عرض/عدنان أبو عامر

في محاولة لاستخلاص الدروس والعبر من الفشل العسكري الإسرائيلي في حرب لبنان الثانية ضد حزب الله، صدرت في تل أبيب الشهر الماضي دراسة هامة وجادة بعنوان "مشروع قانون للجيش الإسرائيلي.. تنظيم المسؤوليات والصلاحيات بين المستويين السياسي والعسكري في أعقاب دروس حرب لبنان الثانية"، عن معهد أبحاث الأمن القومي، لكل من الباحثين: المحامي شموئيل إيفين، ود. تسابيا غروس، وبمشاركة نخبة من الجنرالات المتقاعدين والساسة.

تصويب العلاقة السائدة
الدراسة تشير إلى أن صلب الأخطاء التي وقعت في حرب لبنان الثانية تمثلت في سوء العلاقة القائمة بين المستويين، الأمر الذي دعا لجنة فينوغراد إلى ضرورة الحاجة لتوضيح حجم الصلاحيات والمسؤوليات للمستويين، السياسي والعسكري.

-الكتاب: مشروع قانون للجيش الإسرائيلي
(تنظيم المسؤوليات والصلاحيات بين المستويين السياسي والعسكري في أعقاب دروس حرب لبنان الثانية)
-المؤلف: مجموعة من الباحثين
-الصفحات: 59
-الناشر: معهد أبحاث الأمن القومي، جامعة تل أبيب
-الطبعة: الأولى، أبريل/2008

وأكدت أن الحاجة إلى اتخاذ سياسة مبدئية في تحديد طبيعة العلاقة السليمة بينهما، في أوضاع كهذه، بات أمرا ملحا، لاسيما في ضوء الكثير من القضايا الإشكالية للغموض الذي تبدى بصورة واضحة من خلال الجدل الذي أثير بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان خلال الحرب.

وتقترح الدراسة في ضوء هذا التجاذب توزيع المسؤوليات والصلاحيات بين المستويين السياسي والعسكري من خلال اقتراح مشروع قانون جديد، باسم قانون جيش الدفاع الإسرائيلي.

حيث سيتم تشريع القانون بصورة عادية، ليستوفي مراحل تشريعه والمصادقة عليه، بالضبط كالقوانين الأساسية الأخرى، كقانون الحكومة، وسيحدد القانون المقترح مسؤوليات ومواقع كل الجهات الفاعلة في الجيش، ومدى الصلاحيات التي توكل إلى كل منهم، ومدى استعداده، وجاهزيته، وفاعليته.

الفكرة الأساسية من اقتراح قانون كهذا –كما يشير معدا الدراسة- هي إلزام صناع القرار في الدولة بعمل الحد الأدنى المطلوب لتفعيل دور الجيش، وليس تحديده، بحيث لن يكون مقترح القانون المذكور في صورته النهائية، قبل أن تمر بالمراحل القانونية والدستورية المتعارف عليها.

وقبل ذلك ضرورة أن يأخذ مشروع القانون طريقه في النقاش الجماهيري، والجدل الأكاديمي، والمشاورات البرلمانية، وهذه مراحل كلها من شأنها تصويب الوضع القائم.

الدراسة ترى أن مسوغات سن قانون جديد للجيش من شأنه أن يضع الأسس القانونية اللازمة لتوزيع المسؤوليات بين الأجسام الأساسية في الدولة: الحكومة، والمجلس الوزاري المصغر، ورئيس الوزراء، ووزير الدفاع، ورئيس هيئة الأركان.

كما أن من شأن إقراره أن يساهم إلى حد كبير في تحسين موقع المستوى السياسي في طرح رأيه وشرح موقفه من مختلف القضايا الأمنية، ورفع مستوى الجهاز الأمني، وبالتالي العمل على جسر الهوة وردم الفجوة بين الواقع والقانون.

عودة إلى التاريخ
الدراسة تعود إلى الوراء ثلاثين عاما حين أقر قانون الجيش الإسرائيلي عام 1976 في أعقاب توصية لجنة أغرانت، التي أقيمت للبحث في إخفاقات حرب يوم الغفران، ورأت من خلال تحقيقاتها أن افتقار الأجسام الحكومية لتوزيع الصلاحيات بينها -خاصة رئيس الحكومة، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان- ساهم في تلك الخسارة الحربية.

الدراسة تشير إلى أمر قد يكون غائبا عن الكثيرين، وهو أن "اسم رئيس الحكومة" لم يذكر إطلاقا في ذلك القانون، الذي وقع عليه رئيس الحكومة إسحاق رابين، ورئيس الدولة أفرايم كاتسير، وبات الجيش في ضوئه مرتبطا بعلاقة مع الحكومة بصورة عامة، وليس مع رئيسها.

وهناك عدة أسباب لذلك، منها أن النظام السياسي في إسرائيل يعطي الحكومة، عموما، الأفضلية العليا في المستوى السياسي، وبالتالي فلا داعي لأن يتقلد رئيسها موقعا "خارقا" إلى جانب وزارة الدفاع.

"
مشروع القانون الجديد يرمي إلى إلزام صناع القرار في الدولة بعمل الحد الأدنى المطلوب لتفعيل دور الجيش وليس تحديده
"
ومع ذلك فقد تطور اليوم الوضع كثيرا وتغير بصورة دراماتيكية، فقد أصبح لرئيس الحكومة موقع مؤثر في ذلك الثلاثي، إلى جانب وزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان، وبالتالي غدا الحصول على موافقته من أهم الشروط لتنفيذ عمليات عسكرية خارج حدود الدولة.

وفي حالات أخرى حيث يقوم الجيش بعمليات عسكرية ميدانية "داخل" الحدود، قد يستدعي الأمر موافقته من خلال المجلس الأمني المصغر.

أما عن الموقع الذي يشغله وزير الدفاع، فهو –كما تشخصه الدراسة- كلمة السر في تنظيم العلاقة بين المستويين السياسي والعسكري، وهو معين من قبل الحكومة لقيادة الجيش، ومع ذلك، هناك غموض في عدد من العموميات الخاصة بطبيعة موقعه.

من هذه العموميات: ما الواجبات الملقاة على عاتقه لكي يقوم بتنفيذها؟ في أي المفاصل يجب أن يعود الجيش إليه، وفي أيها بإمكانه اتخاذ القرار بنفسه دون الرجوع إلى الوزير؟ أي القرارات التي بإمكان وزير الدفاع اتخاذها دون الرجوع إلى الحكومة، ومتى لا يحق له تجاوزها؟

القانون الأساسي للجيش يشير بصورة لا تقبل الشك إلى أن وزير الدفاع لا يمتلك موقعا مستقلا عن الحكومة، طالما أنه معين من قبلها لإدارة الجيش والإشراف عليه.

وبالتالي فإن التوصيف الأكثر دقة واختصارا لوزير الدفاع أنه حلقة الوصل بين الحكومة والجيش، والمتحدث باسم الحكومة أمام الجيش، وفي ذات الوقت من يأتي بمطالب الجيش إلى الحكومة، دون أن يمس على الإطلاق بصلاحية الحكومة للعمل مباشرة مع الجيش.

من يخضع لمن؟
تلفت الدراسة الأنظار إلى تعبير "خضوع" الوارد في القانون الأساسي للجيش، الذي يتناول العلاقة التي تربط رئيس هيئة الأركان بوزير الدفاع، ومع ذلك فإن هذا "الخضوع" يفسح المجال لعدد من التفسيرات والاجتهادات، وكل تفسير يمنح وزير الدفاع المزيد من التدخلات في أمور الجيش التفصيلية.

علما بأن التاريخ الطويل للعلاقات بين الرجلين في العديد من الحقب التاريخية، يفسح المجال للإشارة إلى أن هناك ثلاثة مستويات لهذا "الخضوع"، وهي: "الخضوع المطلق"، حيث يستمد وزير الدفاع صلاحياته مع رئيس الأركان من الحكومة التي يمثلها، بحيث يصبح من حقه أن يأمره بالعمل وفقما يريد ووقتما يشاء.

علما بأن القانون الأساسي يشير بصورة لا تقبل التأويل إلى أن "القائد الأعلى في الجيش" هو رئيس هيئة الأركان، وبالتالي فإن التفسير المنطقي لهذه العبارة يعني أن الوزير لا يستطيع –بالرغم من صلاحياته الواسعة- أن يصدر تعليماته العسكرية لجنود الجيش الإسرائيلي، دون اللجوء إلى رئيس الأركان.

"
"الخضوع" الوارد في القانون الأساسي للجيش الذي ينظم العلاقة التي تربط رئيس هيئة الأركان بوزير الدفاع، يفسح المجال لعدد من التفسيرات والاجتهادات، وكل تفسير يمنح وزير الدفاع المزيد من التدخلات في أمور الجيش التفصيلية
"
وتشير الدراسة إلى ما يوصف بـ"الخضوع الإستراتيجي"، حيث ينحصر خضوع رئيس الأركان لوزير الدفاع في الموضوعات السياسية والإستراتيجية، بديلا عن الدخول في تفاصيل تكتيكية.

فالوزير -وفقا لهذه النظرية- بإمكانه إصدار التعليمات لرئيس الأركان أن يحرر رهائن خطفوا من قبل جهات معادية، لكنه في ذات الوقت لا يحق له التدخل في طبيعة العمليات الميدانية المقترحة لتنفيذ هذا القرار.

حيث يعتقد المؤيدون لهذه النظرية أنه في ظل الواقع الذي تحياه إسرائيل، فإن وزراء الدفاع في معظم الأحيان هم رؤساء هيئات الأركان في مراحل سابقة، مما يفسح المجال واسعا للكثير من تداخل الصلاحيات بين وزير الدفاع ورئيس الأركان.

أما عن النوع الثالث من العلاقة بين الرجلين، فتطلق عليها الدراسة "الخضوع النسبي"، وهي نظرية وسطى بين الرؤيتين السابقتين، ووفقا لها فإن إشراف الوزير على عمل رئيس الأركان ينبغي أن يحصر في القضايا السياسية والإستراتيجية، وفي ذات الوقت بإمكانه التدخل في التفاصيل التكتيكية، بحيث يوافق أو يعارض، لكنه لا يستطيع تنصيب نفسه كجهة تبادر إلى تنفيذ عملية ميدانية أو تحظر القيام بها.

قرار الحرب بيد من؟
الدراسة تشير إلى أمر يشغل ساسة العالم والمراقبين العسكريين، الذين يحارون كثيرا في تحديد طبيعة الجهة التي تتخذ قرار الحرب في إسرائيل، هل هي الحكومة أم الجيش؟

فالقانون الأساسي الخاص بالجيش يشير إلى خضوعه للمستوى السياسي، أما بالنسبة لطبيعة القرارات الخاصة بالحرب وتنفيذ العمليات الحربية، فيمكن تحديدها على أن الدولة لا تستطيع الدخول في حرب إلا بالرجوع إلى قرار صادر عن الحكومة، يستند إلى ضرورة القيام بعمليات عسكرية مطلوبة لتحقيق أهداف دفاعية عن الدولة والجمهور الإسرائيلي معا.

والحكومة مطالبة بأن ترسل هذا القرار إلى لجنة الخارجية والأمن بالسرعة الممكنة، وعلى رئيس الحكومة الإعلان عن القرار في أقرب فرصة أمام الهيئة العامة للكنيست.

علما بأن المراقب لمعظم الحروب التي خاضتها إسرائيل في تاريخها، يرى أنها لم يتم الإعلان عنها رسميا، بل بدأت في معظمها من عمليات عسكرية محدودة، أخذت أبعادا طويلة المدى، ومن ثم افتتحت الحرب رسميا.

تغير البيئة العسكرية
الدراسة محل النقاش قدمت عينة من الأمثلة الدالة على الإشكاليات التي حصلت خلال مجريات حرب لبنان الثانية، والتي تشير بصورة لا تقبل الشك إلى العلاقة غير السليمة بين الساسة والعسكر في إسرائيل.

أمثلة ذلك أن لجنة فينوغراد وفي توصيفها لطبيعة الأجواء التي سبقت اتخاذ قرار الخروج إلى العملية العسكرية البرية الواسعة، قالت إن تحديد مستوى الصلاحيات، وحجم المسؤوليات بين المستويين في ظل وضع ميداني كالذي عاشته الدولة والجيش كان ملحا ومطلوبا بقوة.

كما كان من واجب الجيش إجراء نقاش داخلي، سواء ما تعلق منها بمستوى الأبعاد الإستراتيجية للخروج إلى عملية بهذا الحجم، أو على صعيد طبيعة الاستعداد الميداني العسكري لخروج الجيش لمثل هذه العملية.

"
عدم قيام الجيش بنقاش داخلي فيما تعلق منها بمستوى الأبعاد الإستراتيجية للخروج إلى عملية بهذا الحجم في لبنان، كان له أكبر الأثر في انكشافه أمام فشل ذريع، ميدانيا أمام العدو، وداخليا أمام العلاقة الشائكة مع المستوى السياسي الأعلى
"
وبالتالي فإن عدم قيام الجيش بمثل هذه النقاشات الحساسة كان له أكبر الأثر في انكشافه أمام فشل ذريع، ميدانيا كان أمام العدو، وداخليا أمام العلاقة الشائكة مع المستوى السياسي الأعلى.

كما عثرت اللجنة على نواقص وعيوب كارثية في طريقة اتخاذ القرارات، سواء كان ذلك من قبل المستوى السياسي، ونظيره العسكري، وطبيعة العلاقة بينهما.

على صعيد آخر، تؤكد الدراسة أن الحاجة لتوسيع التشريع القانوني الخاص بالجيش ينبع من ضمن اعتبارات أخرى، تتعلق بالتغير الميداني الذي حصل في البيئة العسكرية لإسرائيل، داخليا وخارجيا، ومنها تغير طبيعة الحروب والمواجهات.

فالقانون الأساسي المقر حاليا والمعمول به، تم إقراره بعد انتهاء حرب 1973، فيما المواجهات التي خاضتها إسرائيل منذ تلك الحرب وحتى كتابة هذه السطور تختلف كليا عن ذلك العام.

فهناك عمليات حربية ينفذها الجيش ويخوضها مع قوى مسلحة معادية لا توصف على أنها حرب تقليدية، لاسيما تلك التي يخوضها في أوساط سكانية مدنية.

كما تتعرض الحملات العسكرية التي يخوضها الجيش هذه الأيام لحملة انتقادات شعبية محلية، ودولية عالمية، أكثر من أي وقت مضى، مما يتطلب تضمينها في مشروع القانون المقترح، خاصة في ظل تواجد مكثف لمنظمات إنسانية دولية ووسائل إعلامية تواكب الحرب، وتقوم بتغطيتها أولا بأول من داخل ساحة المعركة.

أخيرا تخرج الدراسة بعدد من الخلاصات المطلوب استنتاجها من طبيعة الوضع السيئ بين الجانبين السياسي والعسكري، أهمها ضرورة أن يتضمن مشروع القانون بصورة واضحة وصريحة طبيعة العلاقات بينهما.

وكذلك ضرورة أن يضع هذا القانون النقاط على الحروف أمام كل من له علاقة بأداء الجيش لمهامه: كالحكومة، ورئيسها، ووزير الدفاع، ورئيس الأركان.

علما بأن هذه التوصية من شأنها أن تساعد في تحسين وضع المستوى السياسي في القضايا الأمنية، وكذلك تحسين قدرة ومستوى عمل الجيش وجهاز الأمن، وتقليص حجم الاحتكاكات بين المستويين السياسي والعسكري، ما يتطلب القيام بخطوات إضافية، من شأنها جسر الفجوة بين الطرفين، ومحاولة التقليل من حدة الإخفاقات الأمنية، من خلال تسهيل مهام لجان التحقيق التي تم تشكيلها للتحقيق في أحداث أمنية بعينها.

المشاركون في الدراسة
الجدير ذكره أن جهة إصدار الدراسة هي معهد أبحاث الأمن القومي، وهو من دوائر الدراسات الإستراتيجية في إسرائيل، أسس عام 2006، وتتلخص أهدافه في إعداد أبحاث أساسية من قبل نخبة من الوسط الأكاديمي العالية، والعاملة أساسا في مجال الأمن القومي لإسرائيل، والشرق الأوسط، والساحة الدولية، والولوج إلى النقاش الجماهيري ومحاولة تقديم توصيات للنظام السياسي في القضايا القائمة، التي تتصدر سلم أولويات أعمال صناع القرار الأمني في إسرائيل.

"
الدراسة أعدها معهد أبحاث الأمن القومي، وهو من دوائر الدراسات الإستراتيجية في إسرائيل، وتتلخص أهدافه في إعداد أبحاث أساسية من قبل نخبة من الوسط الأكاديمي العالية والعاملة أساسا في مجال الأمن القومي لإسرائيل والشرق الأوسط والساحة الدولية
"
ويوجه المركز جهوده وأبحاثه للفئات التالية: صناع القرار في المستويات المختلفة، وجهاز الأمن، وموجهي الرأي العام في إسرائيل، والنخبة الأكاديمية العاملة في المجال الأمني، داخل إسرائيل وخارجها، والجمهور الإسرائيلي ذاته المنشغل بالمجال الأمني.

أما أبرز المشاركين في إعداد الدراسة فهم الجنرال المتقاعد غيورا أيلاند -رئيس مجلس الأمن القومي السابق- و د. شموئيل إيفن -صاحب المشروع المقترح- والمحامية تسابيا غروس -المستشارة القانونية السابقة لجهاز الأمن- وأهارون كوفرمان، مركز إعداد الخطة العسكرية.

وقد التقى الطاقم البحثي بعدد من الخبراء المتخصصين، أبرزهم: بروفيسور أريئيل بندور، ودان مريدور -أبرز أعضاء حزب الليكود السابقين- و د. يهودا بن مائير، وشموئيل ليتكين -المستشار المهني للجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست- و د. عاموس غرانيت، وجنرال متقاعد مائير ألران، و د. مارك هيللر، وبروفيسور زئيف سيغل، وممثلون آخرون عن الدائرة العملياتية في الجيش.

المصدر : الجزيرة

التعليقات