عرض/محمد تركي الربيعو
يهدف الدكتور خالد زيادة في كتابه الجديد إلى تعريف القارئ بشكل السلطة في الدولة الإسلامية، تلك السلطة التي كانت منقسمة بين سلطة دينية ممثلة بالفقيه، وأخرى سياسية ممثلة بالأمير، كما يسعى إلى تعريفنا بشكل الرقابة في المدينة الإسلامية التي بقيت فضاء فقهيا مستمرا حتى مشارف العصر الحديث.

- الكتاب: الخسيس والنفيس.. الرقابة والفساد في المدينة الإسلامية
- المؤلف: خالد زيادة
- الصفحات: 110
- الناشر: دار رياض الريس، بيروت
- الطبعة: الأولى/2008

كان القاضي المعروف أيضا باسم الحاكم الشرعي يولي مسؤولية الرقابة في المدينة الإسلامية إلى المحتسب تبعا لمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكن بالرغم من ذلك بقيت كل المحاولات التي سعت إلى إخضاع السلطان أو الأمير لمبدأ النهي عن المنكر أي للمحاسبة، دون نتيجة تذكر، مما جعل الفقهاء يكتفون بنصح السلطان ووعظه على الرغم من إدراكهم لحقيقة انتشار الفساد بين الحاكم والمحكومين.

ويفسر الكاتب سلوك الفقهاء هذا بإدراكهم الدقيق لأهمية دور الأمير في حياة الدولة باعتباره الشخص الأهم في تسيير مصالحها وأمورها، وهو ما نراه بشكل واضح من خلال تأكيدهم على مبدأ "سلطان غشوم خير من فتنة تدوم" وما تبع ذلك من عدم تحول وظيفة الاحتساب إلى مؤسسة رقابة، وإلى تحول مبدأ النهي عن المنكر إلى مجرد واجب مبدئي وأخلاقي.

المدينة والرقابة
يرى الكاتب أن الحديث الذي يورده الإمام أحمد في مسنده والقائل "المدينة حرام فمن أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله والناس أجمعين" إنما يؤسس لوجهة نظر العلماء من المدينة بوصفها جسدا يجدر تحصينه.

وكانت المدينة وفق نظر الفقهاء تمثل حدا بين العلم والجهل، ولا تقوم إلا بتوفر جملة من الشروط: كتوفر الماء وتقدير الطرقات والشوارع، وجامع للصلاة في وسطها، وأن يكون الملك في أفسح أطرافها ويجعل وسطها للعامة، وأن تحتوي على علوم وصنائع.

ويعزو الكاتب هذا الاهتمام بالمكان المدني إلى كونه يمثل حقلا أساسيا لرقابة الفقهاء فيما يخص المدى العام والمشترك، يأتي المسجد في أوله، إذ تسجل المؤلفات الفقهية وخصوصا الخاصة بالحسبة منها مجموعة من منكرات المساجد، كالنهي عن سماع كلام القصاص الذين يخلطون بكلامهم البدعة، أو تقديم العوام والجهال للإمامة بالمسجد، وكذلك منع إيقاد النار أو سك السيوف داخل الجوامع، وأن لا يرد عنه فقير ولا ضعيف.

بيد أن الرقابة على الأسواق كانت تحتل الحيز الأهم من أعمال المحتسب لكونها المكان المشترك للجمع والارتزاق، وكان من منكرات الأسواق والشوارع الجلوس في الطرقات الضيقة وإلقاء الأوساخ بالأفنية، لتأمين المرور في الشوارع والأسواق بدون عوائق أو موانع، كذلك منع التلاعب بالمكيال والدراهم المخلوطة.

وبقيت قضية التسعير من القضايا الأكثر تعقيدا على الرغم من بقائه شأنا من شؤون أهل السوق، إلا أن الرقابة كانت تتعلق بالاحتكار والتلقي، وهو أن تقدم قافلة فيلتقي بها إنسان خارج البلد ويخبرهم بكساد ما معهم ليبتاع منهم رخيصا، وهذا ما نهى عنه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

"
لم تقتصر الرقابة في المدينة الإسلامية على شخص المحتسب بل أوكلت كذلك إلى صاحب الشرطة أو العسس الذي كانت مهامه تتلخص في الرقابة على المدينة من غروب الشمس حتى طلوع الفجر، إضافة إلى التجسس على الفساق وأهل الضلال
"
ولم يقتصر دور الرقابة على الأسواق وإنما شمل أيضا دور الأذى والفجور بالإضافة إلى الحمامات التي احتلت حيزا هاما في الحسبة لاعتبارها من أهم الأماكن العامة في المدينة، إذ فرض على ضامن الحمام نظافته وكنسه ومنعه للأجذم والأبرص من دخوله.

ولم تقتصر الرقابة على شخص المحتسب بل أوكلت كذلك إلى شخص آخر هو "صاحب الشرطة أو العسس" الذي كانت تتلخص مهامه في الرقابة على المدينة من غروب الشمس حتى طلوع الفجر، إضافة إلى حراسة أبوابها وأسوارها، والتجسس على الفساق وأهل الضلال.

وكان تعيين صاحب الشرطة يأتي من جانب الخليفة أو السلطان، مما أدى إلى ارتباطه المباشر بالحكام وأرباب السياسة، وظهور سلطتين أخذتا تتنازعان حكم المدينة: الأولى سلطة الشرع ممثلة بالقاضي والمحتسب، والثانية سلطة السياسة ممثلة بالحاكم وصاحب الشرطة.

الخسيس والنفيس
يرى الكاتب أن انقسام سكان المدينة الإسلامية إلى أغنياء وفقراء كان أمرا قائما تعكسه الأدبيات المرتبطة بالمدن الإسلامية، ولم يكن العنصر أو العرق مدخلا إلى الغنى ولا الدين مدخلا إلى الفقر.

وبالرغم من أن إشكالية الغنى والفقر ترتبط بشكل أساسي بمستويات الدخل الفردي ونوع المعاش، فإن التفاوت في المداخيل واختلاف المعاش لم يكفلا الإطاحة بذلك التميز الذي كان يفصل بين الفئات العليا والدنيا داخل المدينة.

ونلاحظ داخل المدينة مجموعة من الفئات التي اعتبر أصحابها على جانب كبير من الخسة والوضاعة ولأسباب مختلفة كالحائكين والحطابين والقائمين في الحمّام الذين منعوا هم ومربو الحمام من الشهادة.

ولم يكن الفقر هو المعيار الذي يحدد خسة صاحبه كالنخاسين الأغنياء الذين وصفوا بأنهم قوم أمرهم ليس بالمختصر أو القليل لكونهم يتصرفون بين الأنساب والأموال بما لا يقتضيه الشرع، بينما الفئات التي كانت تمثل موقعا مميزا في المدينة الإسلامية، التي عرف أفرادها بأصحاب "المهن النفيسة" فهم رجال السلطة كالخليفة والسلطان أو من ينوب عنهم من ولاة وأمراء وقادة جند.

يضاف إلى هؤلاء آل البيت من الشرفاء الذين صار لهم في كل مدينة نقابة خاصة بهم تمثلهم، وكذلك التجار، إذ قيل فيهم "التاجر الصدوق الأمين مع السبعة في ظل العرش يوم القيامة".

اللهو والمدينة
في الوقت الذي نرى فيه نوعا من الصرامة المفروضة على ارتياد المساجد من قبل الفقهاء، يرى الكاتب أن السوق الذي جد الفقهاء في ضبطه بوصفه ساحة للنشاط الإنساني من كل نوع، لا يتمتع بمثل تلك الصرامة، حيث يتضارب العمل باللهو الخاص بالعام والخسيس بالنفيس.

وتدلنا كثرة القواعد والموانع التي اشترطها الفقهاء في المدينة على وفرة النشاط القريب من حد اللهو والهزل، إذ نجد تأكيدا على منع ظهور المقامرين والخمارين والسكارى في الأسواق، وتحريم سماع الغناء من المرأة لأن صوتها عورة، كما أن الرقص والتصفيق بخفة ورعونة مشابهة لرعونة الإناث فقد نظر إليها على أنها سلوك لا يصدر إلا عن شخص أرعن وجاهل.

"
رغم أن الموانع الفقهية كانت لها آثار جمة على عادات اللهو والتسلية، فإنها لم تستطع دائما أن تلجم العامة الذين كانوا يطلقون لأنفسهم العنان، وخاصة في المواسم والأعياد المعروفة قبل انتشار الإسلام
"
وبالرغم من أن الموانع الفقهية كانت لها آثار جمة على عادات اللهو والتسلية، فإنها لم تستطع دائما أن تلجم العامة الذين كانوا يطلقون لأنفسهم العنان، وخاصة في المواسم والأعياد المعروفة قبل انتشار الإسلام، والتي ظلت بمثابة مناسبات للهو والتسلية، كأعياد الأقباط في مصر أو النيروز في فارس، مما أوجب على الأمراء والسلاطين منعها أو استبدالها بأعياد أخرى.

ومن ذلك ما قام به الفاطميون الذين أحلوا مناسبات ذات صبغة إسلامية محل تلك الموروثات، كرأس السنة الهجرية ويوم عاشوراء ومولد النبي صلى الله عليه وسلم، معلنين في نفس الوقت من خلال هذه الأعياد عن شكل من أشكال السلطة والسيطرة، كيوم عاشوراء الذي اتخذ في زمن الفاطميين مناسبة للحزن، وسرعان ما تحول في زمن بني أيوب إلى يوم سرور.

ولم يقتصر اللهو على العامة، بل كان للخاصة أيضا احتفالاتها الخاصة في زمن المماليك والعثمانيين.

بالمقابل كان أول ما يفعله السلطان عند وقوع البلاد في هزيمة أو مرض هو الانتقام من أرباب اللهو.

وأمام حالات اللهو ما كان من الأمراء والفقهاء في بعض الأحيان إلا القيام بطرد مظاهر اللهو إلى خارج المدينة، كما حدث في بغداد التي تحولت بساتينها إلى أماكن للخمارات والمواخير، مع التحفظ عليها في المدينة وعزلها في أماكن مغلقة كالحمامات التي اعتبرت مواطن للهو.

ولعل هذا ما يفسر تشدد الفقهاء في الأحكام الخاصة بها، كالاعتقاد بأنه لا يدخل القهاوي التي انتشرت في دمشق والقاهرة إلا من فقد شهامته وعقله ودينه لأنها مجمع للأسافل والأرذال.

المدينة والدولة
يتحدث الكاتب في هذا الفصل عن الازدواجية التي أخذت تبرز في بداية تكون أجهزة الدولة العربية من القرن الأول الهجري داخل المدينة، والذي أدى إلى ظهور سلطتين دينية وسياسية.

وقد بقيت المدينة تمثل فضاء تشريعيا خاضعا لسلطة الفقهاء في الميراث وحياة العمل في الأسواق، وتنظيم مسائل العمران وشؤون الجماعات الدينية، في حين أخذت الدولة تطور أجهزتها باعتمادها على "كتابها الإداريين" ذوي الأصول الفارسية الذين صاغوا دواوينها ومؤسساتها.

"
رغم المحاولات العديدة التي سعت على المستوى النظري لإيجاد خطوط تصل الدولة بالدين وبالتالي تصل الدولة بالمجتمع، إلا أن انفصال الدولة عن المدينة والمجتمع المدني كان يشق طريقه متمثلا في انفصال سياسة الدولة عن الشريعة
"
وبالرغم من المحاولات العديدة التي سعت على المستوى النظري لإيجاد خطوط تصل الدولة بالدين وبالتالي تصل الدولة بالمجتمع إلا أن انفصال الدولة عن المدينة والمجتمع المدني كان يشق طريقه وخصوصا في عهد المماليك (1250-1516م) متمثلا في انفصال "سياسة الدولة" عن "الشريعة".

نقرأ ذلك كثيرا في الكتب التي تتناول الأحكام السلطانية حيث يقول الطرطوشي "الملك والدين أخوان لا غنى لأحدهما عن الثاني" ونرى المقريزي المتوفى عام 1440م وهو يقسم الحكم إلى حكم الشرع وحكم السياسة، وعند بحثه عن معنى كلمة سياسة فإنه يردها إلى لغة المغول، إذ يقول "أصلها ياسة، وقد حرفها أهل مصر وزادوا في أولها سينا وأدخلوا عليها الألف فأصبحت سياسة، وظن من لا علم عنده أنها كلمة عربية".

وأما في نشأتها فيقول "إن جنكيز خان القائم بدولة التتار في بلاد الشرق، قرر قواعد وعقوبات أثبتها في كتاب سماه ياسة، ومن الناس من يسميه ياسق، ولما تمم وضعه كتب ذلك نقشا في صفائح الفولاذ، وجعله شريعة لقومه، فلزموه بعده حتى قطع دابرهم، وكان جنكيز خان لا يتدين بشيء من أديان أهل الأرض".

وبالتالي فإنه لا شيء يجمع السياسة بالدين وهذا ما كان عليه الأمر في زمن المماليك.

أما في المراحل اللاحقة التي شهدت قدوم العثمانيين إلى بلاد الشام ومصر حاملين معهم "ياسقهم" فقد غدا الانقطاع بين الشريعة والقانون التعبير النموذجي عن انفصال الدولة عن المجتمع، إذ يذكر لنا نجم الدين الغزي حوارا جرى بينه وبين أحد الولاة فيقول:

"فتذاكرنا سياسة الشرع، هل هي أبلغ من سياسة القانون، أو أن سياسة القانون أبلغ؟ فأجبته إلى الأول ومال هو إلى الثاني".

واستمر الأمر على هذا النحو إلى أن أخذ الفقهاء يفقدون جزءا من رقابتهم على المدينة بفضل القوانين التي وضعتها الدولة العثمانية، والتي رسمت حدودا فاصلة بين جماعات المهن والأديان والأجناس، متحولين إلى هيئة بدأت تكتسب خصائص الجماعات ذات الطابع الحرفي، ولينتهي المطاف إلى انتصار للدولة على المدينة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات