عرض/بدر محمد بدر
في الذكرى الخامسة لسقوط بغداد في التاسع من أبريل/نيسان عام 2003, يقدم لنا الفريق الركن رعد مجيد الحمداني هذا الكتاب, ليكشف من خلاله عن بعض الحقائق والتفاصيل التي أحاطت بالعراق في الثلاثين عاما الأخيرة وانتهت -مع الأسف- بتدميره واحتلاله, وإشعال الفتن بين أهله, وخروجه من دائرة القوة والاستقرار, لسنين قادمة.

-الكتاب: قبل أن يغادرنا التاريخ
-المؤلف: رعد مجيد الحمداني
-الصفحات: 350 
-
الناشر: الدار العربية للعلوم, لبنان
-
الطبعة: الأولى/ 2007
ومؤلف الكتاب ضابط عراقي, ترقى في سلك القوات المسلحة حتى وصل إلى رتبة فريق ركن, وقائد لفيلق الحرس الجمهوري الثاني (الفتح المبين) وشارك ضمن القوات العراقية في حرب أكتوبر/تشرين الأول عام 1973, ثم في حرب الخليج الأولى (1980-1988) ضد إيران, ثم في الغزو العراقي للكويت في أغسطس/آب عام 1990, وأخيرا في صد الغزو الأميركي البريطاني الزاحف على العراق في مارس/آذار 2003.

والفريق الحمداني صاحب قلم سيال ولغة جميلة وذاكرة واعية ومعلومات متدفقة, سطرها يوما بيوم أثناء خدمته في القوات المسلحة, التي بلغت ثلث قرن, وبالتالي فهو إضافة جيدة للمكتبة العربية عموما, والعسكرية على وجه الخصوص.

والكتاب مؤلف من تسعة فصول, وشغلت الحرب الأخيرة على العراق الفصلين الثامن والتاسع, ومنذ البداية يشدد المؤلف على دعوة المثقفين بشكل عام والمسؤولين العراقيين والقادة الذين عاشوا الأحداث المهمة, للمساهمة في إظهار الحقيقة المغيبة في أوحال التمويه, بشكل وطني صادق, مجرد من أية مصالح سياسية أو طائفية أو عنصرية أو شخصية, لإحقاق العدل في مسألة كتابة التاريخ قبل أن يغادرنا, ليس لهذه الحرب فحسب, بل لكل تاريخ العراق المعاصر, بعدما نفذ حكم الإعدام بمؤسسات دولة العراق.

حرب أكتوبر
في الفصل الأول يتحدث المؤلف عن مشاركة القوات العراقية في حرب أكتوبر/تشرين الأول 1973 على الجبهة السورية والمصرية لمدة قاربت الأسابيع الثلاثة حتى تم وقف إطلاق النار, دون أن يكون هناك تنسيق قبل بدء الحرب, ورغم ذلك فقد كانت الروح المعنوية مرتفعة, وشارك العراقيون ببسالة إلى جانب إخوانهم السوريين والمصريين, واستشهد منهم 323 مقاتلا من الفرقة المدرعة الثالثة وحدها, كما فقدوا 137 دبابة وناقلة جند و26 طائرة.

وعلاوة على الواجب القومي والأخلاقي فقد اكتسب العراقيون خبرة كبيرة في القتال, خصوصا في قتال الدروع, وعلى الجانب الإسرائيلي يقول المؤلف إن الجيش كان يمتلك مهارات قتالية عالية ودرجة كبيرة من التنسيق بين قواته البرية والجوية, وقدرة عالية في إدارة المعركة.

"
العراقيون شاركوا في حرب 1973 ببسالة إلى جانب إخوانهم السوريين والمصريين, واستشهد منهم 323 مقاتلا من الفرقة المدرعة الثالثة وحدها, كما فقدوا 137 دبابة وناقلة جند و26 طائرة
"
وفي الفصل الثاني يتحدث المؤلف عن مشاركته ضمن القوات المسلحة في قمع التمرد الكردي في شمال العراق عامي 1974-1975 وكيف أن توافق المصالح الإيرانية الإسرائيلية, وانسجامها مع سياسة الولايات المتحدة التي رأت التدخل بقوة بالشؤون الداخلية العراقية, ساهم بقوة في إفشال مشروع الحكم الذاتي للأكراد, الذي تم الاتفاق عليه عام 1970, ولعبت إيران في عهد الشاه رضا بهلوي دورا مباشرا في دعم التمرد الكردي, لكن حصيلة المعارك التي انتهت في 30/4/1975, بلغت 63 ألف إصابة في الجيش العراقي وحده, وبالتأكيد أضعاف ذلك على الجبهة الكردية.

ومن الدروس المهمة التي يراها المؤلف لهذه المعارك أن الضحايا كانوا عراقيين, ومن الحكمة عدم اعتماد الحل العسكري في القضايا السياسية والمشكلات الوطنية, وكان من الممكن تحقيق الكثير من المكاسب السياسية في حالة تطبيق الحكم الذاتي لحل المشكلة الكردية.

الصراع مع إيران
ويناقش المؤلف في الفصل الثالث أبعاد الحرب العراقية الإيرانية التي امتدت ثماني سنوات, حيث يرى أن التناقض الأيديولوجي بين نظامين سياسيين متجاورين على أرضية مشتركة ومعقدة من الموروث التاريخي والديني والاجتماعي والاقتصادي, كان له الدور الأساسي لمكونات ومسببات الصراع الطويل, في الوقت الذي كان فيه العراق تحت قيادة يحدوها الأمل في تحقيق حلم كبير جدا في انبعاث قدرات أمة عربية من المحيط إلى الخليج.

ويشير المؤلف إلى أن إستراتيجية الدول العظمى رأت أن تقوم باستنزاف العراق وإيران في حرب إقليمية, تسهل عليها فيما بعد احتواءهما وتطويعهما لتحقيق مشروع الهيمنة العالمية كهدف إستراتيجي, ودفع كلا الشعبين ثمنا باهظا من الدماء والأموال, وضياع فرص البناء, وخسارة أعمار جيل كامل من شباب تلك الفترة الزمنية.

ويستعرض المؤلف يوميات الحرب الطويلة ما بين كر وفر ومد وجزر, مرورا باحتلال مدينة وشبه جزيرة الفاو من قبل القوات الإيرانية, ثم معركة الحصاد الأكبر (الشلامجة).

وفي الفصل الرابع تناول المؤلف المرحلة الأخيرة من الحرب مع إيران, ومنها معركة تحرير مدينة الفاو العراقية التي سقط فيها ألف مقاتل عراقي, بينما سقط في عملية احتلالها أكثر من 51 ألف جندي وضابط في الجبهة العراقية وحدها.

ثم يتناول بالتفصيل معارك "توكلنا على الله" الأولى والثانية والثالثة والرابعة, والتي انتهت بإعادة تحرير المناطق التي احتلتها إيران أثناء الحرب, ومنها جزر حقول نفط مجنون, إلى أن انتهت الحرب في الثامن من أغسطس/آب 1988, بإعلان الرئيس العراقي صدام حسين قبول الدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران مع إيقاف القتال وإنهاء الحرب.

ولا يشير المؤلف إلى حجم الخسائر الرهيبة التي تكبدها الطرفان: العراقي والإيراني في هذه الحرب, سواء البشرية أو العسكرية أو المادية.

غزو الكويت

"
عملية تحرير الكويت (كما يرى العراقيون) بدأ الإعداد العسكري لها في 19/7/1990 وتم تنفيذها مساء الأول من أغسطس/آب 1990, وفي ساعات معدودة تم احتلال الكويت
"
في الفصل الخامس يقول المؤلف إن العراق خرج مزهوا وفخورا بما حققه في حربه مع إيران. خرج العراق من هذه الحرب وهو يظن أنه سيكون المقتدر على ريادة الأمة العربية, وكان يمتلك أكبر قاعدة تصنيع عسكري وخبرة قتال عالية, والشعب أكثر تماسكا والتصاقا بقيادته وفق ما يرى في الظاهر, وفي هذه الفترة فكرت القيادة العراقية بإعداد خطة لتحرير فلسطين, وبدأت بالفعل في عام 1989 لكنها سرعان ما انتهت دون إبداء الأسباب.

ويشير المؤلف إلى الأجواء السلبية التي سبقت غزو الكويت, وقيام شركة أميركية تعمل في الكويت بسرقة النفط العراقي بواسطة الحفر المائل, والغريب أن الشركة الأميركية هي من قامت بإبلاغ العراق, ومما زاد الأمر سوءا قيام الكويت التي كانت أساسا جزءا من محافظة الموصل العراقية الجنوبية أيام الدولة العثمانية, ببيع البترول بأسعار رمزية لإيران.

وفي نهاية أبريل/نيسان 1990 هدد الرئيس العراقي بحرق نصف إسرائيل بالسلاح الكيماوي المزدوج, إذا ما هدد العراق أو ضرب بسلاح ذري سواء كان السلاح أميركيا أو إسرائيليا, فقامت الدنيا ولم تقعد ضد العراق.

ويقول المؤلف, الذي شارك ضمن طلائع القوات العراقية في غزو الكويت, إن عملية تحرير الكويت -كما يرى العراقيون- بدأ الإعداد العسكري لها في 19/7/1990 وتم تنفيذها مساء الأول من أغسطس/آب 1990, وفي ساعات معدودة تم احتلال الكويت.

صفحة سوداء
ويرى المؤلف أن القيادة العراقية ارتكبت أكبر الأخطاء الإستراتيجية باحتلالها الكويت, كما لم تتوفر الحكمة الكافية لدى القيادة الكويتية للمساعدة على تجنب ما حدث, ومعظم المظاهر المشينة التي حدثت هناك من الاحتلال وما ترتب بعده, يتحملها بالتأكيد صانع القرار الكارثي ومن شاركه فيه أو شجعه عليه, كما يتحملها بعض كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين وقلة من العسكريين.

وسمعة الجيش العراقي والحرس الجمهوري لوثتها تلك القلة المجرمة -كما يقول المؤلف- التي لم تراع حقوق الله والعباد وشرف المسؤولية والشرف العسكري, وستظل صفحة سوداء في تاريخ العراق يصعب على أي مسؤول تبرئة نفسه منها.

ولا يضيف المؤلف جديدا في موضوع الأسرى الكويتيين إلا ما سمعه عن اتهام وزير الدفاع العراقي حسين كامل بالمسؤولية عن هؤلاء.

"
احتلال الكويت كان أمرا مرفوضا على كل المستويات الدولية والإقليمية والمحلية والقانونية والأخلاقية, وكان قرار صدام حسين خطأ إستراتيجيا 100%, وتتحمل الجامعة العربية جزءا كبيرا من مسؤولية هذا الغزو
"

وفي الفصل السادس يتحدث المؤلف عن حرب الخليج الثانية أو أم المعارك، التي أدت إلى خروج العراق من الكويت بعد نحو ستة أشهر فقط, ويعود إلى التأكيد على أن احتلال الكويت كان أمرا مرفوضا على كل المستويات الدولية والإقليمية والمحلية والقانونية والأخلاقية, وكان قرار صدام حسين خطأ إستراتيجيا 100%, وتتحمل الجامعة العربية جزءا كبيرا من مسؤولية هذا الغزو.

فقد كان بإمكانها تحجيم هذه الأزمة الخطيرة وإبقائها في مجال الحل العربي. صحيح أنه كان لغرور وطموح الرئيس العراقي وإحساسه باستحقاق الزعامة على الأمة العربية, وهيمنة أوهام القوة الخادعة على وعيه، وافتقاره للإحساس الحقيقي بحركة الزمن, ما جعله يستخف بالمواثيق العربية والدولية لتحقيق تلك الرغبات.

تحرير الكويت
وفي الثامنة من صباح الثامن والعشرين من فبراير/شباط 1991, أعلن الرئيس الأميركي وقف العمليات العسكرية وانتهاء الحرب بتحرير الكويت, بعد 43 يوما بلياليها تكبد فيها العراق خسائر فادحة في أسلحته ومعداته, وما يزيد عن مائتي ألف إصابة مختلفة, وما يزيد عن 63 ألف أسير, وهو ما أدى إلى اندلاع انتفاضة الجماهير العراقية في 14 محافظة من أصل 18 في اليوم التالي لانتهاء الحرب, وتم قمع هذه الانتفاضة بصورة دموية.

ويتناول المؤلف في الفصل السابع فترة الحصار الطويل, الذي امتد من عام 1991 إلى 2003, وعاش فيها الشعب العراقي في محنة كبيرة.

لقد كان قدر الشعب العراقي أن يحكم منذ عام 1958 بأقل قدر من الحكمة, بسياسات ضيقة الأفق وخاصة في المرحلة الأخيرة, وفق بيئة سياسية معقدة, في تداخل هائل من المصالح الذاتية والإقليمية والدولية, ضمن إستراتيجية بعيدة المدى, تهدف إلى إضعاف العراق وصولا إلى تقسيمه, مع مشروع طموح لتغيير الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط, مما يخدم مشروع الشرق الأوسط الكبير.

والمفاجأة التي يكشفها المؤلف أن صدام حسين فكر مرة أخرى في عام 1994 بإعادة احتلال الكويت, وبحث مع قادته العسكريين استعداد القوات لهذه المعركة, بل إنه أرسل الجيش إلى البصرة مجددا, لكن الأوضاع تغيرت على المستوى الدولي, وأجبر العراق على التراجع شمال خط عرض 33 وجنوب خط 36, كما حدثت عدة محاولات لاغتيال صدام حسين دون أن تنجح.

"
خطة الدفاع عن بغداد تم عرضها على القادة العراقيين في سبع دقائق فقط في 18/12/2002, ولم يسمح لأحد بالنقاش, وقد أُعلن أمام قصي صدام حسين قائد الحرس الجمهوري أن الخطة سطحية وساذجة وغير عملية على الإطلاق, لكن الأمر كان قد انتهى
"
قبيل العدوان الأميركي
وفي الفصل الثامن يتحدث المؤلف عن الموقف العراقي قبيل العدوان الأميركي البريطاني, فيقول إن القوات المسلحة فقدت الكثير من مقوماتها وعناصرها في مسرحي العمليات الإيراني والكويتي, بالإضافة إلى الدمار الذي أحدثه القصف الجوي الإستراتيجي للحلفاء, للبني التحتية بالاقتصاد العراقي, ومنه الجهد الحربي الإستراتيجي.

كما اختفت القدرة البحرية العراقية, وكذلك القدرة الجوية العراقية في شتاء 1996, نتيجة لعامل التدمير المباشر وغير المباشر في الحرب, وتقادم الزمن وانتهاء أعمار الطائرات ومنظوماتها الفنية والتسليحية, بالإضافة إلى خسارة 135 طائرة مختلفة, رفضت إيران إعادتها للعراق, وكذلك الطائرات التي أرسلت إليها باتفاق شرف بين القيادتين العراقية والإيرانية, لتجنيبها التدمير المحتمل في تلك الحرب, حيث اعتبرتها إيران جزءا من تعويضات الحرب العراقية الإيرانية.

أما القوات البرية فقد تقلصت إمكانياتها وقدراتها كثيرا من الناحيتين الكمية والنوعية, لما أصابها من تدمير مادي ومعنوي, وهي أهم وأكبر أسلحة القوات العراقية, بالإضافة إلى نتائج الحصار الاقتصادي والحظر التسليحي وتخلف مستويات إعداد القدرة العسكرية, إضافة إلى تدني المستويات المعيشية.

وقد أدى هذا كله إلى انهيار كبير بأخلاق الجندية, وانصراف الكثيرين للبحث عن وسائل عيش أخرى لتأمين الحد الأدنى من مستويات المعيشة السابقة, وتفشي ظاهرة الفساد الإداري في مستويات مختلفة من المؤسسة العسكرية العراقية.

ويكشف المؤلف أن خطة الدفاع عن بغداد تم عرضها على القادة في سبع دقائق فقط في 18/12/2002, ولم يسمح لأحد بالنقاش وأن على الجميع التنفيذ, ويقول إنه أعلن أمام قصي صدام حسين قائد الحرس الجمهوري أن الخطة سطحية وساذجة وغير عملية على الإطلاق, لكن الأمر كان قد انتهى.

اندلاع الحرب
وفي الفصل الأخير يتناول المؤلف طبيعة القيادة العسكرية العراقية وأسلوب إدارتها للحرب الدفاعية, ويشير إلى أن أهم صفات القيادة العسكرية العراقية كانت شدة خضوعها لإثبات الولاء السياسي لرئيس الدولة.

وتتجلى محنة الإستراتيجية العليا العراقية في حرب 2003 في أنها كانت في وضع نفسي وأخلاقي ومادي غير قادر على تجنب الحرب, في ظل ضغوط سياسية هائلة مارستها الولايات المتحدة وبريطانيا, في المحيطين الإقليمي والدولي.

"
بعد سقوط بغداد بدأت مرحلة جديدة من التراجع العربي والتغيير في خريطة المنطقة, وسوف تكشف الأيام الكثير من الحقائق والمواقف إزاء ما جرى في العراق في نصف القرن الماضي
"
ويسرد المؤلف بالتفصيل العمليات العسكرية العراقية ضد قوات التحالف, وصولا إلى الانهيار الذي حدث في الجيش العراقي إبان وصول الأرتال الأميركية ليلة 4/5 أبريل/نيسان 2003 إلى مداخل ومخارج العاصمة العراقية بغداد, التي دمرتها وأحرقتها آلاف الصواريخ والقنابل.

ويشير إلى أنه لولا حذر القوات الأميركية الشديد لسقطت بغداد يوم 5/4 خاصة من جهة الغرب. وفي يوم 8/4 أصدر على حسن المجيد أمرا لتجميع جميع ضباط المقر العام من رتبة فريق إلى ملازم, لتوزيع الأحزمة الناسفة عليهم, لتدمير الدروع المعادية بأجسادهم, وفي نفس اليوم انهارت القوات العراقية في الشمال, كما دخلت الدبابات الأميركية بغداد وسيطرت على جسورها بعد أن واجهت مقاومة شديدة, كان معظم أبطالها من المتطوعين العرب, الذين قدموا لبغداد قبل مدة وجيزة من بدء الحرب, منهم أعداد كبيرة من السوريين.

ثم تسقط بغداد لتبدأ مرحلة جديدة من التراجع العربي والتغيير في خريطة المنطقة, وسوف تكشف الأيام الكثير من الحقائق والمواقف حول ما جرى في العراق, في نصف القرن الماضي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك