عرض/ عوض الرجوب
بعد مرور نحو عامين ونصف على فوز حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية يصدر كتاب "التغيير السياسي من منظور حركات الإسلام السياسي.. حماس نموذجا" لمدير وحدة الدراسات في المركز الفلسطيني للديمقراطية والدراسات بلال محمود الشوبكي ليعالج عبره التغيير السياسي من وجهة نظر حركة حماس.

-الكتاب: التغيير السياسي من منظور حركات الإسلام السياسي: "حماس" نموذجا
-المؤلف: بلال محمود الشوبكي
-الصفحات: 165
-
الناشر: مواطن، المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية، رام الله
-
الطبعة: الأولى/2008
ويشير صاحب الكتاب الصادر عن مؤسسة "مواطن: المؤسسة الفلسطينية لدراسة الديمقراطية"، إلى جملة من العوامل التي دفعته للبحث في موضوع التغيير السياسي لدى الإسلاميين.

ويؤكد المؤلف، وهو محاضر في قسم العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية بمدينة نابلس شمال الضفة الغربية، في كتابه المكون من ثلاثة فصول أن أهمية نقاش مشروع حركة حماس تكمن في حداثة تجربتها.

ويوضح أن الحياة السياسية الفلسطينية توزعت على مراحل تاريخية، حيث شهدت كل مرحلة سيطرة لون سياسي بدا هو الأكثر سطوعا بين ألوان الطيف الفلسطيني.

انطلق الكاتب وبمنهج علمي في فحص فرضياته التي تتلخص في أن مشروع حركة حماس في التغيير السياسي وضمن الحدود الزمانية 2000-2007 يتضمن عدة أهداف تتمحور حول تغيير أسس النظام السياسي الفلسطيني ومرجعية السلطة والمنظمة.

إضافة إلى إعادة صياغة معالم العلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي. غير أن هذه الأهداف تأثرت بجملة من العوامل مثلت تحديات وفرص ذلك المشروع.

حراك ونشاط
يتناول المؤلف في المقدمة تنامي ما أسماها حركات الإسلام السياسي على اختلاف رؤاها وبرامجها، موضحا أن حراكا ونشاطا غير معهودين باتا سمة ملحوظة لهذه الحركات "فلم تعد طرفا مهمشا من مكونات الخريطة السياسية العالمية".

ويذهب إلى أن هذا التنامي، وإن كان مقتصرا على بعض الدول العربية والإسلامية، آخذ في الاشتداد والتوسع إلى الحدث الذي أصبحت فيه بعض الحركات تنظيمات يصح أن يطلق عليها صفة العالمية مثل الإخوان المسلمين.

وقال إن خصوصية الوضع في فلسطين دفعت نحو تأسيس حركة منفصلة عن الإخوان المسلمين هي حركة حماس، موضحا أنه رغم اعتبارها امتدادا للجماعة فإن لها ما يميزها عن الحركة الأم.

ويرى أن خوض حركة حماس الانتخابات المحلية والتشريعية وتشكيلها الحكومة الفلسطينية لأول مرة يدفع نحو دراسة مشروع الحركة ومدى وضوح الرؤية التغييرية فيه وإمكانية تحقيقها، خاصة أن برنامجها الانتخابي عنوّن بـ"التغيير والإصلاح".

ويقول إن تنامي حركات الإسلام السياسي عموما وانعكاس هذا التنامي على الحالة الفلسطينية وعدم وجود تجربة سابقة للحكم أو المشاركة فيه من قبل تلك الحركات على المستوى الفلسطيني، دفعه إلى محاولة الوقوف على تفاصيل مشروع التغيير السياسي لدى نموذج الدراسة حركة حماس.

"
الانتقال النوعي لحركات الإسلام السياسي الفلسطيني ممثلة بحماس حدا بالحركة نحو طريقة جديدة للتعامل مع المرحلة التي اتسمت بعدم وضوح الآليات الفلسطينية لحل قضيتهم، والتركيز على الرؤى الحزبية السياسية
"
يرى الكاتب في المقدمة أن جملة أسباب ساهمت بشكل كبير في تقدم حركات الإسلام السياسي فلسطينيا وفي مدها الجماهيري الأمر الذي ساعدها في أن تكون في المربع المؤثر في العمل السياسي الفلسطيني.

وذكر من أهم الأسباب الفشل النسبي للحركات التي تبنت البرامج السلمية وإخفاقها في وضع أسس سليمة لنظام سياسي فلسطيني ديمقراطي ومؤسسات سياسية واقتصادية واجتماعية تتناسب مع مشروعها التحريري، إضافة إلى عدم خوض حركات الإسلام السياسي تجربة كاملة في الحكم، وتصاعد وتيرة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، واندلاع الانتفاضة.

وتابع أن الانتقال النوعي لحركات الإسلام السياسي الفلسطيني ممثلة بحماس حدا بالحركة نحو طريقة جديدة للتعامل مع المرحلة التي اتسمت بعدم وضوح الآليات الفلسطينية لحل قضيتهم، والتركيز على الرؤى الحزبية السياسية، إضافة إلى المشاكل الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية.

فصول الكتاب
في الفصل الأول من فصول الكتاب الثلاثة يقدم الباحث تفصيلا مفاهيميا لمصطلحي الدراسة: الإسلام السياسي والتغيير السياسي.

فبعد أن طرح الجدل الدائر حول استخدام مصطلح الإسلام السياسي للتعبير عن الظاهرة الحركية الإسلامية العاملة في المجال السياسي، يبين الباحث مبررات استخدام المصطلح في هذا الكتاب.

إذ يعتبر حركات الإسلام السياسي هي تلك التي تمتلك مشروعا سياسيا وتنطلق من مرجعية إسلامية تحدد منهجيتها وأهدافها في إطارها العام، وتعمل على مشروعها عبر المؤسسات السياسية القائمة أو أنها تسعى لذلك.

ويرى أن الإسلام السياسي يعبر عن ظاهرة التوجه لتطبيق الإسلام في الحياة السياسية والذي يشمل ضمنيا جوانب الحياة الأخرى، ويرى أنه مفهوم -على الرغم من حداثته نظريا- يمتد من الصلاحية العملية إلى تاريخ الإسلام ونشوء الدولة الإسلامية.

وأضاف أنه في ظل غياب الدولة الإسلامية في الوقت الراهن يأتي استخدام مصطلح الإسلام السياسي مقرونا بالحركات الإسلامية التي تتبنى الإسلام منهجا للحياة، موضحا أن المصطلح لا يقتصر على البعد السياسي في الإسلام.

كما يعالج المؤلف في الجزء الثاني من هذا الفصل المفهوم المجرد للتغيير السياسي والذي يلخصه بأنه مجمل التحولات في البنى السياسية في المجتمع.

ويهدف إلى التأسيس لقاعدة نظرية تكون مدخلا له في تحويله المفاهيم المجردة إلى واقع إجرائي عبر إسقاطها على حركات الإسلام السياسي عموما وحركة حماس خصوصا، وهذا ما كان واضحا في الفصل الثاني من الكتاب والذي عالج المكونات الأساسية الثلاثة للتغيير السياسي بدءا بأسسه الفكرية ومرورا بمنهجيته ووصولا إلى أهدافه.

"
الأساس الفكري للتغيير السياسي عند حركات الإسلام السياسي ينطلق من مرجعية إسلامية، كما الملامح العامة لمنهجية تلك الحركات، وأهمها تدرج التغيير وتعاطيه مع المؤسسات والمفاهيم المعاصرة للوصول إلى هدفها الإستراتيجي بإقامة الدولة الإسلامية
"
ويقول إن الأساس الفكري للتغيير السياسي عند هذه الحركات ينطلق من مرجعية إسلامية، كما الملامح العامة لمنهجية تلك الحركات، وأهمها تدرج التغيير وتعاطيه مع المؤسسات والمفاهيم المعاصرة للوصول إلى هدفها الإستراتيجي بإقامة الدولة الإسلامية.

ويتابع أن مجمل هذه القضايا، كما كانت المفاهيم المجردة مدخلا لها، شكلت هي الأخرى مدخلا للتغيير السياسي لدى حركة حماس، فكان الأساس الفكري يشكل قاسما مشتركا بين حماس وغيرها من حركات الإسلام السياسي. أما منهجية حماس فقد انسجمت في معظم تفاصيلها مع منهجية الإخوان المسلمين التي تمثل جذورها الفكرية.

ويخصص المؤلف الفصل الأخير للحديث عن كيفية تحقيق حماس أهدافها المتعلقة بتغيير أسس النظام السياسي ومرجعية السلطة والمنظمة والعلاقة مع الاحتلال الإسرائيلي.

تغييرات حماس
وعبر تحليل المتغيرات التي طرأت في مدة الدراسة الزمنية، يبين أن حركة حماس حققت جزءا من تلك الأهداف خاصة فيما يتعلق بأسس النظام ومرجعية السلطة نتاجا للاتفاقيات الثلاث التي وقعتها القوى السياسية الفلسطينية، وهي اتفاقية القاهرة ووثيقة الوفاق الوطني واتفاقية مكة.

أما التغيير الخاص بمنظمة التحرير، فيرى أنه ما زال مقتصرا على التأسيس النظري حيث كانت الخطوات العملية في هذا المجال محدودة. وبالنسبة للعلاقة مع إسرائيل فيقول إن طرح حماس للصيغة التي تراها مناسبة تمثّل في الهدنة، وهو طرح قديم من قبل حماس، إلا أن تجديده في ظل موقع حماس الحالي يأخذ أهمية أكبر ودلالات أبعد.

لم يتجاهل الشوبكي أن حماس في سعيها لتحقيق أهدافها خضعت لجملة من الظروف مثلت في جزء منها عاملا مثبطا لمشروعها وفي جزء آخر عاملا مساعدا. فهي من ناحية المعوقات واجهت ما أسماها الباحث اللحظة الارتدادية وبرامج القوى الأخرى، إضافة إلى إشكالية الثنائيات التي تواجهها حماس كالمقاومة والحكم والديمقراطية والأيديولوجية، إضافة إلى وجود الاحتلال الإسرائيلي.

وبخصوص العوامل المساعدة لمشروع حماس، أو ما أسماها المؤلف فرص حماس في التغيير السياسي، فذكر منها تماسك الحركة داخليا مقابل ترهل الحركات الأخرى، وقوة برنامجها مقابل جمود البرامج الأخرى، إضافة إلى فرصتها للنفاذ خارجيا وخاصة على الصعيد الجماهيري.

بديل منافس

"
ما حققته حماس من أهدافها في التغيير السياسي أو ما تحاول تحقيقه وقفت أمامه ولا تزال تحديات عديدة أعاقته زمنيا في بعض الأحيان أو دفعت الحركة إلى تعديله أو إعادة تشكيله كي يتناسب مع ظروف الواقع
"
من الاستنتاجات التي توصل إليها المؤلف أن حركات الإسلام السياسي عموما تمكنت من امتلاك مشاريع تغييرية خاصة بها، منطلقة من أسس أيديولوجية مشتركة، ساهمت في أن تشكل بديلا منافسا للمشاريع الإصلاحية الأخرى التي بدأت فرصتها تتضاءل في تحقيق نتائج عملية.

كما استنتج أن لحركة حماس -كأحد أبرز تيارات الإسلام السياسي الفلسطيني- أهدافها الخاصة من التغيير السياسي والتي تنطلق من أسس ومبادئ تراها حماس ثابتة، مضيفا أنها وإن لم تستطع تنفيذ برامجها وفق خطة متدرجة الزمان والموضوع فإنها أجادت إدارة الأزمة المفصلية لتحول نتائجها إلى خطوات واسعة نحو أهدافها المرحلية.

وأوضح أن ما حققته حماس من أهدافها في التغيير السياسي أو ما تحاول تحقيقه وقفت أمامه ولا تزال تحديات عديدة أعاقته زمنيا في بعض الأحيان أو دفعت الحركة إلى تعديله أو إعادة تشكليه كي يتناسب مع ظروف الواقع.

وذكر من هذه التحديات التحدي الداخلي والخارجي نتيجة لاختلاف الأطروحات بشأن الوضع السياسي الأنسب للحالة الفلسطينية، والتحديات النابعة من فكر الحركة ومدى قدرتها على الدفاع عن إمكانية الجمع بين المقاومة والبناء، ثم التحدي التقليدي المتمثل بالاحتلال.

وتوصل إلى أن حماس تمتلك رؤية متكاملة لإعادة بناء هيكلية منظمة التحرير وميثاقها، كما ارتأت أن تعيد انتهاج فكرة الهدنة وفق منطلق جديد يتطلب تطبيقها دولة فلسطينية كاملة السيادة على حدود 1967، مما يعني إعادة القدرة للطرف الفلسطيني على المبادرة ومنح الفلسطينيين إمكانية الظهور كطرف يختار من متعدد مما يقوي موقفه أمام نقضيه الإسرائيلي.

أما عن الثمن الذي دفعته حماس في تجربتها فتوصل إلى أنها دفعت ثمنا في الوضع السياسي والأمني والإداري في مؤسسات السلطة، إضافة إلى مشاركتها ببرنامج جديد في تأسيس أول حكومة وحدة وطنية. لكنها في المقابل نجحت في تحقيق جزء مهم من مشروعها في التغيير السياسي رغم اضطرارها لتشكيل أول حكومة وحدة وطنية.

سياسة متوائمة
وفي نهاية الكتاب يرى المؤلف أن على حماس بلورة ثقافة سياسية حركية تتواءم مع موقعها الحالي، وأن تدرك أن للديمقراطية استحقاقات نابعة من مفاهيم التعددية والشراكة السياسية تتطلب من الحركة السعي لتحقيق أهدافها في ضوء التعاطي مع البرامج الأخرى بمنطق التكامل والتعاون.

ويرى ضرورة تركيز حماس أثناء وجودها في الحكومة على مشاريع تلامس احتياجات المواطن اليومية كي تحافظ على نسبتها في الشارع.

"
على حماس أن تبلور ثقافة سياسية حركية تتواءم مع موقعها الحالي، وأن تدرك أن للديمقراطية استحقاقات نابعة من مفاهيم التعددية والشراكة السياسية تتطلب من الحركة السعي لتحقيق أهدافها في ضوء التعاطي مع البرامج الأخرى
"
ويشير إلى أهمية تعزيز مقومات الهدنة كخيار حماس لإدارة العلاقة مع إسرائيل، وترسيخ المفهوم الواسع للمقاومة بما يضمن عدم حصره في الجانب العسكري وانسجامه مع الحكم والبناء.

ويوصى في كتابه بأن تعطي حركة حماس أعضاءها في الحكومة والمجلس التشريعي هامشا سياسيا أوسع من المرونة كما هو الحال مثلا مع حزب العدالة والتنمية في تركيا.

كما يوصي الحركة بمحاولة الفصل بين ما هو هدف للحكومة التي من المفترض أن لا يزيد عمرها على أربع سنوات أو أقل، وبين هدف الحركة التي يرتبط وجودها بوجود المجتمع.

أما على الصعيد الإعلامي فيعتقد المؤلف بضرورة أن تتمتع وسائل إعلام الحركة والحكومة بكفاءات تمكنها من نقل الصورة بوضوح حول إنجازات من الممكن أن تكون حققتها الحركة أو الحكومة لكن طبيعتها ليست ذات صدى إعلامي لدى الشارع.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك