عرض/ طارق الكحلاوي
"نهاية الغذاء" عنوان واحد من بين أكثر الكتب مبيعا وإثارة للتعليقات في الأشهر الأخيرة في الولايات المتحدة.

مؤلف الكتاب الصحفي بول روبرتس، اشتهر منذ أربع سنوات بكتاب "نهاية النفط" الذي تنبأ فيه بزيادات كبيرة في أسعار الطاقة، وهذا كتابه الثاني الذي يلقى رواجا واسعا.

-الكتاب: نهاية الغذاء
-المؤلف: بول روبرتس
-الصفحات: 416
-الناشر: هوتن ميفلين، بوسطن
-الطبعة: الأولى 2008
أسلوب روبرتس السلس الذي يمزج معطيات دقيقة استقاها من مصادرها من خلال رحلاته عبر العالم إلى مواقع الإنتاج والتسويق والطريقة الجذابة التي يسرد بها هذه المعطيات، من العوامل التي ساهمت في نجاح مؤلفاته.

لكن توافق اهتماماته وخاصة توقعاته مع تطورات ميدانية كانت العوامل الرئيسية التي تخلق الظروف المناسبة للتقبل الإيجابي لكتبه. وينطبق ذلك على "نهاية الغذاء" الذي بدأ تحضيره وأنهاه بالتوازي مع النسق المتفاقم للأزمة العالمية للغذاء.

فصول الكتاب
يتكون الكتاب من ثلاثة أجزاء ويحتوي عموما على عشرة فصول. يناقش روبرتس في الفصول الأربعة المكونة للجزء الأول أصول وتركيبة النظام الغذائي الراهن.

يعرض في الفصل الأول "التوق للتقدم" التاريخ الغذائي للإنسان منذ تحوله إلى كائن آكل للحوم، فدخوله عصر الثورات الفلاحية المتوازية مع الثورات الصناعية.

ويركز في الفصل الثاني "الأمور سهلة للغاية الآن" على دور شركات الصناعات الغذائية الضخمة ونجاحها في السيطرة على ما نأكله من خلال التركيز على شركة "نستلي" أكثر هذه الشركات اتساعا.

كما يركز في الفصل الثالث "اشتر واحدة تأخذ واحدة مجانا" على إستراتيجيات شركات التوزيع الغذائي التي باتت متركزة في شبكات تجارية ضخمة وكيف أثرت هيكلتها التسويقية على طبيعة الأغذية ذاتها.

أما الفصل الرابع والأخير من هذا الجزء الأول "تجاوز الموازين" فيركز فيه على آثار هذه التحولات الصناعية والتسويقية على الخصائص الغذائية والصحة البشرية خاصة الأمراض المتعلقة بالسكري والسمنة.

في الجزء الثاني من الكتاب والمكون أيضا من أربعة فصول يناقش روبرتس آثار الإنتاج الغذائي على الوضع الراهن.

"
ما يلفت الانتباه بشكل خاص تركيز المؤلف عبر صفحات الكتاب على أمثلة محددة والتعمق فيها لإبراز الخطوط العامة للنظام الغذائي الدولي، وهو ينتقل في ذلك بين أمثلة شديدة المفارقة
"
ففي الفصل الخامس "أكل من أجل القوة" يعرض الآثار السلبية للطابع الكوني لتجارة الغذاء، مثل سهولة تنقل الأمراض ويسر التأثر بارتفاع أسعار الطاقة وانحسار التنافس التجاري بين الاقتصادات الأكثر إنتاجا واستهلاكا للغذاء مثل الولايات المتحدة و الصين.

وفي الفصل السادس "نهاية الجوع" يصف المفارقة المتمثلة في استمرار الجوع ممثلا في نحو البليون جائع في العالم رغم أننا نعيش عصر وفرة الإنتاج الغذائي.

ويؤكد في الفصل السابع "نحنُ ما نأكله" أنه بقدر ما نجحت الصناعات الغذائية في الانتصار على بكتيريات كثيرة، بقدر ما خلقت في المقابل مخاطر جديدة.

أما الفصل الثامن "في المدى الطويل" فيعرض فيه العوامل التي تجعل تغيير النظام الغذائي العالمي أمرا ضروريا مثل تناقص خصوبة الأراضي الفلاحية وإنتاجيتها.

الجزء الثالث والأخير من الكتاب والمكون من فصلين، يناقش التحديات المطروحة إزاء معالجة النظام الغذائي الراهن. ففي الفصل التاسع "الحبوب السحرية" يحاول روبرتس التقليل من أهمية الأغذية الطبيعية بوصفها حلا سحريا للمعضلات التي تطرحها الأغذية المصنعة.

وفي الفصل العاشر والأخير ينقد أيضا البدائل الغذائية الأخرى وخاصة من جهة الموانع التجارية وإمكان نجاحها، ليطرح في النهاية سيناريوهات مستقبلية متعددة.

ما يلفت الانتباه بشكل خاص تركيز روبرتس عبر صفحات الكتاب على أمثلة محددة والتعمق فيها لإبراز الخطوط العامة للنظام الغذائي الدولي وهو ينتقل في ذلك بين أمثلة شديدة المفارقة.

ففي الفصل الثاني مثلا يركز على طبيعة العمل والتفكير في أكبر شركات الصناعات الغذائية في العالم شركة "نستلي" من خلال أحد مختبراتها في لوزان السويسرية.

ويعرض بشكل خاص المؤشرات التي تظهر الثقة الكبيرة والفخر البادي على مسؤولي التسويق في الشركة باتساع مجال استهلاك منتوجاتهم.

وهكذا يشير مسؤول التسويق في "نستلي" إلي لوحة إلكترونية تعرض عدد فناجين قهوة "نسكافي" المستهلكة عبر أنحاء العالم، مشيرة -لحظة نظر روبرتس إليها- إلى استهلاك "أربعة آلاف فنجان في الثانية".

على الجانب الآخر يعرض روبرتس في الفصل السادس مثلا مشهدا بائسا من أحد مزارع الذرة الكينية والتي ما زالت تعوّل على العوامل المناخية لأمطار الخريف، ما يفرض المجاعة دوريا على أربعة ملايين كيني كل سنة ويزيد من حالات هجرتهم الريف نحو العاصمة نيروبي ويقلص بالتالي من المساحات المزروعة.

وليست العوامل المناخية فحسب هي التي تؤثر على الوضع الصعب لشعوب أفريقيا جنوب الصحراء حيث توجد أكبر نسب الجوع في العالم، ولكن أيضا التنافس غير المتكافئ مع فلاحي دول الاتحاد الأوروبي.

حول معنى "نهاية" الغذاء

"
روبرتس يكرر تحذيرا مركزيا على مدى الكتاب أن البشرية على المدى القصير ستواجه صعوبات كبيرة لسد حاجات النسب السكانية الراهنة
"
بالتأكيد أصبحت الكتب التي تحتوي في عناوينها كلمة "نهاية" مضجرة نوعا ما لتكرارها وللشكوك حول مدى صدقيتها، وربما بحث كُتابها على الإثارة.

بعد "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" لفرانسيس فوكوياما في بداية التسعينيات، جاء دور فيلسوف الجماليات في جامعة برنستون أرثور دانتو الذي نشر كتابا لا يزال يثير الجدل وهو بعنوان "نهاية الفن"، مستعيدا نفس الأسس "النيوهيغلية" ("الهيغلية الجديدة") التي اعتمدها فوكوياما من خلال استرجاع رؤى الفيلسوف الألماني فيلهلم هيغل حول تاريخ الفن.

غير أن روبرتس ليس نيوهيغليا، ومعنى "النهاية" عنده يتعلق بنظرية التاريخ الدوري (cyclic history) وليس التاريخ "الجدلي" الهيغلي، إذ يعتبر أن الاقتصاد العالمي يمر الآن بنهاية ضرورية لمرحلة تاريخية صبغت النصف الثاني من القرن الماضي غلبت عليها "الوفرة".

ويبدو من الصعب حينذاك عدم ملاحظة رغبة المؤلف في تحقيق نوع من الإثارة بداية من عنوان الكتاب، خاصة أنه العنوان ذاته الذي صدر به كتاب آخر عام 2006 للصحفي توماس باوليك.

لكن في الوقت الذي كان فيه كتاب باوليك نقدا للأغذية الفلاحية المصنعة التي تفقد ليس فقط طعم الأغذية الفلاحية الطبيعية بل أيضا خصائصها المغذية، فإن كتاب روبرتس يتعلق بمعضلة أكثر إثارة للمخاوف، إذ "نهاية الغذاء" المقصودة هنا هي بالأساس نهاية "وفرة" عرضه مقارنة بنسب الطلب عليه.

يكرر المؤلف تحذيرا مركزيا على مدى الكتاب "نحن لسنا إزاء معضلة تتعلق بمدى كفاية مصادرنا الغذائية الراهنة لطلب ما يزيد عن التسعة مليارات نسمة بحلول العام 2070، بل قبل حتى هذا التاريخ وعلى المدى القصير ستواجه البشرية صعوبات كبيرة لسد حاجات النسب السكانية الراهنة".

النظرية المالتوسية حول مركزية النمو السكاني في تحديد توفر الغذاء ليست حاضرة كخلفية فلسفية فحسب عند روبرتس، بل هي معلنة كمنهج تحليلي منذ البداية.

ومثلما أشار في كتابه السابق "نهاية النفط" يركز المؤلف على الحاجيات المتزايدة الصادرة من اقتصادات صاعدة تحتوي عدد السكان الأكثر ارتفاعا في العالم مثل الصين والهند.

ارتفاع مستوى المعيشة في هذه الأماكن لا يعني فقط حاجات متزايدة لمواد لم يتعود الصينيون مثلا على استهلاكها بشكل منتظم، بل تأثيرا مباشرا على الحاجات الزراعية لهذه المواد ذاتها للنمو.

على سبيل المثال مع التزايد المطرد لاستهلاك لحوم الأبقار سيطرأ تزايد مباشر على طلب الحبوب، بما أن كل بقرة تحتاج إلى تسعة كيلوغرامات من الحبوب كي ينمو فيها أقل من نصف كيلوغرام من اللحم.

تتعلق مجموعة المعطيات التي جمعها روبرتس بمؤشرات أخرى ليست أقل إثارة للقلق من تأثير نمو الحاجات الغذائية لأعداد متزايدة من سكان العالم، منها مثلا تناقص الأراضي المروية، والغلاء المتزايد للمخصبات الفلاحية، وتراجع جودة التربة الزراعية بتأثير إجهادها والإنتاج المكثف ما يؤدي كل عام إلى خسارة مئات آلاف الهكتارات من الأراضي المزروعة، وطبعا التراجع المرتقب للموارد المائية بتأثير الانحباس الحراري.

"
يمكن تفهم كتاب روبرتس كآخر الإنذارات على مخاطر تقلص -إن لم يكن نهاية- مرحلة الوفرة الغذائية، لكنه يبقى احتمالا يخضع لمبادرات وخيارات بشرية وليس كحتميات لا يمكن الفكاك منها
"
فوق ذلك وربما الأهم، هيمنة الكارتيلات الصناعية الزراعية الكبيرة على هياكل الإنتاج جعل الفلاحة العالمية مرتبطة هيكليا بموارد الطاقة وتحديدا النفط.

وطبعا فإن ارتفاع أسعار النفط بات يؤثر بشكل بالغ وفوري على أسعار الغذاء وموارد إنتاجه. و تعقدت هذه العلاقة مع توجه متسارع من قبل عدد كبير من دول العالم لإنتاج مادة الإيثانول بغاية التعويض الجزئي للمحروقات البترولية، ما يعني مصدرا استهلاكيا جديدا لبعض المواد الزراعية الأساسية يزيد في الطلب ويقلص من المساحات المزروعة الموجهة للتغذية.

وهكذا يبدو السيناريو كارثيا من هذه الزاوية وليس مجرد عنوان مثير. وعدا ذلك يجب أن لا يكون مفاجئا حيث أتت تقارير منظمة الغذاء والزراعة (الفاو) على عدد هام من هذه النقاط وأطلقت تحذيرات قوية خاصة منذ صيف 2006. لكن هل مسار "نهاية الغذاء" مثلما هو معلن من قبل روبرتس مسار حتمي؟

سيكون من غير الجدية الاستشهاد بالمالتوسية كنمط تحليلي بعد كل إنجازات الاقتصاد السياسي، وبمعزل عن الخلفيات الأيدولوجية من ريكاردو إلى ماركس والتي أشارت بشكل واضح إلى العامل المركزي للهياكل الاقتصادية بما في ذلك علاقات الإنتاج منذ الصعود التاريخي للرأسمالية في تحديد مسائل الجوع والثروة.

وفرة الإنتاج هي الصيغة الملازمة من دون توقف للنمط الرأسمالي، وهي إحدى مميزاته الرئيسية التي تضعه في خانة مفارقة لما قبله حينما كان الجفاف الدوري، معززا بالأوبئة، المصادر الأساسية للحلقات الدورية للمجاعات.

بهذا المعنى تبدو الإدانة الطهرانية -والرومنطيقية بالأساس- للهياكل الصناعية للزراعة اليوم بلا جدوى، فبدونها لا يوجد أي أفق سوى التاريخ الدوري للمجاعات ما قبل الرأسمالية.

روبرتس لا يغرق على أي حال في المنطق المالتوسي خاصة في حساباته الرياضية التي تفترض نسبا ثابتة لنمو الحاجة الغذائية.

ويقوم على هذا الأساس بتنسيب تحذيراته الكارثية كما يجب أن يفعل أي كاتب يفهم حدود عناوين الإثارة المالتوسية الصادرة ضمن ظروف ما قبل عصر تصنيع الزراعة.

يركز روبرتس بشكل خاص على مرونة حجم المعدة البشرية التي تصغر وتكبر حسب العادات الغذائية وليس حسب الحاجات الغذائية.

وهكذا يبدو نظام الحمية "الغربي" المساعد على التخمة والمنتقل سريعا إلي الرأسماليات الآسيوية الصاعدة، هو المشكل وليس نسب الإنتاج التي سجلت بالمناسبة ارتفاعا يفوق 5% هذا العام في الإنتاج العالمي للحبوب.

ضمن هذا الإطار يمكن تفهم كتاب روبرتس كآخر الإنذارات على مخاطر تقلص -إن لم يكن نهاية- مرحلة الوفرة الغذائية. لكن يبدو ذلك احتمالا من جملة احتمالات تخضع في الأخير، مثلما هو الحال في مواضيع الطاقة والانحباس الحراري، لمبادرات وخيارات بشرية وليس كحتميات لا يمكن الفكاك منها.

"نهاية" الوفرة الغذائية ستكون أفقا واقعيا في حالة التمسك بأنظمة حمية غذائية تتجاهل السمنة وتفضل الوجبات المتخمة خاصة في المجال الغربي الرأسمالي.

فمن بين أكثر الأرقام التي ذكرها روبرتس إثارة للاهتمام أنه مقابل نحو المليار "جائع" اليوم يوجد قرابة المليار شخص يعانون "السمنة". لكن الوضع يبدو أكثر تعقيدا من أن تحله "ثورات" في محتويات قوائم الطعام.

وهنا تبرز علاقات الإنتاج والتسويق الفلاحية الدولية التي سيتم حسم جزء هام منها في المستقبل القريب بين الدول الأكثر تصنعا والبقية النامية ضمن مسار مفاوضات "منظمة التجارة العالمية"، بوصفها مجالا حاسما في اتجاه تعديل -أو عدم تعديل- موازين الاستهلاك الغذائي لغاية حماية حد أدنى من "الوفرة" للجميع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك