عرض/غازي دحمان

يسلط الكتاب الذي نعرضه الضوء على السلوك التدميري والقصدي الذي تمارسه سلطات الاحتلال الإسرائيلي تجاه البيئة الفلسطينية، حيث يوثق الباحث مصطفى قاعود -وهو من ذوي الاختصاص بهذا الشأن- عشرات التقارير، المحلية (الفلسطينية) والدولية، التي توضح بجلاء الحجم الهائل من الدمار الذي تحدثه إسرائيل في البيئة الفلسطينية.

ويؤكد الباحث في مقدمة كتابه -الذي جاء على شكل تقرير- أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي عملت، بشكل منهجي ومدروس، على تدمير البيئة الفلسطينية، بهدف القضاء على كل مقومات الحياة وإرغام الفلسطينيين على الرحيل من تلقاء أنفسهم عندما تنعدم أسباب الحياة.

اغتيال شجر الزيتون والبرتقال

-الكتاب: اغتيال البيئة الفلسطينية
-المؤلف: مصطفى قاعود
-الصفحات: 110 
-
الناشر: صفحات للدراسات والنشر، دمشق
-
الطبعة: الأولى/ 2008
يقول الباحث إن بين الزيتون والفلسطيني علاقة روحية سرمدية، فكلاهما -برأيه- شكلا على مر التاريخ ثنائية تشير إلى عمق الانتماء إلى هذا الوطن والتاريخ.

من هنا، فهو يعتقد، أن حرب إسرائيل على شجرة الزيتون هي حرب على الهوية الوطنية الفلسطينية، فقد اقتلع الاحتلال مئات الآلاف من أشجار الزيتون.

ففي ظل الانتفاضة الأولى تم اقتلاع ما يزيد على نصف مليون شجرة (80%) منها زيتون، وحتى بعد اتفاق أوسلو تم تجريف حوالي 22 ألف دونم كلها أشجار زيتون.

وفي تقرير عن المركز الفلسطيني للمعلومات ذكر أن مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في الضفة الغربية حوالي 75 ألف دونم تضرر منها، سواء بأعمال العزل أو المنع أو الحرق حوالي42 ألف دونم، أي ما يعادل (6%) من مجموع مساحة الأراضي المزروعة بالزيتون في عموم فلسطين.

ويشير الباحث إلى أنه في الوقت الذي تشن فيه إسرائيل حرباً على شجر الزيتون الفلسطيني، تعمل على زراعة أشجار الزيتون في المستوطنات والأراضي المحيطة بها والتي جرت مصادرتها بأوامر عسكرية، كما جاء في خطة وزير الزراعة السابق «يسرائيل كاتس» التي أقرت زراعة 72 ألف شجرة زيتون في أراضي «يهودا والسامرة».

ويرى الباحث أن الأمر نفسه ينطبق على بيارات البرتقال، ففي عام 1967 كان في قطاع غزة وحده بيارات برتقال مساحتها تسعون ألف دونم، وبعد فك الارتباط عن غزة بقي فيها من تلك المساحة 43 ألف دونم، وقطاع غزة نموذج لما جرى في كافة المناطق الفلسطينية الأخرى.

فمنذ الأيام الأولى للاحتلال شرعت أجهزته بتنفيذ مخطط معد ومدروس مسبقاً لتدمير تلك البيارات من خلال طرق عدة، كضرب أسعار جميع أنواع الحمضيات المراد تسويقها عبر ميناء حيفا، وإغلاق جميع المنافذ البرية للتصدير عبر مصر والأردن، وكذلك العمل على تخفيض أسعار الحمضيات حتى تصل إلى حدود متدنية لدرجة لا يمكن معها تغطية تكلفة الإنتاج.

وذلك لدفع الفلسطيني إلى البحث عن بدائل لزراعة الحمضيات، بل وتقدم تسهيلات مختلفة لتشجيع أنواع من الزراعة تحتاجها السوق الإسرائيلية، غير أن هذه الأنواع الزراعية معروف عنها تلويثها للبيئة وإنهاكها للأرض، كل ذلك على حساب بيارات البرتقال التي تشبه الغابات في أدائها الوظيفي البيئي، لأنها أشجار معمرة ومنتجة لليخضور وتسهم في التوازن البيئي.

سرقة الرمال والتربة الطينية

"
قامت قوات الاحتلال بسرق 25 ألف متر مكعب من الرمال الصفراء الواقعة في محيط قطاع غزة في الفترة بين عامي 2002 و2003
"
وينتقل الباحث بعد ذلك لمناقشة قضية بيئية أخرى، وهي سرقة إسرائيل للرمال الصفراء والتربة الطينية، والأثر الذي يخلفه ذلك على الواقع البيئي والاقتصادي الفلسطيني، حيث تعد الرمال الصفراء في قطاع غزة عنصراً من عناصر الطبيعية الهامة.

والرمال من أهم مصائد الأمطار في فصل الشتاء، بالإضافة إلى استخدامها في صناعة مواد البناء، وهي تحتوي على نسبة كبيرة من الكوارتزيت الذي يدخل في الصناعة المختلفة مثل صناعة الزجاج والأدوات الكهربائية، لذا فهي ثروة اقتصادية.

إلا أن هذه الرمال  تعرضت للاستنـزاف والسرقة والتدمير المنظم من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية، فقد تمت عمليات سرقة رمال غزة بواسطة شاحنات ضخمة تحت حماية الجيش الإسرائيلي في محيط المستوطنات وبشكل خاص في محيط مستوطنة (نتساريم)، وحسب تقرير صادر عن هيئة الاستعلام الفلسطيني فقد سرق 25 ألف متر مكعب في الفترة بين عامي (2002 و2003).

ويؤكد الباحث -نقلا عن تقرير المديرية العامة للرمال والمحاجر في غزة- أن قوات الاحتلال تقوم ببيع الرمال لحسابها وبسعر 15 شيكلا للمتر المكعب، مما زاد من كمية الرمال المسروقة من النوع النظيف، والتي قدرت بحوالي مليون ونصف المليون متر مكعب منذ التوقيع على اتفاق أوسلو.

إضافة إلى ذلك كله قامت إسرائيل بسرقة التربة الطينية الصالحة للزراعة ذات الخصائص الممتازة من قطاع غزة، حيث سرق ما مقدراه مائتا ألف متر مكعب من أراضي دير البلح، تاركة خلفها حفراً في الأرض بعمق ستة أمتار، مما ألحق دماراً خطيراً في البيئة.

ويضيف الباحث -نقلا عن تقارير «سلطة جودة البيئة الفلسطينية»- أن سرقة الرمال من الأراضي الفلسطينية تعد خطراً بيئيـاً، لا يمكن علاجه إلا بعد مئات من السنين، حيث أن إزاحة هذه الرمال التي تعمل عمل فلتر لتصفية وحجز مياه الأمطـار يـؤدي إلى تبخر هذه المياه، كما يتيح لها الاتصال بمياه البحر المالحة، مما يفقدها عذوبتها.

هذا بالإضافة إلى تآكل سطح التربة وتقليل نسبة خصوبتها، الأمر الذي يترك أثره على الحياة البرية التي تعد بيئة خاصة للعديد من الحيوانات والنباتات البرية، وإن أماكن اقتلاع الرمال سرعان ما تتحول إلى أماكن لتجمع النفايات الصلبة والمياه العادمة التي تتسرب إلى تلك الحفر.

النفايات والمياه العادمة

"
قوات الاحتلال تعوق بشكل مستمر عملية استيراد التكنولوجيا لمعالجة النفايات الصلبة الناجمة عن قطاع الصناعة الفلسطيني
"
يقول الباحث إن الفلسطينيين يعانون، بسبب سياسة الحصار والإغلاق المستمرة من مشكلة التخلص من النفايات الصلبة، ويستند في ذلك إلى تقرير أصدره الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، والذي يؤكد أن (2.728) طن من النفايات المنـزلية ينتج يومياً من قبل الأسر الفلسطينية.

ويؤكد أيضا أن (28.8%) من التجمعات الفلسطينية تعاني من مشكلة بيئية في مجال جمع النفايات، نتيجة سياسة الحصار والعزل، الأمر الذي يدفع الأهالي إلى حرق النفايات بشكل عشوائي، للتخلص من مخاطرها، وهو ما حذر منه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، ووصفه بالأمر غير الصحي.

من جهة أخرى تعوق قوات الاحتلال -بشكل مستمر- عملية استيراد التكنولوجيا لمعالجة النفايات الصلبة الناجمة عن قطاع الصناعة الفلسطيني.

ويؤكد الباحث أن إسرائيل لا تكتفي بهذا القدر من الدمار البيئي، بل تقوم باستخدام الأراضي الفلسطينية مكباً لنفاياتها الصناعية الخطيرة التي تتضمن مواد متفجرة ومواد مساعدة على الاشتعال، ومواد سامة وأخرى حمضية وقاعدية ومشعة حيث تنتقل تلك المواد عبر الأراضي الفلسطينية المحتلة وتدفن فيها.

فبعد تعاظم شكوى الإسرائيليين من مضار الصناعات الملوثة في محيطهم تقوم حكومتهم بنقلها إلى المناطق الحدودية مع الضفة والقطاع دون معالجتها، كما يجري التخلص من تلك المخلفات السامة في براميل تلقى في أماكن قريبة من التجمعات السكنية الفلسطينية.

وفي حادث أثار ضجة في عام 1999عثر على 230 برميلاً من النفايات الكيمياوية مدفونة في أم التوت في محافظة جنين، وكانت مغطاة بشبك أسود يستخدم لتضليل المواد سهلة الاشتعال والقابلة للانفجار، والكتابات عليها غير مطابقة لمحتوياتها، وقد رصدت وزارة شؤون البيئة الفلسطينية أكثر من خمسين موقعاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، دفنت فيها نفايات سامة، وجد في إحداها أكثر من خمسين طنا من الملوثات مطمورة على عمق بضعة أمتار. 

"
إسرائيل تنتهج سياسة المماطلة والتعطيل حيال تنفيذ المشاريع الأجنبية لمعالجة تصريفها المياه العادمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما تقوم بتدمير الناتج منها
"
الصرف الصحي
يشير الباحث بهذا الخصوص إلى انتهاج إسرائيل سياسة المماطلة والتعطيل حيال تنفيذ المشاريع الأجنبية، لمعالجة تصريفها المياه العادمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، كما قامت بتدمير الناتج منها.

ويضرب مثالا على ذلك تعرض مشروع محطة المعالجة المركزية في غزة لعمليات القصف المتكرر ونجم عن ذلك تعرض الخط الناقل للكسر واندفاع المياه خارجه مرات عدة، ما أدى إلى تلويث البيئة وزيادة فرص تلوث مياه البحر، هذا زيادة عن تلويثها من قبل المستوطنين.

فقد أكد تقرير «سلطة جودة البيئة الفلسطينية» أن التلوث وصل إلى عمق أربعمائة متر داخل شواطئ غزة.

كما يؤكد الباحث إضافة لذلك أن ما تنتجه المستوطنات الإسرائيلية من مياه عادمة يساوي ضعف ما تنتجه عموم التجمعات السكنية الفلسطينية في الضفة الغربية، وتصب هذه المياه في الأودية الفلسطينية وفي حوض نهر الأردن، نحو الأراضي الزراعية الفلسطينية.

كما تساهم المستوطنات الإسرائيلية المنتشرة في الضفة، بقسط كبير من تلويث البيئة الفلسطينية عن طريق النفايات الصلبة، الناتجة عن استخدامات المستوطنين المختلفة المنزلية والصناعة والتي يتم إلقاؤها في مناطق أبو ديس وجيوس غربي قلقيلية وسلفيت.

وتساهم هذه النفايات في تلويث مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والتربة والمياه الجوفية نتيجة رشح السوائل الناتجة عنها إلى الخزان الجوفي.

كما تسبب المصانع التي تزايد عددها في المستوطنات بعد نقلها من «إسرائيل» بأضرار جسيمة للبيئة الفلسطينية، حيث تجاوز عدد هذه المصانع مائتي مصنع لمختلف الصناعات الكيمياوية، والصناعات العسكرية السرية، وتخلف هذه المصانع مواد سامة متعددة، وتقوم بإلقائها في المياه العادمة للمستوطنات والتي تجد طريقها نحو الأراضي الزراعية الفلسطينية.

"
النشاط النووي الإسرائيلي ترك آثارا خطيرة على البيئة الفلسطينية، ونتيجة لذلك انتشر العديد من الأمراض الخطيرة وفي مقدمتها أمراض السرطان
"

التلوث الإشعاعي
في هذا المجال يؤكد الباحث أن النشاط النووي الإسرائيلي ترك آثارا خطيرة على البيئة الفلسطينية، ونتيجة لذلك انتشر العديد من الأمراض الخطيرة وفي مقدمتها أمراض السرطان.

وقد أشارت تقديرات وزارة الصحة الإسرائيلية إلى أن حوالي (1250) شخصاً يصابون بمرض السرطان سنوياً نتيجة لتلوث البيئة، وأن عدد المصابين بالمرض في فلسطيني الأراضي المحتلة عام 1948 حوالي 25 ألفاً، وتبلغ النسبة في بئر السبع (26%).

وعلل مسؤولون في وزارة الصحة الإسرائيلية ذلك بقرب المنطقة من مناطق صناعية تستخدم مواد كيمياوية سامة وخطيرة مثل المنطقة الصناعية «رفات حوفيف».

ويشير إلى أن الكثير من التقارير أكدت أن مفاعل ديمونة قد شاخ، وتآكلت جدرانه العازلة مما قد يؤدي إلى تسرب الإشعاعات، حيث يعاني المفاعل من ضرر خطير ينبع من إشعاع نيتروني، يحدث أضراراً بالمبنى، فالنيترونات تنتج فقاعات غازية صغيرة داخل الدعامات الخراسانية ما يجعل المبنى عرضة للتصدع.

ويشكل إنتاج البلوتونيوم إحدى أخطر العمليات، حيث أن إنتاج كل كيلوغرام منه يصنع (11) لتراً من سائل سام ومشع لم يتمكن أحد حتى الآن من شل فاعليته، كما أن من مخاطر مفاعل ديمونة هو عملية التخلص من النفايات النووية التي تدفن غالبيتها في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو في عمق البحر.

"
سلطات الاحتلال تتحكم حالياً بأكثر من 85% من الموارد المائية الفلسطينية، ما أدى إلى انخفاض متوسط نصيب الفرد الفلسطيني من مياه الشرب إلى أقل من تسعين متراً مكعباً سنوياً، بينما يستهلك الفرد في إسرائيل خمسة أضعاف هذا الرقم
"

سرقة المياه الفلسطينية
ينقل الباحث عن تقارير إحصائية فلسطينيه أن سلطات الاحتلال تتحكم حالياً بأكثر من (85%) من الموارد المائية الفلسطينية، ما أدى إلى انخفاض متوسط نصيب الفرد الفلسطيني من مياه الشرب إلى أقل من تسعين متراً مكعباً سنوياً، بينما يستهلك الفرد في إسرائيل خمسة أضعاف هذا الرقم، وعلى حساب الفلسطيني حيث أن نصف مخزون المياه الجوفية في الضفة الغربية مخصص للمدن الإسرائيلية.

وتشير الأرقام إلى أن (27%) من مياه الضفة مخصصة للمستوطنين اليهود، فاستهلاك إسرائيل للمياه في الضفة تجاوز (88%) وذلك من خلال الآبار الإسرائيلية العميقة ذات الإنتاجية العالية التي تم حفرها بهدف إحكام السيطرة على نظام الأحواض وإبقائها في حالات الاستنـزاف القصوى.

ويقول الباحث إن إسرائيل وضعت سيطرتها الكاملة على المياه الفلسطينية، فالمنطقة المعزولة خلف جدار الفصل الغربي تقع فوق الحوضين الغربي والشمالي الشرقي بطاقة تصريفية تقدر بـ(507) ملايين متر مكعب بينما المنطقة الشرقية المعزولة تقع بكاملها فوق الحوض الشرقي بطاقة تصريف (172) مليون متر مكعب.

وتقوم إسرائيل بنهب وسرقة كميات هائلة من تلك الأحواض لأغراض الزراعة ومشاريع تهويد النقب والجليل وتبريد مفاعل ديمونة وبناء المستوطنات، وكانت اتفاقية أوسلو قد أعطت للفلسطينيين ما يعادل (32.1%) من المياه المنتجة مقابل (69.6%) لإسرائيل، إلا أن الاحتلال تجاوز حدود الاتفاق وسيطر على (86.5%) من المياه الفلسطينية.

أهمية هذا الكتاب (التقريري) تنبع من كونه 1- يوسع زوايا النظر لمشاهد الموت الفلسطيني، ويوضح أن عملية التطهير العرقي الإسرائيلية لا ترتكن لأسلوب القتل المباشر بالرصاص وحسب، فهذه لا تشكل سوى رافد واحد من بين حزمة أساليب الإبادة.

2- في ظل المعطيات التي يوردها الكتاب، يتضح أن ما تقوم به إسرائيل يعدم أي إمكانية مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية «قابلة للحياة».

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك