عرض/حسن ابحيص
أصدر مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في بيروت كتاب "صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة الفلسطينية 2006-2007" الذي يحاول تقديم دراسة لصراع الصلاحيات بين حركتي التحرير الوطني (فتح) والمقاومة الإسلامية (حماس) أثناء قيادتهما لمؤسسات الحكم الذاتي، منذ أن فازت الثانية بالانتخابات التشريعية أوائل 2006 حتى أكتوبر/ تشرين الأول 2007 مسلّطاً الضوء على الجوانب القانونية وكيفية توظيفها من قبل الطرفين.

الكتاب: صراع الصلاحيات بين فتح وحماس في إدارة السلطة الفلسطينية 2006-2007
-إعداد: مريم عيتاني
-
تحرير: د. محسن محمد صالح
-الصفحات: 118
الناشر: مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات, بيروت
-الطبعة: الأولى/ فبراير 2008
يعتبر الكتاب أن إجراء انتخابات تشريعية حرة نزيهة وشفافة كان إنجازاً يحسب للسلطة الفلسطينية، ونموذجاً حضارياً في العلاقة بين القوى والتيارات الفلسطينية المختلفة.

إلا أن "الفرحة لم تتم" عندما بدأت حرارة الاختلاف في التصاعد بين طرف شعر أنه خسر شيئاً يملكه ويريد استرداده بأسرع وقت، وطرف آخر شعر أنه حاز على ثقة الشعب ويريد أن يستلم الصلاحيات ويحقق الإنجازات بأسرع وقت.

حيث احتفظت فتح بسيطرتها على منظمة التحرير الفلسطينية وعلى منصب الرئاسة كما احتفظت بسيطرتها عملياً على الأجهزة الأمنية وعلى جهاز الخدمة المدنية، بينما سيطرت حماس على المجلس التشريعي وعلى حكومة السلطة.

ودخل الطرفان في صراع على الصلاحيات، خسر فيه الطرفان وعانى معهما الشعب الفلسطيني، في الوقت الذي سعت فيه إسرائيل والولايات المتحدة لتأجيج الخلاف وتغليب طرف على آخر.

الصلاحيات وفق القانون الأساسي للسلطة
عرض الفصل الأول من الكتاب صلاحيات كل من رئيس السلطة الفلسطينية ومجلس الوزراء والمجلس التشريعي، حسب ما نص عليه القانون الأساسي المعدل للسلطة.

متناولاً في هذا الإطار الباب الثالث من القانون الأساسي المتعلق بواجبات رئيس السلطة ومسؤولياته فيما يخص التعيينات، وتكليف رئيس الوزراء وإقالته أو قبول استقالته، وإصدار القوانين والقرارات، والباب الرابع منه المتعلق بتحديد اختصاص المجلس التشريعي وامتيازات أعضائه.

إلى جانب تناوله الباب الخامس من القانون الأساسي والذي يحدد اختصاص مجلس الوزراء وصلاحياته في المادة 63 منه بأنه "فيما عدا ما لرئيس السلطة الوطنية من اختصاصات تنفيذية يحددها القانون الأساسي، تكون الصلاحيات التنفيذية والإدارية من اختصاص مجلس الوزراء".

كما عرض هذا الفصل الصلاحيات المتعلقة بالمالية العامة، وحالة الطوارئ، وقوات الأمن، والسلطة القضائية، مفرداً عنواناً خاصاً لعدد من الصلاحيات والحالات التي أغفلها القانون الأساسي، وعالجتها مؤقتاً الاتفاقات بين قادة الطرفين المسيطرين على الرئاسة والحكومة: فتح وحماس.

صراع الصلاحيات بالمجلس التشريعي وإدارات السلطة
في فصله الثاني، بحث الكتاب الصراع الناشئ "منذ اللحظة الأولى لوصول حماس إلى السلطة" على الصلاحيات، لافتاً الانتباه إلى أن بوادره الأولى كانت جملة من التعيينات وملء الشواغر والترقيات من قِبَل رئاسة السلطة، وجلسة ختامية للمجلس التشريعي المنتهية ولايته، والذي كانت تسيطر عليه حركة فتح، أُقرّت فيها مجموعة من القوانين التي توسع من صلاحيات الرئيس الفلسطيني، تلتها جلسة افتتاحية "عاصفة" للمجلس الجديد، أعادت كتلة حماس البرلمانية فيها التصويت على قرارات المجلس السابق وألغتها.

"
الصراع بين فتح وحماس لم ينشأ عن غموض في القوانين، إذ أن القوانين واضحة في تحديد صلاحيات كل من الرئاسة والحكومة، ولكنه وقع لأن من شغل المنصبين سابقاً كان من حركة فتح، أما بعد فوز حماس فقد ظهرت إشكالية تحديد هذه الصلاحيات
"
وقد تناول الكتاب هاتين الجلستين بالتفصيل، قبل أن ينتقل للحديث عن الصراع حول الإدارات المختلفة لمؤسسات السلطة، مستعرضاً القرارات والتعيينات التي جاءت في هذا السياق من كلا الطرفين.

ورأى الكتاب أن هذا الصراع لم ينشأ عن غموض في القوانين، إذ أن القوانين واضحة في تحديد صلاحيات كل من الرئاسة والحكومة، ولكنه وقع لأن من شغل المنصبين سابقاً كان من حركة فتح، أما بعد فوز حماس فقد ظهرت إشكالية تحديد هذه الصلاحيات.

حيث سعى الرئيس محمود عباس وحركة فتح إلى إبقاء حالة "التفرد الفتحاوية" في الإدارات قدر الإمكان، سواء عبر التعيينات والترقيات المختلفة أو حتى بالإضرابات والعصيان المدني.

الصراع حول وزارة الخارجية والتمثيل الخارجي
انتقل المؤلف بعدها للحديث عن الصراع حول وزارة الخارجية والتمثيل الخارجي، مشيراً إلى أن القانون الفلسطيني ككل يتجه نحو حصر مهام رئيس الوزراء بالشؤون الداخلية، ويعطي صلاحيات أكبر للرئيس ولمنظمة التحرير الفلسطينية فيما يخص العلاقات الخارجية.

وأضاف أن تنازع الصلاحيات في وزارة الخارجية كان على مستويين: الأول داخلي مرتبط بالإشراف على عمل الوزارة والموظفين والسلك الدبلوماسي، والثاني على صعيد التمثيل والمشاركات الخارجية، والذي برز في مناسبات عدة، كان أولها خلال اجتماعات وزراء خارجية دول عدم الانحياز في كوالالمبور أواخر مايو/ أيار 2006، والتي شهدت صداماً بين الزهار ورئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير فاروق القدومي، إلى جانب الخلاف على تمثيل فلسطين في اجتماعات الجامعة العربية.

الصراع حول الصلاحيات الأمنية
كان الموضوع الأبرز في الكتاب، موضوع الصراع في مجال الأمن ووزارة الداخلية، والذي كان محور تنازع الصلاحيات بين الطرفين. وفي هذا الشأن رأى المؤلف أنه كان من اللافت للنظر أن الرئيس محمود عباس ومعاونيه كانوا دائماً يجدون المبررات لسحب صلاحيات هي حكماً وعرفاً وقانوناً من صلاحيات وزارة الداخلية؛ كمسؤولية حفظ الأمن الداخلي، وإدارة المعابر.

وفي هذا الإطار بحث الكتاب بالتفصيل الصراع في مجال التعيينات الأمنية، وفي موضوع القوة التنفيذية التي شكلتها وزارة الداخلية التابعة لحكومة حماس، من حيث تشكيلها وعملها والصعوبات التي واجهتها، والجدل القانوني الذي ثار حولها.

وكذلك في الخطة الأمنية التي قدّمها وزير الداخلية في حكومة الوحدة الوطنية التي تشكلت بعد اتفاق مكة هاني القواسمي، والعوائق التي حالت دون تطبيقها دافعة القواسمي للاستقالة؛ إثر شعوره بأن كل الصلاحيات موجودة بيد المدير العام للأمن الداخلي رشيد أبو شباك، وأنه لا يملك أية صلاحية إلا من خلاله، بحسب ما ذكر في استقالته.

إدارة المعابر والموقف من سلاح المقاومة
تناول الكتاب في الفصل نفسه مسألة نقل إدارة المعابر إلى مؤسسة الرئاسة، مشيراً إلى أن الرئيس الفلسطيني برر سياسته في هذا الموضوع بأنها كانت في إطار "ما أكره عليه" لتسيير الأمور، إذ أن الحصار المفروض على حكومة حماس واستحالة أي تعاون بينها وبين الإسرائيليين استدعى من منصب الرئاسة تحركاً تمليه خبرته في المفاوضات وعلاقاته الدولية.

"
رغم اتفاق الطرفين على إنهاء مسألة فوضى السلاح لما تسببه من تفاقم مشكلة الفلتان الأمني، فإنهما كانا في صراع مستمر في كيفية لجم هذه الفوضى
"
ثم تطرق إلى موقف كل من الرئاسة وحكومة حماس تجاه فصائل المقاومة وسلاحها، مشيراً إلى أنه على الرغم من اتفاق الطرفين على إنهاء مسألة فوضى السلاح لما تسببه من تفاقم مشكلة الفلتان الأمني، فإنهما كانا في صراع مستمر في كيفية لجم هذه الفوضى.

حيث كان عباس يصر على حل "المليشيات" ونزع كل سلاح لا يقع تحت سيطرة الأجهزة الأمنية، بينما كانت حماس تتمسك بموقفها الرافض لمسألة نزع سلاح المقاومة، والداعي للتفريق بينه وبين السلاح الفوضوي.

الدعوة إلى انتخابات مبكرة وطلب قوات دولية
كان حاضراً في المؤلف كذلك موضوع دعوة الرئيس عباس إلى انتخابات مبكرة، وهو موضوع رأى الكاتب أنه كان من أبرز ما أثار الجدل في صراع الصلاحيات، لأن الانتخابات التشريعية المبكرة كانت السلاح الذي طالما هدد عباس وفريقه حركة حماس باستعماله إما تصريحاً أو تلميحاً.

وناقش الكتاب السؤال الذي كان يفرض نفسه في كل مرة: هل يحق للرئيس الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة، وهو ما يعني بالضرورة حل المجلس التشريعي؟ وخلص إلى الإشارة إلى أن الخبراء القانونيين مالوا إلى الرأي القائل إن الرئيس لا يملك هذه الصلاحية.

وجاء بعدها على ذكر إشارة الرئيس عباس إلى إمكانية نشر قوات دولية في قطاع غزة، وحصر مطالبته بهذا الأمر بالقطاع وحده، ورأى أن هذه الخطوة جاءت في إطار الصراع مع حركة حماس، ومحاولة كسر سيطرتها على غزة بالاستعانة بقوى خارجية.

إقالة حكومة الوحدة وإعلان حالة الطوارئ
أفرد الكتاب فصله الثالث لمناقشة المراسيم الثلاثة التي اتخذها الرئيس محمود عباس رداً على سيطرة حماس على قطاع غزة منتصف يونيو/ حزيران 2007، والتي نصت على إقالة حكومة الوحدة الوطنية برئاسة إسماعيل هنية، وإعلان حالة الطوارئ، وتشكيل حكومة برئاسة سلام فياض.

كما أشار إلى أن هذه المراسيم كانت فور صدورها مثار جدل ونقاش، وبالأخص مرسوم تشكيل الحكومة، إذ لا يوجد في القانون الأساسي الفلسطيني ما ينص على تشكيل حكومة في حالة الطوارئ التي يفترض أن تكون حالة مؤقتة.

وخلص إلى القول إنه لم يعد هناك من داعٍ للجدل حول إعلان حالة الطوارئ، حتى لو كان الإعلان غير شرعي، إذ أن حالة الطوارئ تنتهي حكماً إذا لم يقم المجلس التشريعي بالمصادقة عليها، لكن إشكالية تحديد "الحكومة الشرعية" العالقة إجابته بين حكومة هنية وحكومة فياض يميل حسبما يظهر لصالح الأولى كـ "حكومة تسيير أعمال" إلى أن تنال أي حكومة أخرى ثقة المجلس التشريعي.

صراع الصلاحيات بعد إعلان حكومة الطوارئ
ناقش هذا الفصل ما وصفه بأنه خروج صراع الصلاحيات من كواليس السلطة ومراكز صناعة القرار إلى العلن، مع وجود حكومتين تتولى كل منهما إصدار القرارات، وتعيين وترقية الموظفين، وإدارة الأجهزة الأمنية في منطقتها، مما أوجد انقساماً كبيراً بين الضفة والقطاع، رأى الكاتب أنه ازداد مع حدة المراسيم التي استمر الرئيس عباس في إصدارها، مستعرضاً تلك المراسيم والجدل الذي دار حولها.

"
الصراع بين حماس وفتح دخل أروقة الأمم المتحدة مع تقديم بعثة فلسطين فيها مشروع قرار يصف حماس بالمليشيات المسلحة الخارجة على القانون، ويطالبها بإعادة الأوضاع في قطاع غزة إلى ما كانت عليه قبل سيطرتها عليه
"
وشملت مسألة دعوة المجلس التشريعي للانعقاد في دورته الثانية لسنة 2007 وإجراء انتخابات هيئة مكتب جديدة بالاقتراع السري، وموضوع الدعوة لانتخابات تشريعية مبكرة بناء على تفويض المجلس المركزي لمنظمة التحرير.

إضافة إلى استعراض القرارات والممارسات التي تناولت عمل الإدارات والمؤسسات التابعة للسلطة، والتي كان لحكومتي فياض وهنية حصة فيها، والقرارات الخاصة بالأجهزة الأمنية والقوة التنفيذية التي أصدرها كلا الطرفين، وتلك المتعلقة بالمعابر وفصائل المقاومة وسلاحها، وطلب الرئيس عباس استقدام قوات دولية إلى قطاع غزة والضفة الغربية، خلال زيارته إلى فرنسا أواخر يونيو/ حزيران 2007.

وصولاً إلى دخول الصراع بين الطرفين أروقة الأمم المتحدة، مع تقديم بعثة فلسطين فيها مشروع قرار يصف حماس بالمليشيات المسلحة الخارجة على القانون، ويطالبها بإعادة الأوضاع في قطاع غزة إلى ما كانت عليه قبل سيطرتها عليه، وهو ما أثار تحفظ عدد من الدول العربية واعتراض عدد آخر، قبل أن تُعدل صياغة المشروع وتحذف الإشارة إلى حماس بهذا الوصف.

من صراع المصالح إلى صراع بين البرنامج
في خاتمتها، ذكرت الدراسة أن صراع الصلاحيات لم يظهر بمجرد وصول حماس للسلطة، لكنه مع وصولها أصبح صراعاً يعطل سير النظام الفلسطيني، إذ تحول من صراع مصالح بين قادة فتح، إلى صراع برامج وعناوين، صراع مرتبط بمشروع التسوية والدعم دولي مقابل مشروع يرفع شعارات المقاومة والإصلاح ويستند إلى الشرعية الشعبية.

كما أنه تحول بعد مرحلة الحسم العسكري الذي أقدمت عليه حماس في غزة إلى عملية تُجذِّر الانقسام الجغرافي بين الضفة الغربية والقطاع، وتُتبعه بانقسام سياسي في المؤسسات والإدارات، الخدماتية والعسكرية والقضائية.

وهو ما أوجد أيضاً أزمة لا تبدو نهايتها قريبة إلا بعودة الفريقين إلى الحوار، والتركيز على الوضع الداخلي، وإعادة اللُّحمة للمشروع الوطني الفلسطيني.

وخلصت الدراسة إلى تأكيد ضرورة رجوع الأطراف، الفلسطينية والعربية والدولية، إلى مبادئ استيعاب الشراكة والتداول السلمي للسلطة، واحترام القوانين والمؤسسات ووضع المصلحة العليا للوطن فوق أي اعتبار سياسي أو حزبي.

حيث إن كل الأطراف الفلسطينية الحقّة خاسرة في صراع، المتضرر الأكبر منه هو المواطن الفلسطيني والقضية الفلسطينية، وحلم بناء دولة مؤسسات سليمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك