عرض/بدر محمد بدر
يشكل صدور هذا التقرير حدثا ثقافيا فريدا, بالغ الأهمية للمثقفين والإعلاميين والخبراء ورجال الفكر في الوطن العربي بشكل عام, ويزداد الاحتفاء به لكونه نتاج جهد علمي وفكري رفيع المستوى, مولته منظمة أهلية غير حكومية, بذلت جهدا كبيرا في تقديم هذا العمل الضخم.

-الكتاب: التقرير العربي الأول للتنمية الثقافية
-المؤلف: مجموعة باحثين
-
الناشر: مؤسسة الفكر العربي, لبنان
-
عدد الصفحات: 752
-
الطبعة: الأولى/ نوفمبر 2008
ويهدف التقرير -حسب معدّيه -إلى رصد وتحليل واقع التنمية الثقافية في الوطن العربي, والإسهام في إرساء وإعلاء قيم المعرفة والنقد والمراجعة وحوار الذات, التي منها ينطلق أي مشروع نهضوي عربي.

وقد اعتمد التقرير مفهوما "عمليا" في تعريف التنمية الثقافية, وهو "كل ما من شأنه أن يسهم في كل مجال من مجالات النشاط الإنساني في نشر قيم مجتمع المعرفة, وتحديد النظم والوسائل والأدوات الكفيلة باستنفار العقل العربي وتوظيف قواه الحية, والارتقاء بالوجدان العربي من ناحية أخرى"، وبعبارة مختصرة "تنمية العقل وتربية الوجدان".

ملفات خمسة
ويتكون التقرير من ملفات خمسة أساسية, يرى كاتبوه أنها تمثل مقومات التنمية الثقافية وهي: التعليم والإعلام (بتجلياته المقروءة والمرئية والرقمية) وحركة التأليف والنشر والإبداع (بتجلياتها في الأدب والسينما والمسرح والموسيقى والغناء), إضافة إلى العمل الثقافي على أرض الواقع, الذي تضطلع به مختلف المؤسسات المعنية.

في ملف التعليم أشار التقرير إلى عدد من نقاط الضعف منها أن متوسط معدل الالتحاق الصافي بالتعليم ما قبل الابتدائي في البلدان العربية مجتمعة يبلغ 22% في حين يبلغ 85% في اليابان, ويبلغ هذا المتوسط في المرحلة الابتدائية 84% وهو في اليابان 100%, ويبلغ متوسط الالتحاق بالتعليم الثانوي 68% وفي اليابان أكثر من 90%, وأشار التقرير إلى أن متوسط نسبة القراءة في الوطن العربي يبلغ 70% مقابل نسبة 97% في اليابان.

وذكر التقرير أن تعداد الدول العربية في عام 2006 بلغ أكثر من 321 مليون نسمة, بمعدل نمو تراجع من 2.6% عام 1975 إلى 1.9 في عام 2006, وجميع المؤشرات تؤكد أن هناك "فتوة" سكانية في المنطقة العربية, وبالتالي فإن السياق السكاني يضغط على الخدمات التعليمية التي يجب توفيرها, وخاصة في مستوى التعليم العالي.

ويلفت التقرير النظر إلى نمو التعليم العالي في الوطن العربي بصورة مدهشة في السنوات العشرين الأخيرة, فمنذ أربعين عاما كان عدد الجامعات لا يتعدى ثلاثين, وحتى عام 1988 زاد بمقدار 60 جامعة جديدة, وفي العقدين الأخيرين (1988 ـ 2008) ظهرت 278 جامعة جديدة, بمعدل يقترب من 14 جامعة كل عام! وأصبح العدد الإجمالي حاليا يقترب من أربعمائة جامعة, ورغم ذلك فما زال البون شاسعا بالمقارنة مع الولايات المتحدة الأميركية, المتقاربة سكانيا مع العالم العربي, إذ يبلغ عدد الجامعات فيها حوالي 3500 جامعة ومعهد وكلية.

وفي الوقت الذي زاد فيه سكان الوطن العربي بين عام 1975 و2006 بنسبة 220%, فإن معدل زيادة الطلاب في مرحلة التعليم العالي ارتفع إلى 7.2 ملايين طالب عام 2006, بزيادة قدرها 800%, وبالتالي زاد الطلب الاجتماعي على التعليم العالي, وهو ما يدعو إلى طرح مشكلة الجودة وضوابطها حتى لا تصبح الجامعات كمًّا دون كيف.

وفي ختام ملف التعليم يدعو التقرير إلى التعاون من أجل إنشاء منظمة عربية, تهتم بإنتاج المعلومات والمعارف عن التعليم العالي في البلدان العربية, في إطار الجهود التي يمكن أن تبذل في سبيل تطويره في الوطن العربي.

الإعلام

"
يشير التقرير إلى نوع من التراجع في مستويات استهلاك الصحف داخل الوطن العربي بين عامي 1996 و2003 حيث كان متوسط توزيع الصحف اليومية لكل ألف مواطن عربي 78 نسخة عام 1996 ثم انخفض إلى 50 نسخة فقط عام 2003
"
وفي الملف الإعلامي تناول التقرير ثلاثة محاور, الأول عن الصحافة المقروءة, وفيه أشار إلى أن العدد الإجمالي للصحف اليومية في البلاد العربية بلغ 267 صحيفة عام 2006, أكثرها في لبنان (59) تليها الجزائر (48) ثم السودان (32), وفي مصر 15 صحيفة يومية فقط, كما بلغ عدد الصحف الأسبوعية 507, أغلبها في سوريا (107) ثم العراق (75) ومصر (68), كما بلغ عدد الصحفيين المقيدين في المؤسسات الصحفية العربية 34506, وهذا يدل على انخفاض حجم المؤسسات, وضعف بنيتها الاقتصادية, ومحدودية ما يخرج عنها من إصدارات.

ويتجاوز توزيع الصحف اليومية في كل من مصر والجزائر وحدهما حاجز مليون نسخة, وإذا كان الأمر مبررا في مصر في ظل العدد الضخم من السكان, فإن بلوغ هذا الرقم يعد ميزة للجزائر.

ويشير التقرير إلى نوع من التراجع في مستويات استهلاك الصحف داخل الوطن العربي بين عامي 1996 و 2003 حيث كان متوسط توزيع الصحف اليومية لكل ألف مواطن عربي 78 نسخة عام 1996 ثم انخفض إلى 50 نسخة فقط عام 2003, وبالمقارنة مع كوريا الجنوبية التي يشكل سكانها 16% من سكان الوطن العربي, فإن عدد الصحف اليومية بها يصل إلى 121 صحيفة, وهو ما يقترب من نصف عدد الصحف اليومية في الدول العربية, ويبلغ متوسط عدد النسخ لكل ألف مواطن في كوريا 394 نسخة.

وفي المحور الفضائي ذكر التقرير أن متوسط نصيب كل ألف من المواطنين العرب من أجهزة التلفزيون, ارتفع من 174 عام 1992 إلى 250 عام 2001. ووصل عدد القنوات الفضائية التي تبث باللغة العربية حتى منتصف 2008 نحو 482 قناة مفتوحة, غير الباقات التلفزيونية المشفرة, رغم أن أول قناة فضائية عربية -وهي القناة الفضائية المصرية- بدأت البث في 4/1990, أي أن هذا الميدان حديث وسريع النمو بدرجة فائقة.

وتستحوذ السعودية ومصر والإمارات على 51.3% من إجمالي القنوات العربية, وتبلغ نسبة السعودية وحدها 22.6%, كما أن هناك 16 فضائية غير عربية تستهدف المواطن العربي, على رأسها أميركا (3 قنوات).

وتناول المحور الثالث في ملف الإعلام, المجال الإلكتروني ومعدلات نموه, سواء في جانب وسائل الاتصال الهاتفية أو أجهزة المحمول, وتبين من الدراسة أن أعلى معدلات الوجود الإعلامي العربي على شبكة الإنترنت ترتبط بالصحافة العربية المطبوعة والإلكترونية بنسبة 50.6%, تليها المواقع الإذاعية والتلفزيونية بنسبة 32.4% وتأتي بعدها مواقع الشبكات الإخبارية والبوابات الإعلامية, وتبلغ نسبتها 13.8%, وتوجد كافة وكالات الأنباء العربية على مواقع الإنترنت.

الجزيرة نت 

"
التقرير يصنف موقع "الجزيرة نت" في أعلى ترتيب بين المواقع الإعلامية, حيث احتل رقم 10 في الترتيب العام لدخول المواقع في الوطن العربي حتى أوائل عام 2007
"
ويوضح التقرير أن المواقع الإعلامية على الإنترنت تحظى بأعلى معدل استخدام (28%) تليها مواقع الدردشة (15%). ويعتبر الدافع الأول لدخول المواطن العربي على شبكة المعلومات الدولية هو الترفيه والتواصل (46%), ثم دافع التماس المعلومات (26%). وصنف التقرير موقع "الجزيرة نت" في أعلى ترتيب بين المواقع الإعلامية, وهو يحتل رقم 10 في الترتيب العام لدخول المواقع في الوطن العربي حتى أوائل عام 2007.

وفي الملف الثالث يتحدث التقرير عن حركة التأليف والنشر في الوطن العربي, لافتا إلى أن القراءة تتراجع بشكل ملموس, في ظل عدم وجود سياسة ثقافية شاملة, ترسخ عادة القراءة والتعلق بالكتاب وتنمية الوعي المعرفي, ومن ثم تكوين التربة الملائمة للتنمية البشرية المستدامة.

ويكشف التقرير أن العدد الإجمالي لمنشورات الوطن العربي من الكتب خلال عام 2007 بلغ 27809 عناوين، بنسبة كتاب واحد لكل 11950 مواطنا, مقابل كتاب واحد لكل 491 مواطنا في بريطانيا, وكتاب واحد لكل 713 مواطنا في إسبانيا, أي أن نصيب المواطن العربي 4% من نصيب الإنجليزي و5% من الإسباني!

ويشير التقرير إلى أنه بينما بلغ مجموع المؤلفات في الأدب والديانات 48% من إجمالي الكتب في نفس السنة, لم يتجاوز ما نشر من مؤلفات في العلوم التطبيقية والنظرية 12%, كما بلغ إجمالي الكتب المترجمة من اللغات الأجنبية عام 2007 نحو 1261 كتابا, أي ما يشكل نسبة 4.53% من إجمالي المنشور, وهو ما لا يشجع مطلقا على التفاؤل, حسب معدّي التقرير, أما الترجمة من العربية إلى اللغات الأجنبية فهي أدنى من ذلك بكثير, مما يستدعي اهتماما خاصا من الجهات المعنية, ومن باب المقارنة أشار التقرير إلى أن بريطانيا أنتجت في عام 2007 نحو 118000 عنوان جديد, أي أكثر من أربعة أضعاف الرقم العربي.

وأكد التقرير على أهمية تعزيز مكانة اللغة العربية الفصحى, وضرورة توطين تدريس العلوم بها في الجامعات والمعاهد العليا, لأن ذلك أساس من أسس التأليف والتعلم والقراءة والتواصل مع الكتاب العربي, كما طالب التقرير بتحديث الإستراتيجيات الموضوعة لتعزيز مكانة اللغة وموقعها المعرفي والعلمي, وحتى الفكري والأدبي والإبداعي في داخل الوطن العربي وخارجه.

الإبداع 

"
المسلسلات الميلودرامية والكوميدية حصلت على نصيب الأسد من مجموع المسلسلات العربية عام 2007, حيث بلغ مجموعها 84 مسلسلا ميلودراميا, بالإضافة إلى 40 كوميديا, في حين تراجعت الدراما التاريخية
"
وتناول التقرير في الملف الرابع حركة الإبداع في خمسة محاور, الأول عن الإبداع الشعري والسردي, حيث يرى كاتبو التقرير أنه يمكن وصف عام 2007 بأنه عام الإبداع بامتياز.. الإبداع الشعري والروائي, وما زال الشعر هو ديوان العرب, ومن الواضح أن أعداد الدواوين الصادرة خلال عام 2007 تنافس أعداد الروايات التي شهدها العام نفسه.

كما شهد عام 2007 صعود وازدهار فن الرواية, وبرزت حركة روائية في السعودية لم تعرفها الساحة الأدبية سابقا, فقد أطل نحو 26 روائيا سعوديا على المشهد الأدبي, عبر 26 رواية جديدة.

وفي محور السينما تناول التقرير واقع الأفلام السينمائية في كل دولة عربية على حدة, ثم في مجمل أوضاع هذا الفن على المستوى العام, حيث يرى التقرير أن هناك حالة تخبط كبيرة تعيشها السينما العربية, وليس هناك أي خط جامع لها, وأن سينما كل دولة تنطلق على هواها, سواء في الأسلوب السينمائي أو الفكري بشكل عام, لكنه أشار إلى حالة مخاض سينمائي مصري لا يمكن تجاهلها, باعتبار أن السينما المصرية هي أكبر إنتاج عربي.

وأشار التقرير إلى أن المسلسلات الميلودرامية والكوميدية حصلت على نصيب الأسد من مجموع المسلسلات العربية عام 2007, حيث بلغ مجموعها 84 مسلسلا ميلودراميا, بالإضافة إلى 40 كوميديا, في حين تراجعت الدراما التاريخية.

واستعرض التقرير كذلك الحركة المسرحية في كل دولة, وعوامل ضعفها أو نهضتها, كما تناول وضع الموسيقى والغناء في كل دولة أيضا.

الحصاد الثقافي
وفي الملف الخامس والأخير تناول التقرير ملامح الحصاد الثقافي من خلال ثلاثة محاور, الأول عن ملامح الحراك الثقافي العربي, تحت عدة عناوين منها: " ثقافة أم ثقافات عربية؟"، و"التراث والعصر"، و"أزمة هوية؟"، و"الثقافة وتحديات الإعلام"، و"ندرة البرامج الثقافية التلفزيونية"، و"أزمة قراءة أم تواصل؟"، و"حوار الحضارات".

"
التقرير يطالب بإنشاء قاعدة بيانات للجوائز العربية الثقافية, حتى يستفيد منها الباحثون ومانحو الجوائز, لأن هناك تخمة في مجالات وفراغا كبيرا في مجالات أخرى
"
واستعرض التقرير في المحور الثاني المشكلات التي تعترض سبيل المؤسسات الثقافية العربية, وأهمية توثيق خريطة الأطر المؤسسية للعمل الثقافي العربي, وأشار التقرير إلى أن هناك 1707 مؤسسات ناشطة في الإطار الثقافي في الوطن العربي بشكل عام, وهي مؤسسات ثقافية رسمية أو أهلية أو خاصة.

كما أشار التقرير إلى أن هناك 97 مؤسسة ثقافية أجنبية تنشط في البلاد العربية, منها 93 رسمية و3 أهلية وواحدة خاصة, منها 14 إسبانية و15 ألمانية و28 فرنسية و23 بريطانية و8 أميركية.

وتحدث المحور الأخير عن جوائز الإبداع الثقافي العربية, ومعايير منح هذه الجوائز, والجهات التي تمنحها, وطالب التقرير بإنشاء قاعدة بيانات للجوائز العربية الثقافية, حتى يستفيد منها الباحثون ومانحو الجوائز, لأن هناك تخمة في مجالات وفراغا كبيرا في مجالات أخرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك