عرض/زياد منى
ثمة من يظن أن الصحافة تعكس ما يفكر فيه الرأي العام في بلد ما. وفي الوقت الذي يمكن فيه قبول هذا الرأي، فإنه لا يسري في الغالب إلا في مواقف معيشية تهم المواطن ومستوى معيشته، لكن عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات بعد سياسي خارجي، فمن الصعب قبول ذلك الرأي، والسبب هو أنه بإمكان صحيفة ما نقل أخبار وحجب أخرى، كما هي حال صحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

- الكتاب: إسرائيل وفلسطين كما دوّن الصراع
- المؤلف: هاوارد فريل، رتشرد فُلك
- الصفحات: 310
- الناشر: فِرزو، لندن، نيويورك
- الطبعة: الأولى/2007

هدف الكتاب الذي قسمه المؤلفان إلى عشرة فصول موزعة على جزأين "حقائق مخفية" و"قوانين الحذف"، هو التركيز على تشويه تلك الصحيفة حقائق الصراع العربي الإسرائيلي في افتتاحياتها وتقاريرها المرصودة بين عامي 2000 و2006.

والهدف أيضا المساعدة على إدراك التأثير السلبي لتلك التشويهات في السعي للوصول إلى سلام بين الطرفين، نظرا لسمعة الصحيفة وتأثيرها الفعال في صياغة توجه "الرأي العام" الأميركي، خاصة أن عدم التزامها بالمعايير السليمة للتغطية الصحفية المسؤولة يساعد الإدارة الأميركية على التملص من التزاماتها القانونية تجاه القضية.

أما مرجعية الكاتبين فهي تقارير منظمات دولية مثل "منظمة العفو الدولية" و"مرصد حقوق الإنسان" ومرصد "بتسليم" (مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة)، إضافة إلى بنود القانون الدولي ذات العلاقة.

الصراع العربي الإسرائيلي
انطلاقا من حقيقة أن القضية الفلسطينية هي أكثر النزاعات العالمية استعصاء على الحل، ونظرا لخطورة هذا الصراع الذي يهدد السلام العالمي بكل ما في الكلمة من معنى، فإن المؤلفين يريان أن الولايات المتحدة الأميركية لو التزمت بالقانون الدولي مرجعا لما واجهت الإخفاقات والهزائم في كل من فيتنام والعراق ولبنان.

ولذلك فإن الالتزام بالقانون الدولي وليس عدم الالتزام به هو الذي سيؤدي إلى إحلال السلام. ونظرا لتجاهل الصحيفة القانون الدولي فإن نيويورك تايمز مذنبة بجرم تشويه الحقيقة، خصوصا عندما تتعارض مع السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، وعندما يكون ذلك لمصلحة إسرائيل.

أمثلة:
- قرار مجلس الأمن الدولي رقم 242 يطالب إسرائيل بالانسحاب غير المشروط من الأراضي التي احتلتها في عام 1967 دوما حسب المؤلفين.
- موافقة القيادة الفلسطينية على إقامة دولة ضمن حدود 1967 أي: على ما مقداره 22% من أراضي فلسطين "الانتداب" يعد تنازلا كبيرا للغاية لم يتم تقويمه على نحو صحيح.

والقيادة الفلسطينية أخفقت في الدعاية لقضيتها العادلة عبر التركيز على ما قدمته من تنازلات مجانية عن جزء كبير من الوطن الفلسطيني، ربما خوفا من ردة الفعل في الشارع الفلسطيني.

- الحكومة الأميركية مارست ضغوطا وتأثيرا لتشكيل رأي عام أميركي مؤيد لإسرائيل إذ اعترف دِنِس روس في مذكراته أنه كان يضغط على الجانب الفلسطيني لصالح إسرائيل.

ومن ناحية أخرى فقد صورت مذكرات ذلك المبعوث الأميركي ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية على أنها بليدة لعدم تقبلها إخضاع حاجات الفلسطينيين لمطالب إسرائيل.

"
كامب ديفد وخريطة الطريق والمشاريع الأخرى تتجاهل القانون الدولي تماما، وصحيفة نيويورك تايمز ساهمت في التعمية على هذه الحقائق البدهية
"
القانون الدولي
يشدد الكتاب على عدم استعداد صحيفة نيويورك تايمز للاعتراف بعلاقة المطالب الفلسطينية بالقانون الدولي، واعتماد المبادرات الإسرائيلية أو الدولية التي تنطلق من ضرورة الاعتراف بمشروعية تصرفات إسرائيل في الأراضي المحتلة عام 1967 مرجعا، ومنها على سبيل المثال الاحتلال في حد ذاته وإقامة المستوطنات، مما يشوه حقيقة الصراع القائم بين قوة محتلة وشعب مقاوم.

مرجعية التقويم:
- حق تقرير المصير: الفلسطينيون يتمتعون بحق تقرير المصير اعتمادا على القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة (181، 2625، 2535، 2649، 3236) وغيرها.

- الحق في الأرض: المنطلق هو قرار الأمم المتحدة رقم 181 الخاص بتقسيم فلسطين.
- اللاجئون: حق العودة وارد على نحو واضح في قرار الأمم المتحدة رقم 194.

- القدس: الأمم المتحدة أدانت تصرفات إسرائيل في القدس المحتلة في قرارات عديدة (252، 267، 298...)
- حماية المدنيين: يرد ذكرها في كل المعاهدات الدولية ذات العلاقة.
- استخدام مفرط للقوة: المعايير والقوانين الدولية مرجعا.
- المستوطنات: المنطلق هو أن القانون الدولي يمنع أي تغيير في وضع الأراضي المحتلة
- الحقوق في المياه.
- الاغتيالات.
- حق المقاومة.

ويذكر الكاتبان أن كلا من كامب ديفد وخريطة الطريق والمشاريع الأخرى تتجاهل القانون الدولي تماما، والصحيفة ساهمت في التعمية على هذه الحقائق البدهية.

نيويورك تايمز ومنظمات حقوق الإنسان
الصحيفة لم تضع زيارة أرييل شارون للحرم القدسي الشريف ضمن سياق البند الرابع من ميثاق حقوق الإنسان الذي كان منطلق منظمات دولية عديدة منها: الصليب الأحمر الدولي ومنظمة العفو الدولية ومرصد حقوق الإنسان وبتسليم.

ويذكر المؤلف القراء بأن عدد الضحايا الفلسطينيين في الفترة من 29/9/2000 إلى 30/11/2006 بلغ 4032 قتيلا مقابل 1017 قتيلا إسرائيليا، وبلغ عد القتلى من الأطفال الفلسطينيين ممن لم يبلغوا الثامنة من العمر 808 مقابل 119 طفلا إسرائيليا.

ولتذكير القارئ بتاريخية الصراع يقول المؤلفان: في فترة ما بين 1987 و2000 بلغ عدد القتلى الفلسطينيين 1491 قتيلا 304 منهم أطفال، مقابل 16 قتيلا إسرائيليا أربعة منهم أطفال.

الصحيفة نشرت بين عامي 2000 و2005 خمسين مقالا في الصفحة الأولى عن العمليات "الانتحارية" الفلسطينية، إضافة إلى 25 مقالا رئيسيا عن الصراع، لكنها تجاهلت حقيقة أن أول عملية "انتحارية" فلسطينية داخل "الخط الأخضر" كانت بتاريخ 22/11/2000 بعدما كانت إسرائيل قد قتلت 236 فلسطينيا بينهم 86 طفلا، وجرحت 9000 فلسطيني.

كما تجاهلت الصحيفة الأميركية تقارير مرصد حقوق الإنسان في نوفمبر/تشرين الثاني 2000 عن استخدام إسرائيل القوة المفرطة ضد الفلسطينيين، وكذلك تقرير منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" في 03/11/2000 الذي يذكر ضمن أمور أخرى أن نصف الضحايا الفلسطينيين سقطوا برصاص موجه للرأس، ويورد جداول تفصيلية وقائمة بأسماء الأطفال الفلسطينيين القتلى مع تفاصيل مكان سقوطهم وزمانه.

نيويورك تايمز مقارنة بالصحافة البريطانية والإسرائيلية

"
التقارير الدولية تظهر أن إسرائيل تمارس احتلالا عسكريا وحشيا، لكن نيويورك تايمز تهمل تلك الحقائق ولا تبدي أي إشارة إلى ميثاق جنيف 1949 الذي يحظر كل التصرفات الإسرائيلية
"
يورد المؤلف العديد من الأمثلة على كيفية تناول الصحيفة بعض الأحداث، ومن ذلك عقد مقارنة بين تقاريرها وما يصدر في صحف أخرى، مثل تغطية صحيفة غارديان اللندنية وهآرتس الإسرائيلية لجريمة قتل طفلة فلسطينية عمرها تسع سنوات في يناير/كانون الثاني 2000 حيث ألقت الأخيرتان باللائمة على القوات الإسرائيلية، في حين ألقت الصحيفة الأميركية باللائمة على الضحية.

العنصرية: الصحيفة الأميركية تجاهلت اللغة العنصرية التي يتفوه بها إسرائيليون ضد العرب ومنها: عربي قذر وعربي كذاب، وإرهابي، وابن كلب، وحتى الكلاب تكره العرب، واخفض رأسك عندما تلتقي بيهودي، وحذاء يهودي يساوي ملايين العرب.. إلخ.

قتل إسرائيل مواطنين أميركيين: صحيفة هآرتس غطت قتل الإسرائيليين المواطن الأميركي المتضامن مع الفلسطينيين بريان أفري، في أبريل/نيسان 2003 بمقالة من 4000 كلمة، في حين منحتها الصحيفة الأميركية نصف جملة تحت عنوان عن موضوع آخر. والأمر ذاته تكرر عندما قتلت القوات الإسرائيلية مواطنين أميركيين آخرين.

شهادات فلسطينية: الضرب والقتل وتدمير البيوت وحرث المزارع ومصادرة الأراضي. ففي الوقت الذي تعاملت فيه صحف إسرائيلية وبريطانية مع شهادات ضحايا فلسطينيين ذكرت أسماءهم وتواريخ إدلائهم بالشهادات، اعتمدتها المنظمات الدولية ذات العلاقة، تجاهلت الصحيفة الأميركية تلك الشهادات مطلقا.

الاعتقال والتعذيب: ظلت صحيفة نيويورك تايمز تتجاهل حقائق تتعلق بمعاملة إسرائيل للفلسطينيين، ومن ذلك تقرير لجنة الأمم المتحدة ضد التعذيب 23/11/2001.

أما أشكال الاعتقال والتعذيب المذكورة التي تجاهلتها الصحيفة فتضم: الاعتقال الجماعي وإساءة معاملة المعتقلين والاعتقال التعسفي والاعتقال الإداري والتعذيب وتدمير البيوت وإغلاق المناطق وحظر التجول ونهب الممتلكات وتدميرها واستعمال الفلسطينيين دروعا بشرية.

ازدواجية المعايير
صحيفة نيويورك تايمز تؤيد هجمات إسرائيل على غزة، مثلا بالعلاقة مع أسر الجندي شاليط وإطلاق الصواريخ، لكنها تتجاهل تقرير "مرصد حقوق الإنسان" بأن إسرائيل أطلقت 7700 طلقة مدفعية من عيار 155 ملم على شمالي القطاع منذ انسحابها وحتى انتهاء الرصد.

الصحيفة تجاهلت حقيقة ذكرتها صحيفة الإندبندنت اللندنية وهي أن إسرائيل قتلت 14 فلسطينيا في يوم 23/06/2006، وهو رقم يساوي ثلاثة أضعاف قتلى إسرائيل في مستعمرة سديروت خلال ثلاثة أعوام، يضاف إلى ذلك تجاهل خبر قصف حي الشيخ رضوان.

الأمر ذاته ينطبق على تغطية الهجمات الإسرائيلية المستمرة على غزة وتجاهل الحقائق.

ففي الوقت الذي انتقدت فيه صحيفة هآرتس تباين مقدار تعويضات إسرائيل في الجليل في شمال فلسطين المحتلة للمواطنين الفلسطينيين واليهود المتضررين من حرب عام 2006 لم تتعرض الصحيفة الأميركية لذلك بأية كلمة.

ومع أن صحيفة الإندبندنت اللندنية وهآرتس الإسرائيلية سجلتا اختطاف القوات الإسرائيلية عددا من المواطنين الفلسطينيين بعد انسحابها من قطاع غزة قبل اختطاف حركة حماس الجندي شاليط فإن الصحيفة الأميركية تجاهلت ذلك.

"
نتيجةُ تجاهل الطرفين الأميركي والإسرائيلي للقانون الدولي ومستحقاته هي اندلاع حرب جديدة يشنانها على كل من حزب الله وسوريا وإيران
"
الحذف والاعتقال والإسقاط
التقارير الدولية تظهر أن إسرائيل تمارس احتلالا عسكريا وحشيا، لكن الصحيفة أهملت هذه الحقائق وأخفقت في الإشارة إلى ميثاق جنيف 1949 الذي يحظر كل التصرفات الإسرائيلية المشار إليها أعلاه، مما ساهم في منع حقوق الشعب الفلسطيني في وطنه ومنع إحلال السلام.

كما أفردت الصحيفة صفحاتها لـ"صقور" الإدارة الأميركية من الليبراليين الجدد أمثال دِنِس رُوس وصقور إدارة الرئيس بوش، حيث لا ترد مفردات: القانون الدولي في مذكرات رُوس ولا مادلين أولبرايت.

الصحيفة أخفقت في الدفاع عن المنظمات الدولية التي هاجمتها المنظمات الصهيونية مثل "عصبة معاداة الافتراء (Anti Defamation League).

لبنان 2006
صحيفة نيويورك تايمز تلقي باللائمة على ضحايا العدوان الإسرائيلي من المدنيين اللبنانيين في عام 2006، لا بسبب مشاركتهم في القتال، وهو ما لم يحصل، وإنما بسبب تصويتهم في الانتخابات "لصالح مرشحي حزب الله".

وقد تجاهلت حقيقة أن كثافة استخدام إسرائيل القنابل العنقودية في جنوبي لبنان زاد عما استعمل في العراق وأفغانستان وكوسوفو مجتمعة، كما أخفقت في إيراد تقارير المنظمات الدولية عن خرق إسرائيل القانون الدولي الخاص بالحروب، وتجاهلت مجزرتي قانا ومروحين.

تشومسكي ورُبرت فِسك
شنت الصحيفة هجمات مستمرة على المفكر الأميركي نعوم تشومسكي المعادي لسياسات إسرائيل، وكذلك على الصحفي البريطاني روبرت فِسك، وأوردت معلومات مغلوطة عما جرى في كامب ديفد 2.

أخيرا: الطريق الذي لم يطرق ونهايته:
يختم الباحثان رصدهما لسياسة تغطية صحيفة نيويورك تايمز للصراع العربي الإسرائيلي بأنه ما دامت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل لم تلتزما بالقانون الدولي فلماذا على الفلسطينيين والعرب الالتزام به؟!

ولذا فإن نتيجة تجاهل الطرفين الأميركي والإسرائيلي للقانون الدولي ومستحقاته هي اندلاع حرب جديدة يشنانها على كل من حزب الله وسوريا وإيران.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك