفهما من مآلات أي تدخل في الشؤون الباكستانية الداخلية.

وانتهى الحوار بالباحثين إلى ضرورة أن يكون هناك تعاون ما مع باكستان، خاصة أن النخبة العسكرية هناك مستعدة لذلك، على أن يكون هذا التعاون غير علني، وأن تتوقف أميركا عن إعطاء الدروس في الديمقراطية لباكستان.

الصين والشرق الأقصى
أصبح عقيدة لدى كثير من الأميركيين أن تحدي القرن الحادي والعشرين هو ضم الصين الصاعدة إلى فلك العولمة بطريقة تجعلها عامل استقرار وتماسك في ذلك النظام العالمي.

وذهب التحليل بالخبيرين إلى أن الصين اليوم بلد صناعي وتجاري بحاجة إلى المواد الأولية وإلى أسواق لتصريف مواده التجارية، وأنه بذلك تكون الصين مثل أميركا تبحث عن عالم مستقر.

ومدح الكاتبان التعاون الصيني مع أميركا في إسقاط روسيا أيام الحرب الباردة، وفي طردها من أفغانستان، بصورة خفية، كما مدحا تعاونها معها في الملف النووي الكوري الشمالي.

"
مدح الكاتبان التعاون الصيني مع أميركا في كثير من القضايا, ويريان أن الصين اليوم بلد صناعي وتجاري بحاجة إلى المواد الأولية وإلى أسواق لتصريف مواده التجارية، وبذلك تكون الصين مثل أميركا تبحث عن عالم مستقر
"
وفي القوس الذي فتحاه لكوريا الشمالية ودور الصين الرائد فيه والضروري، اتفقا على أن على الرئيس الأميركي الجديد متابعة ذلك الملف حتى تفكيك السلاح الكوري، مقللين مع ذلك من أهمية ذلك السلاح لفشل معظم تجاربه ورداءة نوعه.

ولاحظ الكاتبان أن الصين كما هي اليوم يمكن أن تستقطب بالتجارة والثقافة تايوان وربما سنغافورة بعد هونغ كونغ، فتصبح بالتدريج قوة عظمى في شرق آسيا، مما يعني حتميا تناقص النفوذ الأميركي هناك.

ورغم أن الصين قوة عظمى لن تؤدي حسب رأيهما إلى حرب، فإن على أميركا أن تتصرف بذكاء، كي تحافظ على مصالحها، مما يعني أن علاقاتها مع اليابان ستكون بالغة الأهمية.

ورأيا أن تلك العلاقات تقوم بالدرجة الأولى على إبعاد شعور الغيرة وعدم الأمان الذي أحست به اليابان بسبب اهتمام أميركا البالغ بالصين، ووضع الثقة محلها، مؤكدين أن ذلك تم منه الكثير، وأن الصين هي أفضل شركاء أميركا على القارة الآسيوية، وأن اليابان هي أفضل شركائها في المحيط الهادي.

بلد صعب المراس
أبدى الكاتبان تخوفهما من العلاقات التي عقدتها إدارة بوش مع الهند، واعتبرتها اختراقا دبلوماسيا، مؤكدين أن الهند بلد صعب المراس، لم يساعد أميركا أيام الحرب الباردة ولا في أفغانستان، ولن يساعدها في المستقبل.

وقد رأيا أن الاتفاق النووي الذي وقعته واشنطن مع دلهي كان خطأ لأنه أعطى مشروعية لبرنامج الهند النووي غير المراقب، ولأنه سيشجع الدول على عدم التوقيع على اتفاقية عدم انتشار الأسلحة النووية، ولأنه –وهذا هو الأخطر- يضعف مصداقية أميركا في حربها على انتشار السلاح النووي.

وبحث الكاتبان عن تفسير لتسرع أميركا واندفاعها إلى إقامة علاقات مع الهند، فخمنا أنها قد تكون بسبب سابق الحلف بين الهند والاتحاد السوفياتي، أو بسبب ما يمكن أن تقدمه الهند من توازن مع الصين، أو بسبب عداء الهند للمسلمين. أو ربما بسبب آخر.

ولاحظ الكاتبان في خلال حديثهما عن الشرق الأقصى بمرارة أن حياة أميركا أصبحت مرهونة اليوم بهذه المنطقة بسبب الديون، وخلصا إلى أن الرئيس الأميركي الجديد يجب أن يضع برنامجا تثقيفيا للشعب الأميركي الذي يعيش في شبه نيرفانا، ولا يفهم أن العلاقات الاقتصادية والمالية والتجارية والسياسية في العالم قد تغيرت، حتى أصبحت أميركا تدين للصين.

روسيا.. حدود غير طبيعية
عندما وصل الكاتبان إلى روسيا في حديثهما توقفا طويلا واشتد الخلاف بينهما، خاصة عندما كان الحديث عن أسباب سقوط روسيا، لأن كلا منهما يدعي لنفسها يدا في ذلك وأثرا عظيما.

ومع ذلك اتفق الكاتبان على أن توقيت سقوط الاتحاد السوفياتي لا وقوعه فاجأ الأميركيين، كما اتفقا على الحكمة التي تعامل بها الرئيس الأميركي آنذاك مع الموضوع باعتماده شعار "لا غالب ولا مغلوب"، وإن انتقدا عدم اكتمال المهمة.

ومع أن الحديث عن روسيا كان عميقا ومتشعبا، وينضح بالشعور بالخوف من مستقبل هذا البلد وبالأمل في إقامة علاقة معه تقضي على مصادر هذا الخوف، فإن الكاتبين لم يرتاحا إلى الرئيس الروسي السابق فلاديمير بوتين، ولم يرتاحا إلى الحدود الروسية غير الثابتة وغير الرسمية حتى الآن مع كل الدول المنفصلة عن الاتحاد السوفياتي.

"
اتفق الكاتبان على أن توقيت سقوط الاتحاد السوفياتي لا وقوعه فاجأ الأميركيين، كما اتفقا على الحكمة التي تعامل بها الرئيس الأميركي آنذاك مع الموضوع باعتماده شعار "لا غالب ولا مغلوب"، وإن انتقدا عدم اكتمال المهمة
"
وتوقف الكاتبان عند الهوية الروسية غير المحددة حتى الآن ورأيا أن ما ستثبت عليه هو الذي سيحدد في النهاية علاقة روسيا بأميركا بل وبمحيطها كله.

وما ينصح به الكاتبان أميركا على تباين مواقفهما وتحليلهما هو أن توثق الصلات بجمهوريات وسط آسيا، مثمنين خط أنابيب باكو جيهان، وداعيين إلى توجيه خطوط الأنابيب من هذه الدول إلى المحيط الهندي عبر أفغانستان وباكستان.

ودعوا إلى ربط أوكرانيا وجيورجيا بأوروبا سواء تم ذلك عن طريق انضمامهما إلى الناتو أو إلى الاتحاد الأوروبي، مشيرين أن على أوروبا أن تتكفل بذلك لأنه الضمان الوحيد بأن توجه روسيا وجهها غربا، وألا تتقوى بهذين البلدين لإعادة بناء عالمها الخاص.

العلاقات الضرورية
لم يختلف المفكران على أن العلاقات الأميركية الأوروبية ضرورية بالنسبة لأميركا، ولكنهما نبها بلدهما إلى أن أوروبا تغيرت كثيرا، وأنها لم تعد أوروبا تلك التي تعرفها أميركا جيدا.

ورأيا أن أوروبا التي تريدها أميركا ينبغي أن تكون واسعة أكثر حتى تضم أوكرانيا وجيورجيا تنغيصا على الروس أو جلبا لهم، وحتى تضم تركيا خوفا من أن تنضم إلى منطقة الشرق الأوسط الخطرة.

وأوروبا هذه ينبغي أن تكون أيضا موحدة سياسيا أكثر حتى تشارك في القرار، وينبغي أن تهتم بميزانية دفاعها أكثر دون أن تخرج من الناتو.

وأفاض الكاتبان في تفصيل هذه الجوانب وشرحها، ولكنهما اختلفا في الطريق إليها، معتبرين أن الاتحاد الأوروبي عمل جبار فنيا ولكنه ضعيف إذا ما قورن باتحاد الولايات في أميركا، ورأيا أنه أقرب إلى منظمة متعددة الدول.

التحديات الكبرى
وعاد الحديث بعد أوروبا إلى بدايته، حين لاحظ الكاتبان أن العالم اليوم مختلف عن ما كان عليه، وعلى أميركا إذا هي أرادت قيادته أن تبدأ في تغيير أدواتها، ولغتها وألا تسقط في التعميم والديماغوجية، وأن تكون أكثر تواضعا.

وشخص الكاتبان التحديات التي يواجهها العالم في تحديين كبيرين، أولهما سماه الكتاب عولمة الوعي السياسي، وثانيهما سماه عولمة مشاكل البقاء على قيد الحياة.

أما الأول فقد حول الناس العاديين إلى ناشطين سياسيين يستقون معلوماتهم من الإنترنت بدون رقابة، مما زاد من عدم التسامح والحسد والأحقاد وعدم الصبر على الأحوال المعيشية الصعبة، وزاد من الهجرات.

"
العالم اليوم مختلف عن ما كان عليه، وعلى أميركا إذا هي أرادت قيادته أن تبدأ في تغيير أدواتها، ولغتها وألا تسقط في التعميم والديماغوجية، وأن تكون أكثر تواضعا
"
وأما الثاني فهو يشمل أزمة البيئة وتهديد عوامل الحياة بسبب التغير المناخي، إضافة إلى وجود مخزون هائل من الأسلحة المدمرة يستطيع الإنسان أن يدمر بها حياة العالم.

ولئن كان حكم مليون شخص أسهل من قتلهم في الماضي فإن قتل مليون شخص أصبح اليوم أسهل من حكم مليون من الناشطين السياسيين غير المستقلين بالنسبة للدول الوطنية التي هي أكبر من أن تتوقف عند حياة الفرد وأصغر من أن تواجه مشاكل الحياة الإنسانية.

ورأى الخبيران أن لا ضرورة للتمسك بالديمقراطية كشرط للتعامل، بل على أميركا أن تصطفي من العالم ما يتقاسم مع القيم والمصالح، كأوروبا بالدرجة الأولى، وكأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية على مستوى آخر، ثم روسيا والصين والهند والبرازيل على مستوى اقتصادي.

مائة يوم
ودخل الكاتبان في نقاش طويل حول الخطوات التي ينبغي أن يقوم بها الرئيس الأميركي الجديد في الأيام المائة الأولى من فترته الرئاسية، فدخلا في تفاصل الحياة الأميركية وضرورة إجراء بعض التعديل في النظام الإداري.

ومن أبرز ما اقترحاه إنشاء ثلاث مفوضيات جديدة، يترأس كلا منها مفوض برتبة وزير أو أعلى منها: الأولى تهتم بمشاكل البيئة والتغير المناخي وما يتعلق بهما، والثانية خاصة بالشرق الأوسط بما فيه إيران والعراق، أما الثالثة فهي خاصة بكيفية التعامل مع العلاقات الخارجية، أي كيف ينبغي أن نتعامل مع أوروبا وكيف يمكن أن ندمج اليابان وكوريا الجنوبية في حلف الناتو.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك