عرض/ تامر أبو العينين

يسلط هذا الكتاب الضوء على ظاهرة انتشار الرقيق الأبيض في أوروبا، حيث اتفق خبراء الجريمة والاجتماع على تسميتها "العبودية الحديثة"، وربطها بتجارة البشر وعصابات الجريمة المنظمة.

ويتتبع هذا الكتاب مصير بعض النسوة ممن سقطن في براثن تلك العصابات، التي تتوزع أنشطتها على جميع كبريات المدن الأوروبية.

- الكتاب: المرأة سلعة
- المؤلفتان: ماري كرويتسر وكورينا ميلبورن
- الصفحات: 234
- الناشر: إيكوفين، سالزبورغ، النمسا
- الطبعة الأولى/2008

كما يقدم على امتداد سبعة فصول تفاصيل دقيقة لتجارة النساء في أوروبا، مدعومة بـ119 وثيقة تؤكد صحة المعلومات الواردة فيه، مثل دراسات وتقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وتصريحات لكبار المسؤولين، وبعض الضحايا والشهود.

وتقول الناشطة في مجال الدفاع عن المرأة إنجه بيل في مقدمة الكتاب "قد يبدو مصطلح تجارة البشر شبيها بالروايات الأميركية البوليسية، لكنه يعكس حقيقة حزينة تعيش وسط المجتمعات الأوروبية".

وتستند بيل -التي حازت مع المؤلفتين على جائزة "سيدة أوروبا 2007- إلى تقارير دولية تشير إلى أن النساء الضحايا ينحدرن من أفقر دول العالم مثل جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق وأفريقيا وأميركا اللاتينية وجنوب شرقي آسيا، خاصة في المناطق التي شهدت حروبا أهلية أو ارتفعت فيها معدلات البطالة بشكل كبير وتعرضت للاستغلال الاقتصادي وعدم الاستقرار السياسي، فكانت المرأة هناك الخاسر الأول دائما.

أما هذا المصير المؤلم الذي وصل إليه ضحايا تجارة البشر، فهو "نتيجة استغلال أوضاعهن الصعبة التي تجعلهن يقعن ضحية وعود كاذبة بحياة أفضل في الغرب الغني، حيث الجنة الموعودة، ومن لا تنزلق وراء تلك الوعود يتم اختطافها وتهريبها عنوة".

أول الخيط
ينطلق الفصل الأول من أول خيط أمسكت به المؤلفتان قادهما نحو هذا العالم المجهول، وهي ظاهرة انتشار فتيات أفريقيات في شوارع العاصمة النمساوية فيينا منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي، كلهن يعملن بائعات هوى في ظروف سيئة للغاية، وكأنهن أتين من المجهول ونسيهن القدر، لكنهن يمثلن إحدى شرائح المجتمعات الأوروبية.

ثم كان لقاء المؤلفتين مع شابة نيجيرية لدراسة كيفية تأسيس منظمة غير حكومية للعمل ضد تجارة النساء الأفريقيات، ومعها كان المولج إلى هذا العالم والتعرف على ما يحدث هناك، من خلال اعترافات زوجها بأنه قواد يغرر بالفتيات، ويفرض عليهن إتاوة أسبوعية قد تصل إلى ألفي يورو، لتسديد ما عليهن من ديون تراكمت بسبب تكاليف إحضارهن.

والمثير أن الفتيات يمكن بيعهن لمن يتولى مسؤولياتهن، فثمن الواحدة يتراوح بين 15 ألفا وعشرين ألف يورو، ولا يُشترط أن يكون المشتري مقيما في نفس البلد الذي يعملن فيه، إذ تتولى أمرهن نسوة تحرص على إبقائهن دائما تحت تأثير التهديدات لإجبارهن على العمل وإغلاق أية فرصة للهروب.

وتعترف المؤلفتان أنهما أطلتا على عالم جديد تماما تفاصيل صورته "أمثلة مؤلمة من تجارة عولمية، عناصرها الجنس والعنصرية والاستغلال الاستعماري، تجتمع كلها في شوارع أوروبا وتحمل معها أقدار فتيات، قصة كل واحدة منهن تحبس الأنفاس".

"
يتم استدراج الضحايا عن طريق وعود عمل وهمية كمربيات أطفال أو عاملات أو للعمل في دور رعاية المسنين، ثم يكتشفن مهامهن الحقيقية عقب الوصول وأنها ليست سوى العمل بالدعارة
"
اقتفاء الأثر
ينطلق الفصل الثاني من الكتاب في اقتفاء أثر تجارة البشر انطلاقا من نقطة النهاية في أوروبا، حيث يتم تداول قرابة مائة ألف امرأة بين كبريات العواصم الأوروبية للترويج لتلك التجارة التي يصل حجم مبيعاتها السنوية إلى عشرة مليارات يورو، أما على مستوى العالم فيصل عدد أولئك النسوة إلى حوالي أربعة ملايين يتم الاتجار بهن لمختلف الأغراض.

نقطة انطلاق التجارة كانت إيطاليا مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، ومنها توسعت شمالا وغربا، ثم دخلت أوروبا الشرقية والبلقان على الخط.

يتم استدراج الضحايا -حسب شهادتهن- للسفر بوعود عمل وهمية كمربية أطفال أو عاملة أو في دور رعاية المسنين، ثم يكتشفن مهامهن الحقيقية عقب الوصول وأنها ليست سوى العمل بالدعارة.

ومن تتمرد تلقى صنوفا من العذاب كالضرب المبرح والكي والتجويع والتهديد بالقتل الذي قد يتم تنفيذه أمام الجميع لتعرف الأخريات أنه لا مجال للتفاوض، وأن الشرطة لن تحمي أيا منهن، ومن تلقى حتفها يتم إلقاؤها على قارعة الطريق.

ديون الضحية تتوزع بين التاجر الذي اشتراها، وعصابات التهريب التي تكفلت بتوصيل "السلعة" إلى الأراضي الأوروبية، والقوادون الذين يريدون تسديد ثمن المسكن والمأكل والمشرب والحماية، مما قد يرفع هذا المبلغ إلى ستين أو سبعين ألف يورو، فتجد النسوة أنفسهن أسيرات لتلك الديون التي لا تنتهي.

ويتم الاتفاق بين التجار وعصابات التهريب على عدد النسوة المطلوبات، بناء على "أماكن التسويق الجديدة التي ينجح القوادون في افتتاحها".

ويكون السعر مرتفعا إذا كان التاجر هو الذي يطلب البضاعة، أما إذا بادر المهربون بتقديم ما لديهم من "بضاعة حاضرة"، فالتفاوض يكون عسيرا طبقا لنظرية العرض والطلب، فلا يزيد سعر الفتاة هنا عن عشرة آلاف يورو.

ومن المثير -حسب الكتاب- دور النساء أنفسهن في تلك الشبكات، إذ إن بعضهن كن في السابق من الضحايا ثم يجدن أنفسهن داخل الدائرة، فمن تتقادم لا تجد أي عمل آخر تمارسه، فتبدأ في التعامل مع التجار والقوادين على مستوى آخر.

أما "تسويق البضاعة" فسهل كما يرى الكتاب "لأن القوانين الأوروبية مطاطة ولا تعاقب على الدعارة، إلى جانب التهديدات المتواصلة للضحية وأسرتها، مما يجعل الفتيات يلتزمن الصمت ولا يبحن بأسرار الشبكات التي يعلمن لها، إلا في حالات نادرة".

سادية المستهلك
الفصل الثالث يتناول الرجل الأوروبي أو "مستهلكو تلك البضاعة البشرية"، ويكشف من خلال شهادتهم عن البعد العنصري في استغلال الأجنبيات، "إذ يتم النظر إليهن كعبيد وبضاعة رخيصة يجب عليهن تلبية رغبات الرجل الأبيض القوي في امتلاك الآخر وتسخيره وممارسة كافة أنواع السادية عليه".

"
تورط بعض الشخصيات العامة البارزة في تجارة النساء من أوكرانيا مثل المذيع الألماني اليهودي ميشيل فريدمان لم يحرك ساكنا
"
وحتى لو حاول أحد الرجال مساعدة ضحية فسيجد نفسه أمام مسؤوليات جسيمة كسداد الديون مما يضطره إلى التراجع.

وحتى لو تمكن من فك الضحية من أسرها فلن يتمكن من إعادها إلى الحياة الطبيعية العادية، بل إن بعض من يساعدون الضحايا يتحولون تلقائيا إلى ملاك جدد لتلك البضاعة، لا لبيعها مجددا ولكن لتكون أمة لديهم.

غالبية المستهلكين يرفضون البوح للسلطات بما يعرفونه عن تلك الشبكات، فهذا النوع من البضاعة العلنية يتم استهلاكها سرا، والكثيرون ليسوا على استعداد للكشف عن هويتهم، خوفا من الدخول في مواجهات مع العصابات.

في المقابل، ما إن تشتبه شبكة الرقيق في وجود علاقة ودية بين ضحية وأحد الرجال، حتى يتم تغير مكان عملها، ونقلها إلى دولة أخرى أو بلد آخر عن طريق البيع أو المقايضة، خوفا من أية تبعات محتملة.

والمستهلك لا يكون دائما نكرة، بل أحيانا ذائع الصيت "مثل تورط بعض جنود قوات حفظ السلام الدولية في إقليم كوسوفو والبوسنة والهرسك في تشجيع الدعارة، رغم إدراكهم أنهم يتعاملون مع شبكات لتجارة البشر.

ولم يتحرك أحد رغم حجم الفضيحة المدوية، كما أن تورط بعض الشخصيات العامة البارزة في تجارة النساء من أوكرانيا مثل المذيع الألماني اليهودي ميشيل فريدمان لم يحرك ساكنا.

مسيرة عبر الجحيم
وبينما يهتم الفصل الرابع بالظروف المعيشية للضحايا في بلدانهن بما فيها من فقر وجهل وتهديدات المهربين، يركز الفصل الخامس على تفاصيل الرحلة إلى أوروبا، إذ يصفها الكتاب بأنها "مسيرة عبر الجحيم"، استنادا إلى روايات من خضن تلك التجربة.

ففي نهاية القرن الماضي كان نقل البضاعة يتم بالطائرات إلى إيطاليا، لكن تشديد قوانين التأشيرات سد هذا الباب، وإن لم يثن العصابات عن ابتكار وسائل أخرى، أشهرها السير في قوافل عبر الصحراء القاحلة من وسط أفريقيا وصولا إلى شواطئ المتوسط ثم رحلة قوارب الموت، أما بضاعة شرق أوروبا ووسط آسيا فتصل عبر طرق جبلية وعرة.

وقبل رحلة الصحراء يتم تجميع الفتيات في معسكرات معزولة لتأهيلهن لمرحلة الخضوع والاستسلام، حيث الطعام قليل على سوئه والماء نادر، وكلما أحس التاجر أن اليأس تسرب إلى نفوسهن، تيقن أنهن أصبحن طوع أمره وأنهن لن يتمردن عليه لأن العقاب سريع ومؤلم.

فلا تجد الفتيات بديلا عن الطاعة أملا في انفراج لا يأتي أبدا، ومن تصاب بإعياء أو مرض يتركونها حيثما سقطت.

وما إن تصل "البضاعة" شمال أفريقيا، وقد بلغت من الإعياء أقصاه وقتلت الرحلة القاسية كل الأحاسيس لديها والمشاعر، حتى تجد النسوة أنفسهن لقمة سائغة في يد المهربين، يمهدونهن لما هو آت.

وهناك، على الشاطئ الآخر من المتوسط، يتلقفهن آخرون يقومون بعملية الفرز والتوزيع على التجار حسب الطلبات وأماكن العمل، ويبدأ الدخول في "آخر مراحل التسويق".

"
الضحايا لا يحصلن على أية حماية قانونية من الدول التي تمتهن فيها كرامتهن في أوروبا رغم وجود أعداد هائلة من الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين التي تجرم الاتجار بالبشر وإرغام النساء على البغاء
"
حكومات قوادة؟
هكذا كان عنوان الفصل الخامس بحثا عن دور أوروبا في تلك المأساة، حيث ما تزال تجارة النساء في توسع.

وقد أوضح الكتاب أن الضحايا هناك لا يحصلن، رغم وجود أعداد هائلة من الاتفاقيات والمعاهدات والقوانين التي تجرم الاتجار بالبشر وإرغام النساء على البغاء، على أية حماية قانونية من الدول التي تمتهن فيها كرامتهن.

لكن مسؤولية أوروبا تبدأ -حسب الكتاب- من منح تأشيرات الدخول التي يتم الحصول عليها عن طريق رشى يسددها المهربون لبعض السفارات في الدول التي ينتمي إليها أغلب الضحايا.

وفي مرحلة ثانية تتحمل أوروبا مسؤولية عدم السماح للأجنبيات بمزاولة أي عمل آخر سوى الدعارة.

ويؤكد الكتاب أن تلك التوجهات تعني "نحن نسمح بدعارة تعمل فيها الأجنبيات فقط"، ويستدل على ذلك بارتفاع نسبة الأجنبيات اللائي يعملن في تلك المجالات، إذ تصل إلى 90% في بعض الدول الأوروبية.

ويصل الكتاب إلى حقيقة مفادها عدم وجود أي تنسيق في مجال مكافحة تجارة البشر، خاصة أن الحالة الوحيدة التي احتفى بها الإعلام الغربي عام 2007 حين تم الإمساك بعصابة هولندية تاجرت بأفريقيات، كانت بسبب وشاية عصابة إيطالية منافسة، أرادت إزاحة المنافسين لإفساح المجال لبضاعتها بثمن باهظ.

وحتى في حالات وصول الأمر إلى القضاء فإن العقوبات لا تتناسب مع فداحة الجرم، لأن القضاة لا يرون علاقة بين عمل القواد وتجارة البشر، "خاصة أن الأول مسموح به قانونا وليس بالضرورة أن يكون له علاقة بالثاني".

خطوات مطلوبة
ويختص الفصل الأخير من الكتاب ببعض التوصيات التي يمكن أن تقلل من تلك الظاهرة، موضحا أن القضاء على الدعارة إذا لم يكن واردا في النظم الأوروبية، يكون واجبا على من يقننها هناك أن يوفر الحماية للضحية ويضع عقوبات صارمة رادعة للمتورطين.

ولا بد إلى جانب ذلك من مكافحة الرشوة في السفارات الأوروبية لدى الدول النامية، ثم تمويل برامج رعاية المرأة هناك.

وفي الأخير ترى المؤلفتان أن أيا من الضحايا لم تختر الوصول إلى هذا المصير، بل كن كلهن يطعمن في عمل مناسب وحياة كريمة لأسرهن، ولكنهن سقطن في شبكة بالغة التعقيد فأصبح مصيرهن الدمار والعيش في مأساة متواصلة.

ورأتا أيضا أن أغلب الحلول المؤدية إلى الخروج المنطقي من هذه المشكلة محكوم عليها بالفشل، وحتى من صادفتها معجزة النجاة، فمن يعالج جروح النفس التي يهددها -إن اندملت يوما- شبح الماضي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك