عرضه/عدنان أبو عامر
تناقش هذه الدراسة "الثورات الفلسطينية بين النزاعات الداخلية والحرب ضد إسرائيل" لمؤلفتها الدكتورة عنات كورتس، موجتي المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية، انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، حين نشبت كلتا المواجهتين في اتجاهات سياسية مختلفة، ومتعارضة في الكثير من الأحيان.

- الكتاب: الثورات الفلسطينية بين النزاعات الداخلية والحرب ضد إسرائيل
- المؤلفة: عنات كورتس
- عدد الصفحات: 78
- الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي، تل أبيب
- الطبعة، الأولى أغسطس 2008

جاءت الدراسة المنشورة باللغة العبرية في ثلاثة فصول، الأول منها تحت عنوان "من القطيعة إلى الحوار" تناول انتفاضة الحجارة وما شكلته من جبهة للصراع مع إسرائيل، وأوضاع الجبهة الفلسطينية الداخلية، منتقلا إلى الحلبة السياسية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، مع تسليط الضوء على طبيعة التوازنات الداخلية في المجتمع الفلسطيني، لاسيما باتجاه تقليص قوات الداخل لحساب قوات الخارج.

وجاء الفصل الثاني ليناقش انتفاضة الأقصى، وما رافقها من مواجهة فلسطينية إسرائيلية بلغت ذروتها، وما تصفه بالفشل الذريع الذي وصل إليه الوضع الفلسطيني، وتأزم العلاقات بين الجانبين، من خلال وصولهما إلى مرحلة القطيعة، فضلا عن إلقاء نظرة على المشهد الفلسطيني من خلال تقليص قوات الخارج لصالح قوات الداخل.

وركز الفصل الثالث على الخروج بخلاصات نهائية، لاسيما على صعيد استمرار المواجهة بين الجانبين بأساليب مختلفة، وإعطاء نظرة عن المستقبل.

النزاع الفلسطيني الداخلي
 ترى المؤلفة أن المواجهتين اللتين خاضهما الفلسطينيون ضد الإسرائيليين في الانتفاضتين الأولى والثانية، نشأتا في ظروف سياسية بدت للوهلة الأولى مختلفة كليا.

ففي حين نتج عن الانتفاضة الأولى وصول الجانبين إلى مرحلة من التفاوض والحوار المباشر، أسفرت الانتفاضة الثانية عن حلول المواجهة المسلحة بديلا عن أجواء الحوار.

وتستعرض الدراسة جملة من المحاولات التي بذلت لعودة الحوار بين الجانبين، لكنها جميعا باءت بالفشل، بسبب أمرين هامين يتعلقان بساحتي المواجهات، ساحة الجبهة الداخلية الفلسطينية، وساحة جبهة المواجهة مع إسرائيل.

العنصر الأول متعلق بالتنافس الفصائلي بين القوى الفلسطينية، الذي امتد سنوات طويلة، واستند أساسا إلى مواجهة إسرائيل، مما ساهم بدوره في زيادة حدة هذه المواجهات لرغبة كل فصيل في تسجيل نقاط لصالحه أمام الفصيل الآخر.

وتحاول المؤلفة العودة إلى جذور اندلاع انتفاضة الحجارة عام 1987، خاصة في ضوء الواقع الاقتصادي الصعب، وتراجع ثقة الفلسطينيين بقدرة القيادة التقليدية ممثلة بمنظمة التحرير، وعلى رأسها حركة فتح، في وضع حد للاحتلال الإسرائيلي في المناطق المحتلة.

وجاءت حوادث الطرق في قطاع غزة لتشكل الفتيل الذي أشعل الأحداث، وأسفرت عن اندلاع موجات متلاحقة من أعمال العنف والاحتجاج والتظاهر، بين الفلسطينيين الغاضبين وقوات الأمن الإسرائيلية.

وجاء الرد الإسرائيلي العنيف على هذه المواجهات ليصب المزيد من الزيت على النار، علما بأن الانتفاضة حافظت خلال العامين الأولين على الطابع المدني الشعبي.

ومع مرور الزمن، وحالة التعب التي ألمت بالسكان نظرا لتواصل الصراع، وتكاليفه الباهظة، برزت موجة جديدة من المواجهات القاسية، مع ظهور عدد من الفصائل المسلحة التي استهدفت مواقع إسرائيلية، مدنية وعسكرية، سواء داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، أم داخل الخط الأخضر.

وخلال هذه المواجهات المتواصلة ظهرت للعلن أشكال جديدة من القيادات الوطنية، أهمها القيادة الوطنية الموحدة، التي أسست على أساس جغرافي، ومثلت منظمة التحرير في المناطق الفلسطينية.

"
تحرك منظمة التحرير باتجاه الحل السياسي مع إسرائيل، جاء لتفويت الفرصة على القيادات الفلسطينية المحلية الناشئة، ومتزامنا مع العملية السياسية التي قادتها الولايات المتحدة
"
وفي مقابل هذا التوجه الوطني برزت جبهة معارضة قوية، ذات تأثير شعبي ملموس، تمثلت في حركة حماس، وبرزت للمرة الأولى شعاراتها ورؤيتها التي تبرز انتماءها للإخوان المسلمين في قطاع غزة.

وترى المؤلفة أن أحداث الانتفاضة الأولى عملت على تقريب المسافات بين منظمة التحرير وإسرائيل، لاسيما أن المواجهات المتواصلة بين الطرفين أوصلت رسالة للإسرائيليين تظهر لهم حجم الثمن الذي يسببه الاحتلال، وفي المقابل قربت الأجواء للوصول إلى تسوية سياسية ممكنة.

وتشير إلى أن تحرك منظمة التحرير باتجاه الحل السياسي مع إسرائيل، جاء لتفويت الفرصة على القيادات الفلسطينية المحلية الناشئة، ومتزامنا مع العملية السياسية التي قادتها الولايات المتحدة.

وبعد أن أجرت الدراسة استطرادا تاريخيا لأبرز التطورات السياسية التي عاشتها الساحتان الفلسطينية والإسرائيلية منذ أواخر الثمانينيات وأوائل التسعينيات، ومن خلال قناة التفاوض غير الرسمية التي جرت بين الطرفين، خلصت إلى أن ذلك أدى في صيف 1993 إلى توقيع اتفاق مبادئ يقضي في نهاية الأمر بإقامة دولتين للشعبين.

وشكل اتفاق أوسلو الأساس القانوني والسياسي لعودة القيادة الفلسطينية إلى الداخل، وتأسيس السلطة الفلسطينية.

انتفاضة الأقصى.. عفوية أم مخطط لها؟
بالرغم من الدعم الدولي الذي حظي به اتفاق أوسلو، فإن الدراسة تسلط الضوء على أبرز ما واجهه الاتفاق من عقبات، كتوسع الأعمال الاستيطانية في المناطق الفلسطينية، واستمرار المواجهات الدامية بين الجانبين، إذ عملت إسرائيل على إرجاء تسليم المزيد من المدن للسلطة الفلسطينية.

وتوجه المؤلفة نقدها الشديد للقيادة الإسرائيلية التي اتخذت هذا القرار، الذي فاقم من معاناة الفلسطينيين، المصابين أصلا بالإحباط الشديد من الأداء السيئ للسلطة، إداريا وسياسيا، فضلا عن الخلاف الذي نما وازداد بين قيادات حركة فتح، الوافدة والمحلية، في سبيل إعادة بناء مؤسساتها، الأمر الذي ووجه برفض صارم من قبل قيادات الخارج.

تشير الدراسة إلى الجهود التي بذلت من طرف إسرائيل والفلسطينيين للوصول إلى تسوية نهائية للقضايا المصيرية، ولكنها ووجهت بإخفاقات متواصلة، حتى جاء صيف عام 2000 وشهد عقد قمة سياسية بين القيادتين.

وهنا تحاول المؤلفة ترويج موقف إسرائيلي تردد كثيرا خلال السنوات الماضية، مفاده أن التنازلات التي قدمها الإسرائيليون خلال تلك المباحثات لم تكن مسبوقة، مقابل أن يعلن الفلسطينيون انتهاء الصراع، وبناء على هذا الإخفاق اندلعت الانتفاضة الثانية.

تورد المؤلفة جملة من التحليلات والتفسيرات التي صاحبت اندلاع انتفاضة الأقصى، ومع أن اندلاعها كان حدثا تاريخيا فإن بعض التفسيرات تعتبرها عفوية.

ومهما كان الأمر فهي حدث على كل الأحوال أشعل المنطقة بعد اقتحام زعيم المعارضة الإسرائيلية آنذاك أرييل شارون للحرم القدسي، وما أعقب ذلك من مواجهات عنيفة بين المتظاهرين الفلسطينيين المحتجين على الزيارة التي وصفوها بأنها استفزازية، وقوات الأمن الإسرائيلية.

بغض النظر عن طبيعة الانتفاضة، وسواء كانت عفوية أم مخططا لها سلفا، فإن الدراسة ترى أن الحادث العفوي هذا، وصلت قيادته إلى عناصر منظمة فاقمت من تصعيد الأمور خلال أيام، وأصبح من الصعوبة السيطرة عليها.

"
الانتفاضة أسفرت عن تغيرات جوهرية كبيرة على الساحة الفلسطينية من أهمها غياب الحديث عن العملية السياسية، إضافة إلى انهيار السلطة الفلسطينية تقريبا، كما فهم من تزايد الدعوات لضرورة إصلاحها وترميمها
"
المؤلفة تشير بصورة واضحة إلى دور وموقف السلطة الفلسطينية من اندلاع انتفاضة الأقصى، قائلة إن أجهزة أمن السلطة الرسمية وقفت في جبهة حفظ النظام في المناطق الفلسطينية، بعد أن خشيت من أن تتوجه هذه الانتفاضة ضدها، في ظل حالة التذمر الشعبي الفلسطيني من أدائها.

وبالتزامن مع حالة التصعيد المتسارعة يوما بعد يوم، وحالة اليأس والإحباط الذي أعقب انهيار اتفاق أوسلو، تنتقد المؤلفة طبيعة الرد الإسرائيلي عليها، واصفة إياه بأنه رد قاس وحديدي، من خلال استخدام العديد من الوسائل القتالية العسكرية الشديدة التي لم تستخدم على الإطلاق خلال سنوات الانتفاضة الأولى.

وأدت عمليات الجيش الإسرائيلي إلى سقوط ضحايا فلسطينيين كثر، وحدوث أضرار جسيمة في مرافق البنى التحتية في الأراضي الفلسطينية، تضاعف عدة مرات الخسائر والضحايا في الانتفاضة الأولى.

وتسرد الدراسة عددا من العقوبات التي انتهجتها قوات الأمن الإسرائيلية ضد الفلسطينيين: كإغلاق شوارع عامة، وفرض عقوبات اقتصادية ضد السلطة الفلسطينية، واستهداف المقار الحكومية ومباني السلطة الفلسطينية التي اتهمتها إسرائيل بالوقوف خلف اندلاع الانتفاضة، ومحاولة تثويرها أكثر فأكثر.

صعود حماس
ترى المؤلفة أن انتفاضة الأقصى أسفرت عن وقوع الكثير من التطورات في شتى المجالات، سياسيا وأمنيا وعسكريا وإستراتيجيا، حتى وصلت إسرائيل بعد مرور عدة أشهر من اندلاع الانتفاضة، إلى اقتناع مؤلم بالنسبة لها، وهو أن السلطة الفلسطينية لم تعد شريكا تفاوضيا في مسيرة التسوية.

السلطة الفلسطينية من جهتها، فقدت –على حد قول المؤلفة- ما تبقى لها من شرعية ومسؤوليات في الأراضي الفلسطينية.

وقد أصيبت حركة فتح -العمود الفقري للسلطة- بالضعف الشديد، من خلال ما بات يطلق عليه "صراع الأجيال"، بين الجيل الشاب الذي بدأ يوجه انتقاداته واتهاماته إلى الجيل المؤسس للحركة، الأمر الذي تبدى من خلال ظهور فصائل وأجنحة تنظيمية جديدة من داخل الحركة، دون انصياعها لقرارات قيادة الحركة، إلى جانب تزايد شعبية حركة حماس وتعاظم دورها.

المؤلفة تشير إلى تورط بعض عناصر حركة فتح في تنفيذ عمليات فدائية ضد أهداف إسرائيلية بالتعاون مع فصائل المعارضة الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، دون تلقي تعليمات من قيادة التنظيم.

بعد مرور عدة سنوات على اندلاع انتفاضة الأقصى، تسلط الدراسة الضوء على جملة من المحاولات التي بذلت من قبل عدد من الأطراف الفلسطينية والإسرائيلية والدولية لوضع حد للاشتباكات الدامية بين الجانبين، إلا أن حالة التنافس التنظيمي بين القوى الوطنية والإسلامية على الساحة الفلسطينية، إلى جانب شرط وقف إطلاق النار الذي وضعته إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات، أحبطت كل تلك الجهود، مما أسفر عنه تواصل الانتفاضة.

وترى الدراسة أن الانتفاضة أسفرت عن تغيرات جوهرية كبيرة على الساحة الفلسطينية، لعل من أهمها غياب الحديث عن العملية السياسية، والتقدم المطلوب في المفاوضات، إضافة إلى انهيار السلطة الفلسطينية تقريبا، الأمر الذي تبدى من خلال تزايد الدعوات لضرورة إصلاحها وترميمها، بعد شيوع أنباء الفساد والتقارير الدولية التي تحدثت عن حالات الاختلاس والرشاوى، وسوء الإدارة العامة.

وتؤكد الدراسة أن تواصل المواجهات الدامية بين الفلسطينيين والإسرائيليين أعاد الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى واجهة الأحداث على الساحة الدولية، إذ سعت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى تقديم مقترحات وأفكار لحل الصراع.

"
كل من مصر والسعودية بذلت جهودا على الساحة الفلسطينية لمصالحة حقيقية وجادة بين الفصيلين الكبيرين فتح وحماس لإيجاد قيادة فلسطينية واحدة تتحدث باسم الفلسطينيين وتكون مفوضة للحديث باسمهم مع إسرائيل
"
وتقدمت بذلك أطراف عربية وإقليمية في الشرق الأوسط، لاسيما مصر، من خلال تثبيت وقف إطلاق النار بين الفصائل الفلسطينية وإسرائيل، فضلا عن الإعلان عن عدد من المبادرات السياسية، كان من أبرزها المبادرة العربية للسلام التي تبنتها جامعة الدول العربية.

وتشير المؤلفة إلى الدور الذي بذلته كل من مصر والسعودية على الساحة الفلسطينية لمحاولة إيجاد مصالحة حقيقية وجادة بين الفصيلين الكبيرين، فتح وحماس، في محاولة من الدولتين لإيجاد قيادة فلسطينية واحدة تتحدث باسم الفلسطينيين، وتكون مفوضة للحديث باسمهم للتفاوض مع الإسرائيليين.

إلا أن تواصل الانتفاضة والمواجهات الدامية بين الجانبين أدى في نهاية الأمر –حسب معدة الدراسة- إلى أن "تنفض" إسرائيل يدها من الشراكة مع السلطة الفلسطينية، وتتوجه نحو حلول أحادية الجانب، كان أهمها بناء الجدار الفاصل في الضفة الغربية، والانسحاب الأحادي من قطاع غزة، استجابة لعدد من التحديات الأمنية الميدانية التي مثلت أمامها.

وتستدرك الدراسة أن المسار السياسي رغم تلك الخطوات، قد عاد من جديد بين الفلسطينيين والإسرائيليين في أعقاب تغير موازين القوى بين الفصائل الفلسطينية، والفوز الجارف الذي نالته حركة حماس في الانتخابات التشريعية بعد الانهيار والانشقاق الذي أصاب حركة فتح.

وجميع الجهود التي بذلت لجمع الطرفين على طاولة واحدة باءت بالفشل، وتواصل النزاع المسلح بين التنظيمين إلى أن وصل ذروته في نجاح حركة حماس في فرض سيطرتها على قطاع غزة، بعد تغلبها على قوات الأمن المسلحة التابعة للسلطة الفلسطينية.

إثر ذلك، عادت إسرائيل والسلطة الفلسطينية من جديد إلى طاولة المفاوضات في محاولة منهما لوقف تعاظم قوة حركة حماس، إلا أن الضعف الذي بات يلاحق حركة فتح أوقف كل قدرة على الوصول إلى حل سياسي.

هذه الدراسة في جوهرها تناقش موجتي المواجهات الفلسطينية الإسرائيلية، خلال انتفاضة الحجارة عام 1987، وانتفاضة الأقصى عام 2000، وقد أجرت المؤلفة نقاشات مستفيضة، وبحثت الكثير من التطورات التي أحاطت بكلتا المواجهتين، في محاولة منها لمعرفة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاعهما.

الدراسة تلقي الضوء على عدد من المحاولات التي بذلت خلال الفترة الماضية لتجديد العملية السياسية، وما رافقها من جولات فشل عملت على تعقيد الوضع أكثر فأكثر بين الجانبين، سواء تلك القادمة من الساحة الفلسطينية الداخلية، أو الإسرائيلية، كما تقدم صورة ملخصة لوضع المفاوضات القائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين حتى أوساط عام 2008، مستشرفة عددا من السيناريوهات المتوقعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك