عرض/عدنان أبو عامر

الكتاب الذي بين أيدينا "إستراتيجية المقاومة الشاملة.. خيار أم ضرورة؟" آخر إصدارات مركز الإعلام العربي في القاهرة، يناقش الأبعاد والاتجاهات الخاصة بالمقاومة من مختلف النواحي، طارحا عددا من الأسئلة والاستفسارات حول مستقبلها، وإمكانية استفادتها من المعطيات الجيوإستراتيجية التي تحفل بها المنطقة العربية مؤخرا.

-الكتاب: إستراتيجية المقاومة الشاملة.. خيار أم ضرورة؟
-تحرير: أحمد يوسف أحمد
-الصفحات: 495
-الناشر:
مركز الإعلام العربي, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008
شارك في إعداد الكتاب نخبة من المؤلفين وأصحاب الرأي والفكر من أقطار عربية مختلفة، من أبرزهم أحمد بهاء الدين، وجمال قطب، ولواء حسام سويلم، ود.حسن حنفي، ود.رفعت سيد أحمد، وطلعت رميح، ود.عماد الدين خليل، ود.محسن صالح، ود.هبة رؤوف عزت، ود.محمد خالد الأزعر، وقام بتحريره د.أحمد يوسف أحمد عميد معهد البحوث والدراسات العربية.

وتناولوا المقاومة من شتى المنطلقات، شارحين حجم التحديات والعوائق التي قد تعترض طريقها، وسط التناقضات السياسية والأمنية التي تحياها المنطقة.

ناقش الكتاب ستة محاور أساسية، على النحو التالي: التأصيل المعرفي لفكرة المقاومة ووضعها القانوني، صور وأشكال المقاومة، تجارب المقاومة في التاريخ الإنساني: الفلسطينية، الفيتنامية، غيفارا، تجارب المقاومة في التاريخ الإسلامي: صلاح الدين والجزائر وحماس والعراق، أدوار المقاومة وواجباتها وتحدياتها، المقاومة والمثقف، دور مراكز الأبحاث، الفن، النقابات، المقاومة الإنجازات والتحديات والمستقبل: حصاد انتفاضة الأقصى، عوائق المقاومة.

شرعية المقاومة ومجالاتها
انشغل المحور الأول من الكتاب في البحث عن البعد الشرعي والقانوني للمقاومة، مشيرا إلى أن مراحلها تنقسم إلى ثلاث مراحل: المانعة، المدافعة، الرادعة، وتتضمن عددا من المجالات والمستويات كالمقاومة الفكرية، الإعلامية، الاقتصادية، الدبلوماسية، السياسية، العسكرية.

وفي تفصيل لهذه المجالات أشار إلى أن المقاومة الفكرية تشمل البناء والإعداد والتأسيس، الحوار والمجادلة، وصولا إلى البقاء والمطاردة، فيما تشمل المقاومة الإعلامية كشف الحق والواجب، والمقارنة بالآخر، وإعلام الدعوة والتحشيد والتجنيد.

وشرح مجالات المقاومة الاقتصادية التي تبدأ بالمقاطعة، وإنتاج البدائل المتقنة، وصولا إلى المنافسة في الأسواق، مبينا سبل المقاومة الدبلوماسية كسياسة الباب المفتوح، والمؤتمرات والإعلانات المشتركة، وتصحيح وتعديل مواثيق التنظيم الدولي.

ورغم أن الجانب العسكري جاء في آخر أشكال المقاومة، فإنه شمل تنمية الاستطلاع والاستشعار، واليقظة لحماية الحدود والثغور، وتنفيذ المناورات المشتركة والصد الفوري للعدوان، وصولا إلى ملاحقة العدو حتى يتراجع.

وتطرق الكتاب إلى مشروعية المقاومة المسلحة من خلال ارتكازها إلى عدد من الأسس أهمها: أنها أداة للدفاع الشرعي عن النفس، وللحصول على الحق في تقرير المصير، ولاحترام حقوق الإنسان.

مستخلصا في النهاية أنها مقاومة مشروعة في ضوء قواعد القانون الدولي باعتبارها من الوسائل المتاحة أمام الشعب الفلسطيني في سعيه لتحرير أرضه، رافضا الربط الأميركي والإسرائيلي بينها وبين الأعمال الإرهابية الأخرى.

تجارب المقاومة المعاصرة

"
من أهم نقاط الضعف في المقاومة الفلسطينية مسؤولية القيادات التي ارتكبت جملة من الأخطاء التكتيكية والإستراتيجية، على مدار سنوات القضية الفلسطينية، إضافة إلى مسؤولية الدول العربية التي تتحمل جزءا كبيرا من التراجع الذي حل بالقضية
"
أفرد الكتاب حيزا مهما من صفحاته لاستعراض أبرز تجارب المقاومة العسكرية المعاصرة، لاسيما التجربة الفيتنامية التي تنوعت عملياتها العسكرية بين الكمائن المسلحة، وإزعاج المواقع العسكرية من خلال القناصة، وعمليات التخريب والتدمير للمنشآت الاقتصادية للعدو، وتنفيذ أعمال اغتيالات ضد الأفراد الموالين لحكومة الاحتلال.

ومما لفت الانتباه في الكتاب تلك المقارنة التي عقدها بين عدد من المقاومات المعاصرة، ولاسيما الفيتنامية والفلسطينية والعراقية، طارحا السؤال الكبير: لماذا نجح المقاومون الفيتناميون فيما أخفق المقاومون العرب؟

ومن تلك الأسباب: بطولة الشعب الفيتنامي في التصدي والقتال، نجاح القيادة في تجميع الشعب حولها وقيادته إلى النصر، الصلابة والعناد والكبرياء في المفاوضات، وعدم التهافت عليها، الدعم العسكري من الدول والقوى المناوئة للولايات المتحدة.

فيما تطرق الكتاب إلى ما أسماها نقاط الضعف في المقاومة الفلسطينية التي تركزت في مسؤولية القيادات التي ارتكبت جملة من الأخطاء التكتيكية والإستراتيجية، على مدار سنوات القضية الفلسطينية، إضافة إلى مسؤولية الدول العربية التي تتحمل جزءا كبيرا من التراجع الذي حل بالقضية.

وقد أطال الكتاب في الحديث عن أبرز أشكال المقاومة الفلسطينية المسلحة، التي أسفرت أخيرا عن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة خريف عام 2005.

وبالتالي نجحت المقاومة، خاصة حركة حماس، في تجميع عدد من الإنجازات المهمة من خلال العمليات التي نفَّذها رجالها، مما مكَّنها من الانتقال خطوة متقدمة إلى الأمام، وولوج مرحلة نوعية جديدة من المقاومة، بعد أن حققت أول إنجاز ميداني تمثل بانسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من قطاع غزة تحت ضرباتها.

وأوضح الكتاب أن أحداث المقاومة المتواصلة كشفت أنه لم يعد هناك مكان أو مدينة أو شارع في إسرائيل آمنا، ففي الوقت الذي تقلَّصت فيه "سلَّة الأهداف الإسرائيلية" للانتقام من الشعب الفلسطيني، لا تزال "سلَّة أهداف المقاومة" عديدة ومتصاعدة، لأن هدفها بات التحرير.

ويشير الكتاب في محوره الخاص بتجارب المقاومة في التاريخ العربي والإسلامي إلى أن الملاحظ لطبيعة المقاومة في بداية الانتفاضة وحالها الآن يجد الكثير من التغيير، ففي الوقت الذي ظهرت فيه مطالبات باقتصار الفعل الانتفاضي على الفعاليات الشعبية الكفاحية في بداية الانتفاضة.

وبرزت تحذيرات ضد عسكرتها، تعالت ولا تزال إلى جانب ذلك دعوات تؤكد أهمية انتقال الانتفاضة إلى مرحلة العمل العسكري، وبدأت هذه الدعوات تلاقي القبول والتنفيذ على مدى الأشهر والسنوات السابقة.

وفي المحور الخاص بتجربة حزب الله أشار الكتاب إلى جملة من العوامل التي ساهمت في انتصار الحزب على إسرائيل أهمها أن حرب العصابات أو حرب المقاومة الشعبية التي تتسلح بعقيدة قتالية ممثلة في حزب الله، بإمكانها أن تهزم أقوى قوة عسكرية في المنطقة.

"
أثبتت تجربة حزب الله أنه لو توفر للدول العربية المحيطة بإسرائيل نموذجان منه لانتهت منذ سنوات أسطورة الدولة الإسرائيلية، ولأمكن بالفعل الوصول بقضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى نهاية فعلية لصالح العرب
"
وبالتالي أثبتت تجربة الحزب كما يقول الكتاب أنه لو توفر للدول العربية المحيطة بإسرائيل نموذجان منه، لانتهت منذ سنوات أسطورة هذه الدولة، ولأمكن بالفعل الوصول بقضية الصراع العربي الإسرائيلي إلى نهاية فعلية لصالح العرب.

وعن المقاومة العراقية أرجع الكتاب نقاط الضعف إلى ثلاث دوائر وهي: فصائل المقاومة، والشعب العراقي، والدول العربية والإسلامية.

مؤكدا في الوقت ذاته أنها استهدفت تحقيق جملة من الأهداف أهمها إثارة الرعب في صفوف القوات الأميركية، ومنعها من الاستقرار داخل العراق، ورفع معنويات الشعب العراقي، وتقديم النموذج لعدم الاستسلام، وإجهاض كل أشكال بناء أجهزة الدولة العملية تحت الاحتلال أولا بأول، ومنع حصول الحكومة المحلية على شرعية داخلية وخارجية.

كما تمكنت المقاومة العراقية في مراحل لاحقة من توفير سند قوي لها، داخليا وخارجيا، وتثبيت هذه المقاومة كحالة لا يمكن القضاء عليها، ودفع بعض قيادات الدول التي لها قوات على الأراضي العراقية لسحبها، فضلا عن توسع قدرة المقاومة في العمل الميداني، والانتقال من مرحلة الدفاع التكتيكي عن حي أو مدينة، إلى دفاع إستراتيجي وعلى مساحة مناطق واسعة تشمل نصف العراق بأسره.

أسلحة المقاومة
تطرق الكتاب إلى جملة من أشكال المقاومة، ولاسيما الثقافية والفنية منها، حيث طالب هذا المحور بضرورة أن يكون الفن خادما لفكرة المقاومة من خلال تحقيقه لعدد من الأهداف أهمها: التوعية والتحليل والكشف، وإحياء الذاكرة، والتعبئة العامة والتحميس، وتقديم النماذج القدوة، وتهذيب السلوك وتقويمه، وتأكيد الهوية والانتماء، والرد على الأعمال الفنية المعادية.

وحول المقاومة الإعلامية طالب الكتاب بأن يتضمن الخطاب الإعلامي المقاوم عددا من المواصفات أهمها الموضوعية وبناء المصداقية في إطار معرفي، ومعرفة مفاهيم وثوابت المجتمع، وتحرير لغة الخطاب بشكل مناسب، والابتعاد عن اللهجة الفئوية، وتغليب المصلحة الوطنية والقومية، وتجنب تكثيف الشعارات والهتافات، وعدم تضخم الذات والحذر من تمجيدها على حساب القضية الوطنية.

إنجازات المقاومة
تناول المحور السادس بالتفصيل طبيعة الإنجازات التي حققتها المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، حيث عاشت إسرائيل منذ اندلاع انتفاضة الأقصى تراجعات ملحوظة على مختلف الصعد، بدأت بالخسائر البشرية والقتلى والجرحى من الجنود والمستوطنين، مرورا بالخسائر الاقتصادية والاستثمارية، وانتهاء بتراجع واضح لمكانة إسرائيل على المستوى الدولي.

ويرجع الكتاب إلى أن السنين العشرين الأولى، كان ثمن الاحتلال متدنيًا نسبيًا، من وجهة النظر الإسرائيلية، لكن منذ اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، بدأت إسرائيل تدفع ثمن الاحتلال، وجرت موازنته بواسطة الأرباح الاقتصادية المختلفة، إلا أنه مع انطلاق الانتفاضة الثانية عام 2000 أصبح ثمن الاحتلال باهظًا جدًا.

"
بينما كانت الانتفاضة الأولى شعبية بطابعها، كانت الثانية انتفاضة مسلحة، حيث شهد عدد القتلى الإسرائيليين تزايدا كبيرا، وتفاقم الركود الاقتصادي، وأصبح الثمن أكبر فأكبر، مما وضع فترة الاحتلال كلها تحت منظار جديد ومغاير
"
وبينما كانت الانتفاضة الأولى شعبية بطابعها، كانت الثانية انتفاضة مسلحة، حيث شهد عدد القتلى الإسرائيليين تزايدًا كبيرًا، وتفاقم الركود الاقتصادي، وأصبح الثمن أكبر فأكبر، مما وضع فترة الاحتلال كلها تحت منظار جديد ومغاير، ويمكن معاينة الثمن في أربعة مجالات رئيسة: الاستقرار السياسي، والأثمان العسكرية، والخسائر الاقتصادية، والتكلفات الاجتماعية.

ومع اندلاع الانتفاضة -يضيف الكتاب- تضاعفت تكاليف الاحتلال العسكري بشكل ملحوظ، وتبقى مصروفات الميزانية العسكرية غير معروفة بسبب عدم الإفصاح عن ميزانية الدفاع الإسرائيلية، وعلى الرغم من ذلك تشتمل مشاريع الموازنة السنوية على أرقام حول زيادات خاصة على الميزانية العسكرية بسبب تداعيات المقاومة.

وبين العامين 1987 و 2005، اقتربت هذه الزيادات من مبلغ 29 مليار شيكل، 6.5 مليارات دولار، لا تأخذ هذه الأرقام بالحسبان التكليفات الاعتيادية التي توظف من أجل السيطرة على المناطق المحتلة كصيانة الكتيبتين اللتين جرى التطرق إليهما سابقًا.

إضافة للتكليفات التي تقع على وزارة الدفاع، هناك التكليفات التي تتحملها وزارة الأمن الداخلي، ومنذ أن بدأت المقاومة استهداف الإسرائيليين داخل الأراضي المحتلة عام 1948، شرعت الشرطة العادية وحرس الحدود في مواجهة المقاومين.

وكان الثمن الأكثر فداحة نتيجة المقاومة يتمثل في أرواح البشر والجرحى، ومنذ سبتمبر/أيلول عام 1987 حتى نوفمبر/تشرين الثاني عام 2004، تكبدت إسرائيل نتيجة عمليات المقاومة 1.355 قتيلاً و6.709 جرحى من المستوطنين ورجال الجيش، حيث شارك في هذه العمليات 18 ألف فلسطيني من الضفة والقطاع والقدس، و225 من فلسطينيي 1948، وكان من بين المشاركين في العمليات 83 امرأة، منهن 67 امرأة كان لهن دور في العمليات الفدائية، وعمليا فجرت أنفسهن ثمانية نساء.

وقد أثار هذا العدد المتصاعد من القتلى مخاوف العديد من العسكريين، الذين أكدوا أن ثمن المواجهة الحالية في الخسائر يكلف إسرائيل أكثر مما كلفتها حرب الأيام الستة عام 1967 التي سقط فيها 803 قتلى، فيما سقط خلال حرب الاستنزاف عام 1973 حوالي 740 قتيلا، على طول الحدود مع مصر وسوريا والأردن، حيث أن نسبة القتلى الإسرائيليين إلى عدد الشهداء الفلسطينيين يصل تقريباً من 1 إلى 2.73، خاصة وأنه في جميع حروب إسرائيل ضد الجيوش العربية، لم يصل الوضع إلى هذا القدر من الشدّة مثلما في المواجهة الراهنة مع الفلسطينيين.

أي إستراتيجية للمقاومة؟

"
من الأسباب الدافعة لوضع الإستراتيجية العربية للمقاومة أن الصراع العربي الإسرائيلي لم تنطفئ ناره بعد، وأن المعالجات والمحاولات السلمية التي بذلت خلال العقود الستة الماضية اقتصرت على النقاش في الجوانب الهامشية للصراع
"
يطرح الكتاب عددا من التساؤلات التي تتعلق بعجز العرب، حكومات وشعوبا، عن وضع إستراتيجية خاصة بهم للمقاومة، ومن أساب العجز: الأوضاع والمكونات الداخلية للأمة وأقطارها، وتدخلات القوى الخارجية، والشرخ العميق الذي أصاب العلاقات العربية نتيجة توقيع اتفاقية كامب ديفد مع إسرائيل.

ويضع الكتاب جملة من الأسباب الدافعة لوضع الإستراتيجية العربية للمقاومة، أهمها: أن الصراع العربي الإسرائيلي لم تنطفئ ناره بعد، وأن المعالجات والمحاولات السلمية التي بذلت خلال العقود الستة الماضية اقتصرت على النقاش في الجوانب الهامشية للصراع، وتركزت على المسائل الأمنية فقط.

الكتاب يشكل إضافة نوعية للمكتبة العربية، ولاسيما في ظل تنامي دور المقاومة في أكثر من قطر عربي، وعلى أكثر من ساحة إسلامية، الأمر الذي يجعل من دراساتها واستكشاف سبلها أمرا ملحا، وهاما، من الدرجة الأولى، ولاسيما أن الكتاب ينطلق من قناعة مؤلفيه بأن المقاومة هي الطريق التي تبدو أكثر جدوى وفعالية لتحصيل الحقوق واسترجاعها بعد إخفاق الطرق الدبلوماسية والوسائل السياسية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات