عرض/بدر محمد بدر
كتاب "رحلتي الفكرية.. في البذور والجذور والثمر" هو خلاصة دسمة لمسيرة حياة المفكر الموسوعي الراحل الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي كتب في مجالات كثيرة, لكنه تخصص في دراسة اليهود والصهيونية, وأبرز مؤلفاته هي الموسوعة الشهيرة التي صدرت في العام 1999 بعنوان: "اليهود واليهودية والصهيونية".

الكتاب الذي بين أيدينا هو لون جديد من ألوان الكتابة عن رحلة الحياة, لا ينتمي لفن المذكرات الشخصية التي تتناول مراحل حياة المؤلف بشكل مفصل, بل هي مذكرات فكرية موضوعية مخلوطة بقضايا وأفكار ومواقف شخصية, في إطار تكاملي تحليلي جديد, يقول عنه المؤلف في مقدمته "الصفحات التالية هي قصة حياتي, أو رحلتي الفكرية كمثقف عربي مصري, ترصد تحولاتي الفردية في الفكر والمنهج, ولكنها تؤرخ في الوقت نفسه لجيلي أو لقطاع منه, كما أن الجزء الثاني هو محاولة لعرض بعض أفكاري الأساسية, كما تتمثل في معظم أعمالي".

والكتاب مكون من جزأين وعشرة فصول, يتحدث الدكتور المسيري في بدايتها عن البيئة التي ولد ونشأ فيها، حين ولد عام 1938 في مدينة دمنهور, عاصمة محافظة البحيرة شمال الدلتا, وهي تبعد عن مدينة الإسكندرية بنحو 60 كلم, وكيف أن عبق التاريخ في هذه المدينة كان يملأ عليه نفسه وترك أثرا عميقا فيه بعد ذلك.

ويمر المؤلف سريعا على مشاركته، وهو تلميذ صغير في المظاهرات ضد الاحتلال الإنجليزي, ثم انضمامه لحزب "مصر الفتاة" الذي كان يقوده الزعيم أحمد حسين في أوائل الخمسينيات.

ثم انتقل المؤلف إلى جماعة الإخوان المسلمين لمدة عامين, لكنه أيضا تركها مع بداية ثورة يوليو/ تموز 1952, وانضم للحرس الوطني وهيئة التحرير, وفي العام 1955 انضم للحزب الشيوعي المصري, حتى تركه كذلك عام 1959, وهو العام الذي تخرج فيه, حاملا درجة الليسانس في كلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم اللغة الانجليزية, وتم تعيينه معيدا بها.

- الكتاب: رحلتي الفكرية
- المؤلف: عبد الوهاب المسيري
- عدد الصفحات :726
- الناشر: دار الشروق, القاهرة
- الطبعة: الأولى 2006

حضارة أكثر دفئا
ويستفيض المؤلف في وصف بلدته دمنهور, وهدوئها والدفء العائلي بين أسرها, والقيم والمبادئ التي تحكم حركتها الاجتماعية والإنسانية, ومدى أهمية التراث الثقافي والاجتماعي في تلبية احتياجات الحياة فيها, بل وتمازج الأفراد والعائلات على اختلاف وضعها الاجتماعي أو الديني أو الثقافي, مما تفتقده الحياة الحديثة الآن بدرجة كبيرة.

ويوجز رؤيته الاجتماعية لهذه المرحلة في العبارة التالية "هل يمكن أن ندخل العصر الحديث, دون أن نضيع تلك العناصر الإيجابية التي يتسم بها المجتمع التقليدي؟ وهل يمكن أن ندخل المستقبل ومعنا ماضينا, نحمله هوية وذاتا تحررنا من اللحظة المباشرة, وتحفظ خصوصيتنا, وتساعدنا على أن نجد اتجاهنا, لا كعبء يثقل كاهلنا؟".

إنه هنا لا يدعو إلى العودة إلى الماضي، فهذا مستحيل بالطبع، لكنه ينبه إلى أن المجتمعات التقليدية كانت تحوي منظومات قيمية وجمالية, لم يؤد تدميرها وتقويضها بالضرورة إلى مزيد من السعادة, كما أن الأشكال الحضارية الحديثة (المستوردة عادة) ليست هي الأشكال الحضارية الوحيدة, بل هناك أشكال أخرى قد تكون أكثر ثراء وأكثر دفئا, والأهم أنها قد تكون أكثر تجذرا, وضياع مثل هذه الأشكال خسارة حقيقية.

وفي الفصل الثاني يتحدث الدكتور المسيري عن بداية انفصاله الفكري عن حياة أسرته التي امتهنت التجارة, وعاشت حياة مادية ميسورة, ويلقي الضوء على تجربته المادية والماركسية, التي بدأت مع دراسته للفلسفة في المرحلة الثانوية.

والسؤال الذي حار في إجابته عن أصل الشر في العالم, والحكمة من وجوده, حتى قرر ألا يصلي أو يصوم حتى يجد إجابة تريحه عن هذه الأسئلة التي باتت تشغله.

ثم بدأ يقرأ عن الماركسية والمادية, حتى انضم للحزب الشيوعي, لكنه لم يصل، كما يقول، إلى الإلحاد, وعندما انخرط في صفوف الحزب سرعان ما اكتشف أن السلوك الشخصي للرفاق كان متناقضا مع أي نوع من أنواع المثاليات الدينية أو الإنسانية, وأن كمية النرجسية عند بعضهم كانت ضخمة للغاية, وأن ماركسية بعضهم كانت تنبع من حقد طبقي أعمى, لا من إيمان بضرورة إقامة العدل في الأرض, لهذا قدم استقالته, وطلق ماركسيته طلاقا بائنا.

"
التقدم الغربي هو ثمرة نهب العالم الثالث, والحداثة الغربية لا يمكن فصلها عن عملية النهب هذه, ونهضة الغرب تمت على حساب العالم بأسره, لكل هذا لم أعد أتحدث عن التراكم الرأسمالي, وإنما عن التراكم الإمبريالي
"
الذئاب الثلاثة
وينتقل بنا المؤلف في الفصل الثالث إلى الولايات المتحدة الأميركية, عندما ذهب إليها لدراسة الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنجليزي, في جامعة كولومبيا بولاية نيويورك عام 1963, وكيف أنه فشل فشلا ذريعا في امتحان قياس المهارة الثقافية واللغوية على النمط الأميركي (صح وخطأ), لكنه حصل على أعلى درجة عندما تجاوب مع هذا النظام الذي يصفه بالسذاجة والأحادية والخيلاء.

ويتناول المؤلف الكثير من المواقف بين دراسته وعلاقته بالمجتمع الأميركي الذي تجسدت فيه الحضارة المادية بكل معانيها, الأمر الذي هز فيه الكثير من القناعات حول المنهج المادي والمقولات الفكرية الحداثية, حتى حصل على درجة الدكتوراه في العام 1969.

وعندما قرر العودة إلى مصر كان يحمل معه ثقته الكبيرة بقدرته على التغيير وإقامة العدل في الأرض, وقرر أن يصبح ناقدا أدبيا, يربط الأدب بتاريخ الفكر.

وعندما حاول التأقلم والتكيف مع المجتمع المصري, تعرض لهجوم "ذئاب ثلاثة" هي:
الأول: ذئب الثروة, أي الرغبة العارمة في أن يكون ثريا, ووجد من السهل أن يتغلب على هذا الذئب, مستعيضا عن الثروة بالحكمة, وأن العلاقات الإنسانية الدافئة أفضل من التراكم الرأسمالي.

وهو يرى أن المال يشكل عبئا على البعض, يفنون حياتهم في جمعه, وبالنسبة له المال حرية, وقد نجح إلى حد كبير في أن يوظف المال بدلا من أن يوظفه المال, وساعده على ذلك أن زوجته الدكتورة هدى حجازي التي يعتز بها كثيرا في مذكراته لم تراودها أحلام الثروة ولم تعان من أي نزعات استهلاكية!

"الذئب" الثاني كان ذئب الشهرة, أي الرغبة العارمة في أن يصبح من المشاهير, وعندما عاد من أميركا عام 1969 كان يكتب في صحيفة الأهرام ويتحدث في الإذاعة والتلفزيون, كما كان مسؤولا عن وحدة الفكر الصهيوني في مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام, فلم يكن بحاجة إلى الإحساس برغبة أكثر من ذلك في الشهرة.

لكن في العام 1979 زمن "التطبيع" هاجمه الذئب مرة أخرى, بعد أن فقد مكانه في مركز الأهرام وبالطبع في الإذاعة والتلفزيون والصحافة لكنه استطاع ترويضه.

أما الذئب الثالث فكان ذئب المعلومات, وهو ذئب خاص جدا, يعبر عن نفسه في الرغبة العارمة في أن يكتب كتابا نظريا, إطاره النظري واسع وشامل للغاية, ولكنه في الوقت نفسه يتكامل مع أكبر قدر ممكن من المعلومات والتفاصيل, وقد استمر هذا الذئب المعلوماتي في مهاجمة المؤلف حتى هدأ قليلا أثناء وجوده في الولايات المتحدة, لكنه استمر يطارده طيلة حياته.

الربانية بدلا من المادية
ويحدثنا المؤلف في الفصل الرابع عن تآكل النموذج المادي في رؤيته الحضارية, وبدلا من فكرة الإنسان الطبيعي, أي المادي, بدأ يطرح فكرة الإنسان الإنسان أو الإنسان الرباني, وأن وجود الله سبحانه وتعالى هو الضمان الوحيد لوجود الإنسان, وبغياب الله يتحول العالم إلى مادة طبيعية صماء, خاضعة لقوانين الحركة والضرورة التي يمكن حصرها ودراستها والتحكم فيها.

وساعده على تبني هذه الرؤية ولادة أول مولود له, ابنته نور وما رأى فيها من تعارض مع القوانين المادية الصارمة, ثم أيضا مع ولادة ابنه ياسر واختلاف الطفلين في الاحتياجات والاهتمامات.

كل ذلك زاد من رؤيته للإنسان المعجزة الذي يجاوز كل الحتميات الطبيعية, كما أدرك أهمية الأسرة في عملية التنشئة, وأصبح الدين في تصوره جزءا من الكيان الإنساني التاريخي, ليس منفصلا عنه، وبدأ يتعرف على التجربة الدينية الإسلامية ليفهم منطقها الداخلي.

كما كان لمقابلته للزعيم الأميركي المسلم مالكوم إكس أو (الحاج مالك شباز) أعمق الأثر في نفسه, حين أدرك مدى عمق أثر الإسلام فيه, كمثالية مجاوزة لعالم المادة.

وتحت عنوان "الإمبريالية والعنصرية" يقول عبد الوهاب المسيري "ببساطة شديدة أدركت أن التقدم الغربي هو ثمرة نهب العالم الثالث, وأن الحداثة الغربية لا يمكن فصلها عن عملية النهب هذه, وأن نهضة الغرب تمت على حساب العالم بأسره, لكل هذا لم أعد أتحدث عن التراكم الرأسمالي, وإنما عن التراكم الإمبريالي, وأنادي دائما بأن محاولة تفسير معظم الظواهر الغربية دون استرجاع الإمبريالية كمقولة تحليلية, ستكون محاولة ناقصة إلى حد كبير".

"
المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب مثقف
"
المسيري والسياسة
في الجزء الثاني يتحدث المؤلف عن عملية انتقاله من المادية إلى الإنسانية مؤكدا أنها لم تكن سهلة, ويستعرض الكثير والكثير من المواقف الفكرية التي مر بها أثناء تدريسه في كلية البنات بجامعة عين شمس.

ثم يتحدث عن علاقته بعالم السياسة منذ بدأ معرفيا فلسفيا، ثم تعيينه مستشارا للأستاذ محمد حسنين هيكل عندما اختير لفترة قصيرة وزيرا للإرشاد القومي, وصولا إلى المرحلة الأخيرة, وإسهامه في تأسيس حزب الوسط الذي انشق عن الإخوان المسلمين, بل واختياره بعد ذلك منسقا عاماً لحركة كفاية التي تعارض نظام الحكم.

ويوجز المؤلف رؤيته في هذه النقطة في أن "المثقف الذي لا يترجم فكره إلى فعل لا يستحق لقب مثقف".

لماذا تخصص في الصهيونية؟
ويستعرض المسيري علاقته باليهود واليهودية والصهيونية, وصولا إلى كتابة موسوعته الشهيرة التي صدرت عام 1999, ويبدأ من ذكرياته عن "مولد أبو حصيرة" الذي يحتفي به اليهود قريبا من مدينة دمنهور في مولد يقام كل عام, ثم ينتقل إلى أميركا.

وأثناء تعرفه على إحدى زميلاته في الدراسة يسألها عن جنسيتها فتقول إنها يهودية, وعندما أكد لها أنه يسأل عن جنسيتها لا عن دينها, كررت نفس الإجابة, فبدأ يبحث عن تفسير لإجابتها, وبدأ يقرأ بشراهة عن الصهيونية واليهودية واليهود والإسرائيليين, كان ذلك في العام 1963.

ثم غادر أميركا في العام 1969 إلى مصر, وهو يحمل في عقله "إدراك وثنية الصهيونية وبدائيتها وواحديتها الهستيرية وانتماءها إلى التقاليد الحضارية الغربية", وعرف أن "وحشا" صهيونيا معرفيا بداخله, وأسهمت عناصر كثيرة في أن يقرر التخصص في دراسة الصهيونية, إلى أن صدرت موسوعته الشهيرة.

ويذكر المؤلف أحد المواقف العصيبة في حياة الموسوعة, وهو أن كل مراجعه وأوراقه ونسخة الموسوعة الوحيدة كانت في الكويت أثناء اجتياح العراق لها عام 1990، بينما كان هو في القاهرة.

فقرر السفر للكويت أثناء الاجتياح وظل بها لمدة ثلاثة أسابيع, حتى اتفق مع مجموعة من أصدقائه على استئجار شاحنة "تريللا", حملت أوراق وأصول الموسوعة في "حوالي 30 صندوقا", وذهبت بها إلى بغداد ثم إلى عمان بالأردن ثم إلى القاهرة, لتصدر بعد نحو ثماني سنوات في ثمانية مجلدات ضخمة, ولتصبح أكبر عمل علمي موسوعي عربي, يقوم به فرد في السنوات الأخيرة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك