خاص- الجزيرة نت
يسلط كتاب "جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد" الضوء على المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية في العام 2008، الذي نادى بحرب العراق وإعادة بناء الشرق الأوسط وبالتخلي عن عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية القائمة على أساس من اتفاقات أوسلو، قبل الرئيس الأميركي الحالي جورج بوش الابن، والسبب في ذلك هو التقارب بين ماكين والمحافظين الجدد منذ منتصف التسعينيات وحتى الآن.

وكان المحافظون الجدد قد ساندوا ماكين عندما كان مرشحا للرئاسة في الانتخابات الجمهورية التمهيدية عام 2000 في مواجهة بوش الذي لم يرض عنه عدد كبير من المحافظين الجدد بسبب خلفيته السياسة المتواضعة وضعف درايته بالسياسة الخارجية وخطابه الذي مال إلى الواقعية والحذر.

- الكتاب: جون ماكين والشرق الأوسط والولاية الثالثة للمحافظين الجدد
- المؤلف: علاء بيومي
- الصفحات: 199
-
الناشر: مركز الجزيرة للدراسات، الدوحة، قطر
-- سلسلة أوراق الجزيرة رقم 5
- ا
لطبعة: الأولى، أغسطس/آب 2008
ماكين الثائر على بوش

لذا التف المحافظون الجدد حول ماكين وروجوا لحملته وهللوا بانتصاراته الأولية وحزنوا لهزيمته أمام بوش، وطالبوا الأخير بضمه إلى إدارته في منصب مرموق كوزارة الخارجية أو الدفاع، ولكن بوش رفض أن يضم ماكين منافسه اللدود وفضل عزله.

لذا ثار ماكين على بوش وعلى الجمهوريين وعلى قيادات اليمين المسيحي التي تحالفت مع كارل روف مستشار بوش السياسي ومهندس حملاته الانتخابية ضد ماكين في الانتخابات التمهيدية مستخدمة أرخص الوسائل في تشويه سمعته، حتى أن بعضهم شكك في سجل ماكين خلال حرب فيتنام التي وقع فيها أسيرا لأكثر من خمس سنوات.

وخلال الفترة بين عامي 2000 و2004 وضع ماكين يده في أيدي كبار الديمقراطيين والليبراليين بمجلس الشيوخ الأميركي مثل إدوارد كيندي وراسل فاينغولد وجون إدواردز وجوزيف ليبرمان (صديقه القديم)، لترويج سياسات داخلية تتعلق بقضايا كالبيئة والرعاية الصحية والتبرعات السياسية مثلت تحديا كبيرا لقيادات الجمهوري بالكونغرس وبالبيت الأبيض، حيث اعتبر بعض الجمهوريين ماكين خائنا بكل المقاييس ولا يستحق أن يكون جمهوريا.

وهو اعتقاد ما زال قائما في بعض أوساط الجمهوريين، حتى أن بعضهم أعلن أنه يفضل التصويت لمرشح ديمقراطي مثل السيناتورة هيلاري كلينتون على التصويت لجون ماكين.

وقد استمر الخلاف بين ماكين والجمهوريين مشتعلا حتى انتخابات عام 2004 الرئاسية بسبب مواقف ماكين الخارجة عن الإجماع الجمهوري على الساحة الداخلية، رغم التقارب أو ربما التطابق بين مواقف ماكين وبوش على ساحة السياسة الخارجية، حيث سبق ماكين بوش إلى الدعوة لحرب العراق وإعادة بناء الشرق الأوسط والتخلي عن عملية السلام بصورتها القائمة.

ومع ذلك لم يغفر الجمهوريون لماكين معارضته لهم ولبوش الذي رفعه اليمين المسيحي إلى السماء خاصة بعد هجمات 11سبمتبر/ أيلول 2001، كما أن الإعلام الليبرالي احتفل بماكين كثيرا في تلك السنوات (2000-2004) بسبب معارضته لسياسات بوش الداخلية ونقده أسلوب إدارته لحرب العراق.

وفي عام 2004 حدث ما لم يكن متوقعا، إذ سعى المرشح الديمقراطي للرئاسة في ذلك الحين جون كيري، إلى إقناع ماكين بالانضمام إلى حملته كنائب للرئيس.

وحدث ما لم يتوقعه كيري أو يتمناه حيث رفض ماكين العرض وارتمى في أحضان بوش وكارل روف اللذين استغلا مساندته لهما كل استغلال.

وفتح ماكين صفحة جديدة في علاقته بالجمهوريين انتهت بترشيحهم له في الانتخابات الرئاسية عام 2008 بعدما رفضوه عام 2000 وحاربوه منذ ذلك الحين وحتى العام 2004، ولم يرضوا عنه بشكل كامل حتى الآن إذ ما زالوا يشعرون بأن سجله ليبرالي أكثر من اللازم على ساحة السياسة الداخلية وأنه رجل متمرد ثائر يصعب التنبؤ بسياسته.

"
ماكين سبق بوش في صقوريته ومطالبته بالعديد من السياسات الخارجية المتشددة التي طبقها بوش بعد 11/9 قبل أن يطالب بها بوش نفسه، لذا رأى بعض المراقبين أن بوش فاز على ماكين ليطبق سياسات الأخير
"
ازدواجية جون ماكين
في هذا السياق يؤكد هذا الكتاب أهمية تناول الخلفية الشخصية والسياسية لجون ماكين ومسيرته السياسية بالشرح والتحليل كمدخل لفهم سياساته الخارجية المتوقعة تجاه الشرق الأوسط.

ويشير مؤلفه إلى أن مواقف ماكين تعتريها ازدواجية واضحة بين مواقفه السياسية الداخلية التي تميل إلى الانفتاح والليبرالية والاستعداد للتعاون مع الأخر ومع الديمقراطيين، وبين مواقفه على الساحة الخارجية والتي تميل إلى اللتشدد والصقورية بشكل يفوق بوش نفسه.

فماكين سبق بوش في صقوريته ومطالبته بالعديد من السياسات الخارجية المتشددة التي طبقها بوش بعد الهجمات على نيويورك وواشنطن قبل أن يطالب بها بوش نفسه، لذا رأى بعض المراقبين أن بوش فاز على ماكين ليطبق سياسات الأخير.

ويقول المؤلف إن فهم هذا التناقض يتطلب الوعي بشخصية ماكين ومسيرته السياسية، وهما موضوع الجزء الأول من الكتاب والذي يتناول مسيرة ماكين السياسية منذ عام 1983 وهو العام الذي شهد انضمامه إلى عضوية الكونغرس الأميركي عن ولاية أريزونا.

كما يتناول التحديات التي واجهها في مسيرته السياسية وعلاقته السلبية مع قيادات الجمهوريين بالكونغرس لأسباب مختلفة.

أما تفسير هذا التناقض فيكمن في إيمان ماكين بما يسمى سياسات "العظمة الأميركية" التي تؤمن ببناء أميركا عظيمة ليبرالية في الداخل يخشاها أعداؤها في الخارج.

لذا يرحب ماكين بتبني سياسات داخلية ليبرالية ترحب بالمهاجرين وبحقوق الأقليات وبمصالح الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلى حد ما، وتتعالى عن الحروب الثقافية الداخلية الضيقة وعن الصراع التقليدي بين اليسار واليمين الأميركيين.

في الوقت نفسه يريد ماكين الحفاظ على الأحادية الأميركية والسيادة على العالم، كما يطمح إلى إعادة بناء العالم على شاكلة ترضي أميركا وتضمن إطالة عصر القطبية الأحادية، وذلك من خلال إطلاق مشاريع دولية عملاقة مثل "تحالف الديمقراطيات" الذي يدعو ماكين إلى تشكيله ليضم الدول الديمقراطية ويكون بديلا عن الأمم المتحدة في القضايا الكبرى المستعصية عليها مثل قضية إيران، وكي يوحد جهود الدول الحليفة لأميركا في مواجهة الدول الكبرى المواجهة لها كروسيا والصين والدول التي قد تتحالف معها.

"
هدف الجزء الثاني من الكتاب هو الرصد والتوثيق والتنقيب في مواقف ماكين وجذورها
"
الشرق الأوسط
أما مواقف ماكين تجاه الشرق الأوسط فيتناولها الكتاب بالتفصيل في جزئه الثاني، حيث يؤكد المؤلف في بدايته أن الفصل مخصص للرصد المتمهل لمواقف ماكين منذ عام 1983 وحتى الآن تجاه عدد من أهم قضايا الشرق الأوسط الحالية، دون التسرع في إصدار الأحكام على تلك المواقف أو محاولة وضع تفسيرات شاملة لها.

فهدف الجزء الثاني هو الرصد والتوثيق والتنقيب في مواقف ماكين وجذورها.

أما الحكم على تلك المواقف فمتروك إلى الجزء الثالث والأخير الذي يسعى إلى وضع تصور عام عن رؤية ماكين للسياسة الخارجية الأميركية بشكل عام ولدور أميركا في العالم، وعن الدوائر السياسية المحيطة بماكين والمؤثرة على مواقفه تجاه السياسة الخارجية والشرق الأوسط.

وفيما يتعلق بتشدد ماكين تجاه قضايا الشرق الأوسط فهو يبرز على عدة مستويات، يأتي على رأسها ما يلي:

- وقوف ماكين موقفا متشددا من العراق مطالبا بتغيير نظام الرئيس العراقي صدام حسين منذ عام 1998.

كما برز ماكين كأحد أهم الداعين إلى حرب العراق والمساندين له خارج الإدارة الأميركية بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001، واستمر دعمه للحرب بعد الغزو وبعد ارتكاب الإدارة الأميركية العديد من الأخطاء هناك، وهي أخطاء انتقدها ماكين نفسه من باب الحرص على المشروع الأميركي بالعراق.

- موقف ماكين تجاه إسرائيل غاية في التشدد، فهو لا يكاد يمتلك الإرادة أو الرغبة في الدفع بعجلة عملية السلام بالمنطقة، ويفضل -على النقيض- سياسة فصل الفلسطينيين عن الإسرائيليين حتى يغير الفلسطينيون أنفسهم.

بل إن ماكين طالب بعد أحداث سبتمبر/أيلول بأن تعمل أميركا على تغيير العالم العربي كله كي يقبل بإسرائيل، وذلك حين طالب بالدفع بعجلة سياسة نشر الديمقراطية على أمل تغيير النظم العربية الدكتاتورية وإحلالها بنظم تؤمن بالحداثة والتقدم والديمقراطية والحرية وتساند أميركا وتقبل بإسرائيل وتقبل على الاعتراف بها وتحقيق السلام معها.

- يعد ماكين وفريق المستشارين المحيطين به من أشد الداعين إلى تبني سياسة المواجهة مع إيران وسوريا خارج الإدارة الأميركية، حتى أن البعض يرى أن ماكين امتداد وربما جزء من حملة الإدارة الأميركية ضد إيران.

- سياسة نشر الديمقراطية التي تبناها ماكين أخذت منحنى جديدا بعد أحداث سبتمبر/أيلول ارتبط كثيرا بتصور شامل أراد فيه ماكين إعادة بناء الشرق الأوسط على شاكلة ترضي أميركا وإسرائيل، لا انطلاقا من رغبة حقيقية في إعطاء شعوب المنطقة فرصة حقيقية لممارسة الديمقراطية واختيار من يمثلونها والسياسات التي يريدونها.

- فيما يتعلق بالموقف من الإسلام والمسلمين فيردد ماكين العلماني مقولات يمينية متشددة ومنغلقة تصور الصراع بين أميركا والجماعات المتشددة التي ترفع شعارات إسلامية كصراع قيمي أيدولوجي طويل المدى يشن فيه الإرهابيون حربا لتدمير الحضارة والقيم الأميركية بسبب كراهيتهم العقائدية لتلك القيم.

وبذلك يهمل ماكين –كما ذكرنا– الأبعاد المختلفة للصراع ودور السياسات الأميركية الخاطئة فيه.

كما يتناول الجزء نفسه تطور مواقف ماكين السياسية تجاه مصر والسعودية وسوريا والتي يخصها ماكين بقدر كبير من الاهتمام في خطابه السياسي.

"
ماكين ليس واحدا من المحافظين الجدد من حيث النشأة، ولكنه تبنى مواقفهم بوضوح منذ منتصف التسعينيات حيث برز في قيادة التيار الصقوري وسط الحزب الجمهوري الأميركي
"
الولاية الثالثة للمحافظين الجدد
الجزء الثالث والأخير من الكتاب يبدأ بتعريف للمحافظين الجدد وأجيالهم المختلفة وبعض أهم رموزهم ومسيرتهم السياسية والتحديات التي واجهوها بعد تعثر المشروع الأميركي في العراق وتواجدهم في أوساط الجمهوريين خلال الانتخابات الرئاسية الأميركية لعام 2008.

وبعد ذلك يرصد الكتاب علاقة ماكين بالمحافظين الجدد والتي تعود إلى منتصف التسعينيات، ويوضح أن ماكين ليس واحدا من المحافظين الجدد من حيث النشأة، ولكنه تبنى مواقفهم بوضوح منذ منتصف التسعينيات.

 وقد برز في قيادة التيار الصقوري وسط الحزب الجمهوري الأميركي، لذا ساند المحافظون الجدد ماكين في انتخابات عام 2000 وفضلوه على بوش.

كما تواجدوا بكثرة في الدوائر المحيطة به وبين بعضهم أهم مستشاريه السياسيين، حيث أكد بعضهم على العلاقة المباشرة التي تربط ماكين ببعض أهم رموز المحافظين الجدد.

ويضع الكتاب في صفحاته الأخيرة تصورا عاما لرؤية ماكين للسياسة الخارجية الأميركية بصفة عامة، مؤكدا على التشابه الكبير والتداخل بين رؤيته ورؤى المحافظين الجدد.

ويتنبأ الكتاب بأن فوزه بالانتخابات إعلان لولاية ثالثة للمحافظين الجدد، مع احتمال أن يضطر ماكين للمهادنة في مواقفه السياسية بسبب التحديات التي تواجهها السياسة الأميركية حاليا في الشرق الأوسط، ولكن الكتاب يرى أن مثل هذه المهادنة تكتيكية مؤقتة تزول بزوال أسبابها.

المصدر : الجزيرة

التعليقات