عرض/منتصر حمادة

نحن في ضيافة أول عمل عربي رصين يتعرض بالتأمل والتدقيق في حيثيات وتبعات إعدام الرئيس العراقي صدام حسين.

-الكتاب: تراجيديا إعدام رئيس عربي
-المؤلف: عبد الكريم العلوجي
-الصفحات: 208
-الناشر: دار الكتاب العربي. دمشق/القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008
والكتاب -كما يشير مؤلفه العراقي عبد الكريم العلوجي في التقديم- "ليس دفاعا عن مرحلة حكم الرئيس الراحل، بل هو حقيقة تتحدث عن مرحلة تراجيدية شهدها العالم بالصوت والصورة في أخطر لحظات التاريخ المعاصر، حيث شهد تنفيذ حكم الإعدام شنقا على الرئيس صدام حسين، وهو أول رئيس جمهورية في العالم العربي يحاكم وينفذ به حكم الإعدام".

والكتاب أيضا، شهادة على "القوة والصلابة والإرادة والتقبل والتحدي لاستقبال الموت، حتى لأنه تقبله بتهيئة النفس والروح والجسد، لذلك شاهدنا صلابته ووقوفه شامخا متحديا، حتى الموت تحداه وانتصر عليه، ولم يسجل التاريخ المعاصر هذه الوقفة الرجولية كما شهدناها مسجلة بلحظتها المأساوية".

ومن المهم التذكير بأن الكاتب لا علاقة له بأي تنظيم سياسي أو أيديولوجي مع نظام الرئيس صدام حسبن، من منطلق انتمائه لصف المعارضة، حتى أنه كان من أوائل المعارضين الذين هاجروا بعد استلام حزب البعث السلطة مباشرة عام 1968.

تفكيك شخصية صدام
يجزم المؤلف بداية أن شبق الرئيس العراقي للسلطة لا حدود له، بل إنه يؤمن أن مصيره ومصير العراق واحد ولا يمكن التمييز بينهما، ثم إن مفهومه عن ذاته متشابك مع الأيديولوجيا السياسية البعثية التي تريد إقامة أمة عربية واحدة في ظل زعيم واحد.

وبالطبع، لن يخرج هذا الزعيم عن صدام حسين، إنه يضع نفسه في مصاف زعماء التاريخ الكبار من قبيل نبوخذ نصر وصلاح الديني الأيوبي وجمال عبد الناصر وفيدل كاسترو وهوشي منه وماوتسي تونغ.

مرشد الكاتب في الرحلة النفسية المفككة لشخصية صدام حسين، هو ستيفن هامفريز، بروفيسور التاريخ والدراسات الإسلامية في جامعة كاليفورينا، والذي نشر مؤخرا كتابا مثيرا يحمل عنوان: "بين الذاكرة والرغبة.. الشرق الأوسط في عصر مضطرب".

ويشير هامفريز بداية إلى أن "الشرق الأوسط المريض، هو مخلوق خيالي أميركي بالكامل، ويمكن أن يتخذ شكل المتطرف الإسلامي المعولم (في شخص أسامة بن لادن) أو الرئيس ببذلة غربية كصدام حسين، ولكنه في جميع الأحوال، عنيف ولا عقلاني وتستهلك كراهية أميركا كل طاقاته".

وبدهي، أن يأتي صدام حسين على رأس القائمة، وهذه على أي حال، هي الرسالة التي طالما سعى الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، إلى زرعها في أذهان الشعب الأميركي.

"
شبق الرئيس العراقي للسلطة لا حدود له، بل إنه يؤمن أن مصيره ومصير العراق واحد ولا يمكن التمييز بينهما، ثم إن مفهومه عن ذاته متشابك مع الأيدولوجيا السياسية البعثية التي تريد إقامة أمة عربية واحدة في ظل زعيم واحد هو صدام حسين
"

يتوصل هامفريز إلى مجموعة من النقاط التي قد تصدم الكثيرين، ونحن القراء العرب، منهم، ومنها:

ـ أن غزو الرئيس العراقي للكويت كان متوقعا، وإن كان غير أخلاقي، فبضمه الكويت، كان صدام حسين، سيتخلص من الدين الكويتي (حوالي 30 مليار دولار) عبر قتل الدائن، إضافة إلى نفط العراق والكويت معا يشكلان نحو 20% من نفط العالم، وهذا ما كان سيمكنه ليس من إعادة بناء العراق المدمر وحسب، بل من أن يصبح القوة الأولى في منطق الخليج العربي، وفي الشرق الأوسط ككل.

ـ كان يحق للرئيس العراقي أن يعتقد أن الولايات المتحدة لن تقوم بأكثر من فرض عقوبات اقتصادية عليه لسببين اثنين: أولهما أنه أهم حليف لها طيلة عقدين كاملين من الزمن، والثاني أن أميركيا الخارجة من حربي فيتنام ولبنان، لن تجرؤ على تحمل خسارة بشرية في حرب مع العراق من أجل الكويت.

بالنتيجة، نحن إزاء رئيس عرف بأنه حاكم تميز بأسلوبه في الوصول إلى السلطة، وفي ممارسته، شأن جميع الزعماء المتسلطين بالمظاهر التالية:

ـ الاعتماد على وسائل عديدة للوصول إلى السلطة -المشروعة وغير المشروعة- فالغاية تبرر الوسيلة، كما جرى عمليا مع الانقلابات.

ـ الاستيلاء على صلاحيات الآخرين وتوسيع مدى صلاحياته لتشمل أوسع مروحة ممكنة من أجهزة الدولة الأمنية والعسكرية والمدنية والاقتصادية والسياسية طبعا.

ـ السيطرة المباشرة على "ثالوث" عصب الدولة: الأمن والمال والإعلام، واستثمارها داخليا وخارجيا.

ـ حماية الذات بشكل مطلق وحتى افتراضي، عبر شطب وإلغاء كل شخص منافس أو بديل محتمل مدعوم من مؤسسات الداخل أو الخارج، فالسلطة رأس واحد لا رأسان.

ـ وأخيرا، اعتبار إرادته جزءا من إرادة سياسية لا بد من تحقيقها فورا وبأسرع وقت ممكن، وبالتالي، لا بد من وضع إمكانات كافية -مهما غلت- لتحقيق هذه الإرادة.

مسرحية المحاكمة
استقبل صدام حسين قبل لحظات تلاوة التصديق على الحكم بإعدامه بثبات الأسود، والذي استهزأ بمنصة الإعدام، وبفرق الموت التي خربت العراق، وكان جسده في تلك اللحظات يتدلى من حبل المشنقة، كرئيس عاش بطلا، وأراد عبر هذا الصمود الأسطوري حتى في اللحظات التي يتدلى فيها من حبل المشنقة، وفي لحظات إعدامه، أن يعطي لهؤلاء الخانعين والمستسلمين دروسا في الكرامة، وعزة النفس، والشجاعة العربية الأصيلة.

من مفارقات مشهد الإعدام، أن وجه الرئيس صدام حسين كان مكشوفا، في حين أن فرقة الموت التي كانت تنفذ فيه حكم الإعدام، كان أفرادها يخفون وجوههم، وكأنهم يخافون ظله، وظل أنصاره، ليتستروا خلف هذه الأقنعة التي كشفت حقيقة هؤلاء الجبناء الذين لم يمتلكوا الشجاعة للظهور أمام الشاشات، إن كانوا يديرون أو يحكمون دولة كما يرددون.

كان أسوأ ما في شريط الفيديو، حسب رأي المؤلف، تلك الطريقة الهمجية التي سمح بها لمنفذي الحكم، وللجمهور الذي حضر تنفيذ الحكم، كما لو كان يحضر احتفالا وعرسا، حيث تتعالى الأصوات بالتشفي، والنطق بكلمات لا تليق في هذا الوضع، وبيوم عيد الأضحى، مما دفع الجنرال وليام كوليويل، الناطق باسم القوات الأميركية المحتلة للعراق للتصريح بأنه "لو تُرِك أمر التنفيذ لنا، لتصرّفنا بطريقة مختلفة".

لقد أدرك صدام حسين منذ بدء مسرحية محاكمته أن حكما بالإعدام سيصدر لا محالة بحقه، فالقضاة المزيفون وهيئة المحكمة المشكلة من الأفاقين، والخاضعة بالكلية للاحتلال، لم يكلفوا بمهمتهم تلك، سوى لتحقيق أهداف جورج بوش، وعملاء الاحتلال في التخلص من صدام، لذا راح هذا الأخير يطلب من القاضي الذي تولى محاكمته، وإصدار حكم الإعدام بحقه، أن يصدر حكمه رميا بالرصاص، لكونه قائدا عسكريا، وهي أمنية لم يحققها له القاضي الذي وقع قرار شنقا، ذلك الذي أقره البيت الأبيض.

"
من مفارقات مشهد إعدام صدام أن وجهه كان مكشوفا، في حين أن فرقة الموت التي كانت تنفذ فيه حكم الإعدام كان أفرادها يخفون وجوههم، وكأنهم يخافون ظله وظل أنصاره
"
ورب معترض يقول إنه لا توجد وثيقة أميركية رسمية تثبت أن الإدارة الأميركية كانت ترفض صدور قرار الإعدام، لولا أن شهادة الجنرال وليام كوليويل التي أوردها المؤلف، تزكي ما استخلصه المؤلف في اتهاماته للإدارة الأميركية بالتورط في المحاكمة وإصدار قرار حكم بالإعدام.

ثم إن البلد محتل برمته، والمتتبع ليس في حاجة إلى وثائق ليتأكد من عكس هذا المعطى، كما هو قائم اليوم في عراق ما بعد صدام حسين. وإجمالا، جاء إعدام صدام بعد محاكمة هزلية من إقالة قاضيين واغتيال خمسة من محامي الدفاع وطرد آخرين من قاعة المحكمة، فضلا عن أن الحكم جاء انتقاما من حادثة الدجيل عام 1982.

بالنسبة للدائرة المحيطة بنوري المالكي، فقد كان الإعدام لحظة انتقام، بالإضافة إلى فرصة لإبلاغ سُنّة العراق أنه بعد قرون من الخضوع، جاء دور الشيعة للإمساك بالسلطة، وساهم على الخصوص في تعميق الخلافات المذهبية في العراق وفي العالم العربي والإسلامي (ويتذكر الجميع تلويح بعض القادة العرب بتبعات تصاعد "الهلال الشيعي" في الشرق الأوسط)، ولربما تصورت الإدارة الأميركية وبوش أن تحميل المسؤولية للحكومة والأحزاب الشيعية قد يعفيها من المشاركة المتعمدة في هذه الجريمة.

وعموما، كان تعجيل حكومة المالكي في تنفيذ حكم الإعدام، سببا وراء السقوط في لائحة من الأخطاء، يهمنا التوقف عند بعض منها:

ـ استعجالها تنفيذ الإعدام، بحيث كان في استطاعتها استكمال محاكمته في قضية الأنفال وغيرها من القضايا، وكان استمرار هذه المحاكمات، قد يساهم في تسليط الضوء على الكثير من الأسرار والقضايا وكشف الحقائق وتركه يجيب عن أسئلة كانت حائرة تتعلق بأحداث عراقية وإقليمية ودولية.

ـ كان الخطأ الثاني في إعدامه، على اعتبار أنه يعيق ما يسمى جهود المصالحة، أو المشروع الذي أطلقه المالكي، والإسهام بالتالي في تبديد الشعور لدى الفرق العراقية أن سقوط صدام ليس سقوط طائفة، بل سقوط فرد حكم مرحلة مهمة من تاريخ العراق والمنطقة.

ـ يكمن الخطأ الثالث في تنفيذ الحكم، فقد كان ممكنا أن تتقدم وتستكمل في وضع جدول زمني للانسحاب الأميركي، وأن يعلن بدء انسحاب القوات الأجنبية من العراق، وكان عليها أن توطد الأمن واستكمال المصالحة بدل الوقوع في الخطأ والاعتقاد أن إعدام صدام حسين يثبط عزيمة خصومها ولا يبقى لأنصاره غير اللحاق بقطار المصالحة، لولا أن الإعدام جاء ليشعل التقاتل المذهبي والتدهور الأمني والوجود الأجنبي الذي سيزيد ويعمق مشاعر الخلاف.

ـ وأخيرا، يكمن الخطأ الرابع في توقيت حكم الإعدام، من خلال تنفيذه يوم عيد الأضحى المبارك.

تبعات إعدام صدام
مع اعتقال صدام حسين، انتهى فصل دام من التاريخ العربي، يطلق عليه المؤلف اسم مرحلة "القومية العربية الرومانسية"، أو القومية التي كانت مغرقة مثلها مثل نظيراتها الحركات الأوروبية، في التركيز على الهوية والانتماء، والمتطرفة في إهمالها للبرامج السياسية المحددة لتنفيذ أهدافها في بناء دولة الأمة.

كان حدث الإعدام دليلا جديدا على مدى وعورة التجربة العراقية، ومقدار ما أصابها من وهن طائفي وتناحر مذهبي، وبات يمثل الخلفية الرئيسية للعلاقة بين أطياف الشعب العراقي. ولعل أسوأ ما في مشهد الإعدام، أن يجري تسويقه كما لو أنه نصر سياسي، ويعزز مكاسب طرف مقابل الأطراف الأخرى في العملية السياسية، دونما أي اعتبار لتداعيات مثل هذا الحدث على الذاكرة الطائفية لدى بعض المتأثرين بمشهد الإعدام، وهو ما قد يعد تكريسا لنفس الإستراتيجية التي اتبعها الاحتلال وحكومته.

"
إذا كان قرار الإعدام قد حقق بعض المطامح السياسية ورضى القطاعات التي جاءت مع الاحتلال, فإنه في المقابل اقترن هذا "النصر السياسي" بهزيمة أخلاقية على اعتبار أن توقيت الإعدام كان وسيظل موضع نقد
"

ويضيف المؤلف أن وصف النظام القائم في العراق اليوم بأنه طائفي، لا يعدو أن يكون أمرا بدهيا، وكون الأغلبية الممسكة بمقاليده موغلة في عمى طائفي يفسر ما أقدمت عليه في عملية الإعدام، ويعطي الأدلة على أن الحكومة العراقية في إقدامها على تنفيذ حكم الإعدام في عيد الأضحى لم تجد من "عذر" تلوذ به غير القول بأن ذلك اليوم لم يكن عيدا لدى الشيعة.

وهو عذر منغلق في مرجعيته الذاتية الطائفية المتطرفة، ولعل أقبح ما يبرزه الشريط الذي صور بواسطة هاتف محمول، هو أن الدولة أو الحكومة العراقية ليست واقعة تحت الطائفية بعيها، بل إنها فوق ذلك "مُمَيْلَشة"، والتي يبدو أن هذه المليشيات استحوذت على الإشراف وتنفيذ حكم الإعدام.

وإذا كان قرار الإعدام قد حقق بعض المطامح السياسية ورضى القطاعات التي جاءت مع الاحتلال بدافع الانتقام والثأر بعيدا عن القانون والدولة المدنية التي كانوا نصبوا إليها، فإنه في المقابل، اقترن هذا "النصر السياسي" بهزيمة أخلاقية، على اعتبار أن توقيت الإعدام كان وسيظل موضع نقد من منطلق انتهاكه لرمز إسلامي مقدس هو عيد الأضحى الذي اعتادت فيه الثقافة العربية الإسلامية، أن يكون مناسبة للتراحم أو الغفران، لا أن يكون موعدا لتنفيذه، وهذا ما استنكرته كل الدول وقطاعات كبيرة واسعة في هذا اليوم بالذات.

ويمكننا إضافة طبيعة الهتافات والبذاءات التي رافقت عملية التنفيذ، وخطاب التشفي بالتقاط الصور حتى الوصول لمنصة الإعدام، ليتحول سير التنفيذ من قضية إجرائية قانونية إلى ما يشبه حفلة غوغاء في الشنق العشوائي كما يسميه فقهاء القانون.

يجزم الكاتب في أكثر من موقع من عمله الجريء، أن ما حدث للرئيس العراقي على أيدي المليشيات هو الانتقام الطائفي والسياسي، محملا المسؤولية لحكومة المالكي وكذلك الإدارة الأميركية والرئيس جورج بوش، مما يستدعي طرح أسئلة ضرورية حول من يقف وراء هذه الجريمة وحول حقيقة السياسة الأميركية نحو الشرق الأوسط بعد إعدام صدام حسين، حيث أفرزت دلالات مخيفة ليس في العراق وإنما في كامل المنطقة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك