عرض/زياد منى
مؤلف هذا الكتاب هو داريوس رجالي الأميركي الإيراني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة ريد بالولايات المتحدة، وهو أحد أهم المتخصصين في موضوع التعذيب.

يتعامل مع المادة من منطلقها التاريخي المعاصر في القرن التاسع عشر إلى أبو غريب وما بعده، من تعذيب "العبيد" والكرسي الكهربائي إلى الصدمات الكهربائية التي تمارسها الشرطة الأميركية، ومن خبرات التعذيب البريطانية والفرنسية والإسبانية في المستعمرات إلى فيتنام والمشرق العربي، وإلى دول أميركا اللاتينية وأوروبا.

- الكتاب: التعذيب والديمقراطية
- المؤلف: داريوس رجالي
- الصفحات: 850
- الناشر: دار نشر جامعة برنستن، أُكسفورد
- الطبعة: الأولى/2007

ما التعذيب؟
التعذيب هو أي عمل ينتج عنه ألم أو عذاب شديد، جسديا كان أو نفسيا، يلحق عمدا بشخص ما بقصد الحصول منه، أو من شخص ثالث، على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه أو يشتبه في أنه ارتكبه، هو أو شخص ثالث، أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب يقوم على التمييز أيا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عنه موظف رسمي أو أي شخص يتصرف بصفته الرسمية ولا يتضمن ذلك الألم أو العذاب الناشئ فقط عن عقوبات قانونية أو الملازم لهذه العقوبات أو الذي يكون نتيجة عرضية لها. (اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة).

بنية الكتاب
الكاتب يعترف بأنه كان من الممكن نشر مؤلفه في ثلاثة أقسام منفصلة ذكرها، لكنه فضل نشر المكونات مجتمعة لأسباب مرجعية موسوعية.

أما المكونات فهي:
1- موسوعة تاريخية.
2- تحليل علوم اجتماعية.
3- كتاب عن الحكمة السياسية.

لذلك فمن غير الممكن عرضه عرضا كاملا ضمن المساحة المحددة للمراجعة، ولكننا سنركز على النقاط الأساسية فيه، لأن هدف أي مراجعة علمية هو عرض محتويات الكتاب وتقويمه من منظور علمي، مما يستدعي بالضرورة امتلاك المراجِع الأدوات العلمية المناسبة، بما يشجع القراء على اقتنائه، أو نبذه.

قسم المؤلف عمله إلى خمسة أجزاء تحوي مجتمعة 24 فصلا، يضاف إليها ملاحق وجداول، هي:
1- التعذيب والديمقراطية.
2- تذكر الستالينية والنازية.
3- تاريخ التعذيب بالكهرباء.
4- تقاليد تعذيب سري أخرى.
5- السياسة والذاكرة.

أهداف الكتاب
كتب المؤلف أن هدفه من وراء تأليف هذا الكتاب ونشره هو:
1- عرض تاريخ تقنية التعذيب في مختلف أنحاء العالم في القرن الماضي واستخدامه لمناقشة الادعاءات التاريخية والفلسفية والأنثربولوجية المعاصرة.

2- طرح أسلة استفزازية وفرضيات ظنية عن النمط التاريخي لتكنولوجيا التعذيب والعوامل المشكلة لها، وربط تطور تلك التقانة بعناصر لا تُربط بها في العادة، أي: الديمقراطية والرقابة الدولية.

3- توجيه المناظرة العلنية عن الموضوع.
4- طعنة خاطفة للمدافعين عن التعذيب.
5- توفير مصدر موثوق لمنظمات حقوق الإنسان وصناع السياسة والسياسيين.

لذلك فإن هذا المؤلف استكشافي ويركز على أساليب ما يسمى "التعذيب النظيف"، أي التعذيب الذي لا يترك آثارا جسدية مرئية.

"
ثمة ميل لدى البعض إلى الادعاء بأن الديمقراطيات ورثت "التعذيب النظيف" من الأنظمة الستالينية والنازية، لكن الحقيقة التاريخية هي أن الأخيرة لم تمارس ذلك الشكل من التعذيب
"
"التعذيب النظيف" والديمقراطية
الكاتب يسأل/يتساءل: هل ثمة "تعذيب نظيف"؟! ويجيب: نعم، ثمة "تعذيب نظيف". ثم: هل تمارس الحكومات الديمقراطية التعذيب؟ ومرة أخرى يجيب: نعم، الحكومات الديمقراطية تمارس التعذيب.

ومن أجل أن تُرسى قواعد النقاش وأصوله، وحتى يعرف القارئ منطلقات المؤلف النظرية، فثمة حاجة ماسة إلى تعريف "الديمقراطية"، خاصة أن أكثر أنظمة العالم قمعية وعدوانية تجاه شعوبها وتجاه الشعوب الأخرى رغم ادعائها أنها ديمقراطية.

"الديمقراطية"، بحسب المؤلف، شكل من أشكال الحكم المرتكز على اللاحِرَفِية (السكان يحكمون بالتناوب بوساطة القرعة أو الانتخاب في اختيار حر بين المتنافسين) والمشاركة (شريحة ذات مغزى من المجتمع لديها حرية الوصول إلى تلك الوسائل).

الديمقراطيات تمارس التعذيب لضمان استمرار سيطرتها على المجتمع وتنفيذ سياساتها، وأسباب أخرى تعرض إليها تفصيليا في الفصل الثاني.

البدايات في الولايات المتحدة وفرنسا
ثمة ميل لدى البعض إلى الادعاء بأن الديمقراطيات ورثت "التعذيب النظيف" من الأنظمة الستالينية والنازية، لكن الحقيقة التاريخية التي يشدد عليها المؤلف هي أن الأخيرة لم تمارس ذلك الشكل من التعذيب.

ممارستها المفضلة كانت "التعذيب غير النظيف"، وأحد أنواع "التعذيب النظيف"، أي استخدام كهرباء الهاتف الميداني، مارسته القوات الفرنسية في فيتنام ومنها انتقل إلى ألمانيا النازية.

المؤلف عثر على بداياتها (استخدام الكهرباء) في ممارسات الشرطة الأميركية والفرنسية والبريطانية، ومنهما انتقلت إلى بقية دول العالم.

ومن المؤكد أن المحققين (ممارسي التعذيب) الإنجليز والفرنسيين والأميركيين من بعدهم تبنوا أساليب "التعذيب النظيف" وطورها كذلك.

والسؤال الذي يطرح نفسه دوما عند الحديث عن الموضوع، هل يؤدي التعذيب غرضه؟ المؤلف وغيره ممن كتبوا عن الموضوع يؤكدون أن التعذيب لا يؤدي غرضه إطلاقا، ويمكن استخلاص العبر من ممارسة الدول المستعمِرة التعذيب على ثوار المستعمرات على نحو منهجي ومبرمج وضمن منظومة متكاملة، وقد انهارت الإمبراطوريات ونالت الشعوب المستضعفة استقلالها.

وهذا ما دفع المؤلف إلى طرح السؤال الاستنكاري: ما دام التعذيب لا يؤدي غرضه، فلماذا لا تتوقف تلك الممارسات البشعة؟ أهي سادية تلك المجتمعات؟

"
الدول الديمقراطية تحكمها نخبة تحاول لسبب ما إخفاء الطبيعة الاستغلالية للدولة في هيئة حكومة ديمقراطية، لذا فإنها تأمر موظفيها ومستخدميها بممارسة "التعذيب النظيف" على نحو مخفي
"
المنهجية بين الادعاءات والحقيقة
الكتاب يرسم مجموعة من الادعاءات حول انتشار تكنولوجيا "التعذيب النظيف" في مختلف أنحاء العالم، ويميز الحقيقة من الخيال، والمعروف من الغامض. لكن الفرضية الأساسية هي أنه كلما ازدادت الرقابة على التعذيب زاد اللجوء إلى "التعذيب النظيف" بهدف الإفلات من الاكتشاف والإدانة.

ومن هذا المنطلق فإن الكاتب يطرح الإشكاليات التالية:
1- ما المقياس السلوكي لإدراك قصدية المحقق ليكون سريا؟
2- ما المقياس لتقرير ما إذا كانت الدولة ديمقراطية أو شمولية؟
3- ما المتغير الحقيقي في هذه الدراسة، التعذيب أم تقانة الإكراه الجسدي؟
4- ما الفرق بين التعذيب والعقاب؟

ومن هذه المكونات والأسس والحقائق يتجه الكاتب إلى تأسيس ادعاءات تاريخية تضع القوالب التي تم عبرها ظهور تقانات التعذيب على المستوى العالمي، لكن رغم أنه يقول إنها ادعاءات، فإنه يؤكد كونها "ادعاءات حقيقية تعتمد على أفضل البراهين المتوفرة".

- ثمة تقانات تحقيق مؤلمة كثيرة مختلفة تترك آثارا قليلة، وهذه التقانات تسمى "تقانات نظيفة"، في مواجهة "التقانات الندبية" أي التي تترك آثارا وندوبا.

- "التقانات النظيفة" ليست نفسية وإنما جسدية، ومعظمها محنكة.
- "التقانات النظيفة" ظهرت للمرة الأولى في العقاب العسكري في الجيش البريطاني، وضمن إطار العبودية في الولايات المتحدة، وفي السجون، وفي الحملات العسكرية الاستعمارية التي نفذتها كل من بريطانيا وفرنسا.

- كل تقانات التعذيب التي تظهر إلى العلن في أيامنا هذه في أفغانستان وإيران والجزائر وأيرلندا الشمالية وفي سجون بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية، تفرعت من التقانات الأولى.

- ثمة تاريخ طويل من ممارسة "التعذيب النظيف" في الديمقراطيات في الولايات المتحدة الأميركية وخارجها.
- قليلا ما ظهر "التعذيب النظيف" قبل الحرب العالمية الثانية في الدول المعروفة حاليا بممارستها "التعذيب غير النظيف".
- مع نهاية القرن العشرين، انتقل "التعذيب النظيف" الذي ظهر للمرة الأولى في "الديمقراطيات الغربية" إلى بقية دول العالم وانتشر فيها.

- ثمة أشكال مختلفة من "التعذيب النظيف" منها العنقدة (clustering)، والديمقراطيات الغربية هي أكثر دول العالم ممارسة له.
- الشرطة والجيش في الديمقراطيات الغربية الرئيسية كانت السباقة في تبني تقانة "التعذيب النظيف" وتطويره. ومن ذلك على سبيل المثال، استخدام الهاتف الميداني لتعذيب الأسرى بالكهرباء إذ استخدمته القوات الفرنسية في فيتنام، مدة طويلة قبيل تعلم النظام النازي هذا الشكل.

التعذيب ورقابة المجتمع الأهلي
الكتاب يجيب أيضا عن مجموعة من الأسئلة والتساؤلات منها ما يلي:
- لماذا ظهرت أساليب "التعذيب النظيف" للمرة الأولى في الديمقراطيات الرئيسية وليس في أنظمة حكم أخرى؟
- كيف هاجرت تلك التقانات؟ وما سبب هجرتها إلى دول أخرى؟
- لماذا اكتسبت هذه التقانات الأولوية على غيرها من تقانات التعذيب؟
- لماذا تغلب هذا الشكل من أشكال التعذيب على غيره من الأشكال في مختلف بقاع العالم؟

الكاتب يؤكد أن "التعذيب النظيف" والنظام الديمقراطي يسيران جنبا إلى جنب بسبب الرقابة الأهلية، لكنه في الوقت نفسه يعترف بوجود إشكالية إثبات أن الرقابة هي السبب الوحيد وراء "التعذيب النظيف".

من ناحية أخرى، ثمة من يرفض القول إن الرقابة الأهلية هي دافع التعذيب النظيف، وذلك من منطلق تعريف آخر للديمقراطية.

الرأي الآخر يقول إن الدول الديمقراطية تحكمها نخبة تحاول، لسبب ما، إخفاء الطبيعة الاستغلالية للدولة في هيئة حكومة ديمقراطية، لذا فإنها تأمر موظفيها ومستخدميها بممارسة عملهم "التعذيب النظيف" على نحو مخفي.

والمؤلف يتفادى مناقشة صحة هذا التعريف للديمقراطية أو خطئه، لكنه يقول إنه يقود بالضرورة إلى استنتاج أن الرقابة الأهلية هي سبب الإخفاء.

"
ثمة إثبات قاطع بأن التعذيب لا يؤدي إلى أي نتيجة سوى إلحاق الألم بالضحايا، وهو لا يقود، كما يدعي المنطق التسويغي والتلفيقي، إلى إنقاذ أرواح بل إلى إزهاقها
"
أشكال "التعذيب النظيف"
يعدد المؤلف أشكال "التعذيب النظيف" التالي ذكرها، لكننا نفضل تفادي تفصيل كل منها نظرا لوحشيتها التي يمكن للقارئ وللضحية تصور فظاعتها، ولأن مثل هذا العرض سيغطي صفحات كثيرة.

- الكهرباء ستة أنواع.
- الضرب بالأجهزة والأدوات.
- الضرب باليدين.
- استخدام الماء.
- الخنق.
- الهواء.
- الإنهاك الجسدي: الإجبار على الركض المتواصل.. إلخ،
وفرض أوضاع جسدية محددة على المعتقل مثل القرفصاء الانحناء.. إلخ.

- الأوضاع القسرية: حجز في زنازين تجبر السجين على البقاء واقفا أو منحنيا.. إلخ.
- الكبح.
- استخدام الأملاح والتوابل.
- استخدام الأدوية والمهيجات.
- منع النوم.
- الضجيج.
- إفقاد السجين أحاسيسه.

والكتاب الموسوعي هذا ليس استعراضا مجردا لأن المؤلف يقدم أمثلة شخصية ملموسة: ابن الشيخ الليبي، وأبو زبيدة، وعبد الحكيم مراد وغيرهم كثيرون، إضافة إلى جغرافية التعذيب: أبو غريب وغوانتانامو وأفغانستان وأيرلندا الشمالية وفيتنام وإسرائيل وفلسطين والجزائر وقبرص.. والقائمة تطول وتطول، وتضم معظم دول العالم ومنها الدول العربية، والوصف ليس عابرا وإنما تفصيلي.

خلاصة
تعذيب المخلوقات أيا كانت بشرية أو حيوانية يمثل بلا شك الدرك الأسفل الذي يصل إليه البشر وتصل إليه الأنظمة، إذ ليس ثمة ما يسوغ هذه التصرفات اللاإنسانية وإلحاق الألم بأي مخلوق كان.

هذا الكتاب يثبت إثباتا قاطعا أن التعذيب لا يؤدي إلى أي نتيجة سوى إلحاق الألم بالضحايا، وهو لا يقود، كما يدعي المنطق التسويغي والتلفيقي، إلى إنقاذ أرواح بل إلى إزهاقها.

فهذا الكتاب بالتالي مرافعة عن كل ضحايا التعذيب ماضيا وحاضرا ومستقبلا، أيا كان نوعهم، ودعوة إلى التأمل والاعتبار واحترام المخلوقات وفي مقدمتها البشر.

المصدر : الجزيرة

التعليقات