عرض / بدر محمد بدر
يقدم هذا الكتاب صورة دقيقة للاشتباك الحاصل بين الواقع السياسي والممارسة الصحفية في مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة, والمؤلف هو واحد من كبار القيادات الصحفية بمؤسسة الأهرام, وأمين اتحاد الصحفيين العرب.

ولا شك في أن وجوده ضمن قيادات صحفية عريقة أتاح له الكثير من المعلومات والأسرار والمواقف, التي يكاد يفصح عنها ضمن سطور هذا الكتاب, الذي جاءت لغته قوية وواضحة وساخنة وعميقة في ذات الوقت.

الوضع مختلف
وينقسم الكتاب إلى مقدمة طويلة وعشرة عناوين, حيث يقرر المؤلف منذ البداية أن الصحافة في جوهرها تشتغل بالسياسة, والسياسة أيضا تمارس الصحافة, والمعنى أن الصحفيين سياسيون بالضرورة, والسياسيين صحفيون بحكم العمل, وهذه الصورة البراقة للصحافة والسياسة هي بالطبع في بلاد تحترم الإنسان وتقدره.

-الكتاب: تحريم السياسة وتجريم الصحافة 
- المؤلف: صلاح الدين حافظ
-الصفحات: 215
-الناشر: دار الشروق, القاهرة
-الطبعة: الأولى/2008

أما في بلادنا فالوضع مختلف, بل هو مناقض لذلك, لأن العمل بالسياسة مقصور على نخبة منتقاة, تدير الحكم وتصنع القرار وتحتكر السلطة, وتدعي الحكمة ثم تستغل فتثري وتفسد وتستبد دون خوف من محاسبة أو مساءلة, ولذلك رأينا كيف استعبدت السلطة السياسية الصحافة, واحتكرتها سلاحًا من أسلحة الدفاع عن نفوذها وهيبتها وسلطانها.

وبقدر نزوع الصحافة للتحرر والاستقلال بقدر صدامها مع هذا النوع من السلطة السياسية, وبقدر خضوعها لاحتكار السلطة الحاكمة بقدر ازدهار الاستبداد والفساد. أما في ظل ارتباطها بالمجتمع معبرة عن آماله وآلامه, فيصعد المنحنى الديمقراطي, سواء في الممارسة السياسية أو في العمل الصحفي.

ويشير المؤلف إلى أن هناك صراعًا تاريخيا بين سلطة حاكمة تعمل على إقصاء الشعب عن ممارسة السياسة بحرية والاستمتاع بصحافة حرة, وفي سبيل ذلك تفرض القيود والسدود, وتحرم العمل بالسياسة, وتجرم الاشتغال بالصحافة باسم القانون والنظام, وبين حركات سياسية متمردة, ترفض احتكار السلطة وتقاوم الاستبداد والفساد, ومعها صحافة تؤمن بأن رسالتها الحقيقية هي محاربة الاستبداد, ومقاومة الفساد وخدمة الشعب قبل الحاكم.

خيانة الديمقراطية
وتحت عنوان "تحريم السياسة وخيانة الديمقراطية" يقول المؤلف إنه كلما انسدت قنوات الاتصال بين الحاكم والمحكوم, زاد الاحتقان العام, ونطق الصامتون وغضب الساكتون وهتف المظلومون, ونزلوا إلى الشارع تعبيرًا عن الضيق والرفض لما يجري, وبالتالي أصبح العنف والعنف المتبادل هو العملة المتبادلة في الشارع المصري المحتقن الغاضب, وهكذا كان حال عامي 2005 و2006 إذ اصطدم الغضب مع العنف.

ومهدت الأرض أمام هذا الحراك السياسي الواضح, صحوة صحفية جديدة, بدأت عمليا في النصف الثاني من تسعينيات القرن العشرين, وازدهرت في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين, تمثلت في صدور صحف مستقلة جديدة, أضافت مزيدًا من الحيوية إلى الصحف الحزبية القائمة.

ويشير المؤلف إلى انفجار الشارع بمظاهرات التحدي واشتداد لهجة نقد الحكومة والدولة بشكل واضح, جّراء حالة الإحباط العام من فشل الحكومة في إجراء الإصلاح الديمقراطي المأمول.

"
النظم العربية والسياسة الأميركية تبادلا المصالح المباشرة دون المبادئ المعلنة, ومارسا الخيانة السافرة والمقنعة, خيانة الإصلاح والتنمية وكل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان, في تحد واضح لصيحات الشعوب وغضبها
"
وبالإضافة إلى تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية القاسية بسبب الإجراءات الحكومية, لم تكن أميركا غائبة عن المسرح العام, حيث فشلت وعودها في نشر الديمقراطية وإجبار الحكومات المعنية على إطلاق الحريات.

وبدلا من تغيير الأنظمة الفاسدة المستبدة التي اتهمتها بالمسؤولية, عادت فتصالحت معها, بل أطلقت أياديها الباطشة ضد الشعوب الغاضبة.

لقد تبادل الطرفان: النظم العربية والسياسة الأميركية, المصالح المباشرة دون المبادئ المعلنة, ومارسا الخيانة السافرة والمقنعة, خيانة الإصلاح والتنمية وكل مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان, في تحد واضح لصيحات الشعوب وغضبها المتراكم.

وحين نقرأ الواقع عبر العقد الأخير مثلا لا نكاد نجد حكومة أو دولة أو نظاماً حاكماً في المنطقة العربية, قد حقق إنجازًا رئيسيًّا وجوهريًّا بالانتقال الفعلي إلى نظام ديمقراطي حقيقي.

الانتهازية السياسية
ويؤكد المؤلف اقتناعه بأن الولايات المتحدة تمارس الانتهازية السياسية بأوسع الزوايا, فما يهمها هو مصالحها الحيوية, ولا تريد لنا إصلاحًا ولا ديمقراطية ولا تحولا ولا تغييرا, بل تستغل كل الظروف وتستخدم كل الأدوات, لتحقيق أهدافها وحماية مصالحها الحيوية.

لقد خانت السياسة الأميركية الحمقاء والبراغماتية ديمقراطيتنا, وأجهضت حلمنا الوطني وبعثرت جهود القوى الوطنية, الساعية إلى إصلاح ديمقراطي داخلي بأيدينا نحن, الأمر الذي مكن الدوائر الحاكمة من الانقضاض بشراسة مفرطة على الحراك السياسي, والتحرك النقابي والمهني والعمالي.

وتحت عنوان "تجريم الصحافة.. تبادل كسر المحرمات" يشير المؤلف إلى أنه جرى كسر المحرمات يوم 25 من مايو/أيار 2005 في اتجاهين:

الأول عندما كسرت الجماهير الغاضبة بقيادة حركات سياسية ونقابية, الحظر الذي ظل مفروضًا طوال عقود على التظاهر العلني والنزول إلى الشارع في جرأة لافتة, وهو تحدّ لسياسة الرئيس مبارك الذي وعد بإصلاح دستوري حقيقي, وركز الغاضبون على معركة استقلال القضاء التي كان يقودها نادي القضاة, وعلى معركة استقلال الصحافة التي كانت تقودها نقابة الصحفيين.

والاتجاه الثاني هو كسر أجهزة الأمن للمحرمات حين واجهت المظاهرات الشعبية الغاضبة بعنف غير مسبوق, دون خشية من كاميرات الصحافة والإعلام المصري والعربي والأجنبي, وضربت وداست بالأقدام رؤوس الشباب على الأرض متعمدة الإذلال والإهانة, بل وانتهكت الأعراض حيث تعدت على الصحفيات والمحاميات والمتظاهرات أمام نقابة الصحفيين بوسط القاهرة.

ويرى المؤلف أن انتفاضة الشارع تلك لم تكن عشوائية ولا هي خيانة وطنية, كما روجت أبواق النفاق السياسي والإعلامي, لكنها جاءت تعبيرًا عن حق أصيل كفلته كل القوانين السماوية والوضعية, دفاعًا عن حرية الرأي والتعبير.

امتياز عام للمجتمع

"
حرية الإعلام هي امتياز عام للمجتمع يعكس التعددية والآراء المختلفة وليست امتيازًا للإعلاميين وحدهم,  وممارسة مهنة الصحافة والإعلام تحتاج إلى ضمانات قانونية وسياسية ومهنية أكثر من غيرها
"
وتحت عنوان "عن أي حرية نتحدث؟"، يؤكد المؤلف أنه لا حرية حقيقية للصحافة والإعلام إلا في بيئة ديمقراطية, وأن حرية الإعلام هي امتياز عام للمجتمع يعكس التعددية والآراء المختلفة وليست امتيازًا للإعلاميين وحدهم, وأن طبيعة وممارسة مهنة الصحافة والإعلام تحتاج إلى ضمانات قانونية وسياسية ومهنية أكثر من غيرها.

ومن أبرز هذه الضمانات العامة: الفصل بين السلطات, والقضاء النزيه المستقل, والبرلمان المنتخب بحرية, وإيقاف هيمنة السلطة السياسية التنفيذية العليا على الإعلام, وتحرير الإعلام والصحافة من قبضة الحكومات, وإطلاق حرية إصدار الصحف وتأسيس منظمات المجتمع المدني.

ويبقى التعويل على الضمير المهني الأخلاقي للإعلامي في أداء رسالته في ظل التوازن الدقيق بين جناحي الممارسة الحرية والمسؤولية, بحيث يتكاملان في المفهوم النظري, ويتوازنان في التطبيق العملي.

وينبه المؤلف إلى أن الإعلام العربي يواجه حزمة من العقبات والتحديات, منها السياسية والقانونية, ومنها المهنية والتقنية, ومنها ضعف التنظيمات النقابية المعنية بشؤون الصحافة والصحفيين, وهو ما أفرز حزمة أخرى من الأزمات التي عوقت دور الإعلام في تعزيز الحريات.

وفي فصل عنوانه "الحريات المكبوتة والحقوق المقهورة" يستعرض المؤلف موقف حرية الصحافة في عدد من البلدان العربية, خصوصًا تلك التي تتمتع بهامش نسبي من الديمقراطية مثل مصر ولبنان والمغرب والأردن واليمن والكويت, ويخرج بخلاصة يعبر فيها عن دهشته من أن معظم هذه الدول مالت في السنوات الأخيرة نحو التشدد, خصوصًا في التعامل مع ثقافة حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير, التي هي المقدمة الحقيقية لأي تطور ديمقراطي.

وبطبيعة الحال فإن الوضع في الدول ذات الهامش الديمقراطي الأقل, أكثر سوءًا, سواء بالنسبة للحريات العامة وحقوق الإنسان أو بالنسبة لحرية الصحافة تحديدًا, وهو ما يعكس أزمة التخلف القومي العام التي تمسك بالعرب عمومًا أو هم يمسكون بها, وهي الأزمة التي سماها عبد الرحمن الكواكبي قبل أكثر من قرن بأزمة "التسفل".

الحياد.. كيف؟
ويدلل المؤلف على أن الإعلام "المحكوم" لا يمكن أن يكون محايدًا, باستعراض دور الإعلام المصري في انتخابات رئاسة الجمهورية التي جرت في سبتمبر/أيلول 2005.

وينتهي إلى أن الصحف ووسائل الإعلام المصرية بتعدد أشكالها وأفكارها وانتماءاتها, حاولت الظهور بمظهر المحايد, ولكن الممارسة العملية أثبتت أن الانحياز كان واضحًا بدرجات متفاوتة للرئيس المرشح, بحكم خضوع الصحافة والإعلام لسلطة الدولة والرئيس, وهو الأمر الذي يخضعها في النهاية لقاعدة التحريم والتجريم.

"
الصحف ووسائل الإعلام المصرية المحكومة حاولت الظهور بمظهر المحايد في الانتخابات الرئاسية, ولكن الممارسة العملية أثبتت أن الانحياز كان واضحًا بدرجات متفاوتة للرئيس المرشح 
"
وتحت عنوان "القصف الأرعن على حرية الصحافة" يقول المؤلف إنه في الوقت الذي تتحرك فيه كل القوى الحية في المجتمعات العربية, طلبًا للحرية وسعيًا لإصلاح ديمقراطي حقيقي, تدخل السياسات الأميركية وبعض الأوروبية على الخط, لتعطي الحكومات العربية المتشبثة بالسلطة المطلقة, فرصة ذهبية للتهرب من مطالب الإصلاح الديمقراطي, من خلال القانون الذي أقره الكونغرس الأميركي في أكتوبر/تشرين الأول 2004 وهو قانون معاداة السامية, الذي سارع الرئيس بوش بإقراره والتصديق عليه.

ويؤكد المؤلف أن هذا القانون جاء ليحقق واحدة من أغلى أماني إسرائيل, ويفجر تحديات ثلاثة مناوئة للسياسة الأميركية في العالم عمومًا, وفي العالمين العربي والإسلامي على وجه الخصوص وهي:

1 ـ أنه يخرق صراحة وبعنف المبدأ الرئيسي من مبادئ الديمقراطية, التي تدعي أميركا أنها تعمل على نشرها, وهو مبدأ حرية الرأي والتعبير والصحافة والاعتقاد.

2 ـ أنه يزيد صورة الولايات المتحدة في العالم العربي سوءا, ويهدد مصالحها الإستراتيجية التي قامت النظم العربية على حمايتها طوال أكثر من قرن, لأنه يسوي بين أميركا وإسرائيل تسوية كاملة.

3 ـ أنه يستفز العرب باعتبارهم أول المتهمين بمعاداة السامية, ويستفز المشاعر المعادية لأميركا في العالم, التي أصبحت تخضع للمراقبة والتفتيش بموجب قانون الحريات الدينية الأميركي.

اختراق محرم
وتحت عنوان "اختراق محرم مجرم" يقول المؤلف إن اختراق الصحافة إفساد للسياسة والعكس صحيح, وبالتالي فإن كسر المحرمات من جانب هذا الطرف, يشجع الطرف الآخر على تجاوز المقدسات بكل الأساليب الشرعية وغير الشرعية.

وإحدى هذه الصور تكمن فيما يتعرض له الصحفيون في معظم الدول العربية من مضايقات شديدة, سواء من خلال القوانين المعاكسة لحرية الصحافة, أو من خلال الممارسات الأمنية والحكومية.

"
من المستحيل تصور قيام نظام ديمقراطي حقيقي إلا على أسس واضحة من المشاركة والحرية والشفافية وحكم القانون والقضاء المستقل والصحافة الحرة, وبغير هذه الأسس يسود تحالف الفساد والاستبداد
"
ويتحدث المؤلف عن العدوان الذي يتعرض له الصحفيون في المنطقة العربية وارتفاع عدد القتلى منهم في العراق حيث الاحتلال الأميركي، وفي فلسطين حيث الاحتلال الصهيوني, ويستعرض عدد القتلى والجرحى في المنطقة، ففي الفترة من 2003 إلى 2005 قتل 79 من الصحفيين والإعلاميين ومساعديهم واختفى 3 وخطف 10 في العراق وحدها. وفي فلسطين استشهد 15 صحفيا منذ اندلاع الانتفاضة عام 2000 حتى 2005.

ويؤكد المؤلف أنه في ظل الحديث عن إطلاق الحريات والإصلاح الديمقراطي المنشود, لا يجوز اصطناع القيود أو إضفاء القدسية أو إسباغ التحريم أو الحرمة على هيئات أو مؤسسات أو أفراد, بالقسر والفرض والإجبار, عكس الحرية الطبيعية للبشر في النقد والمساءلة والتعبير عن الرأي.

وفي النهاية يشدد المؤلف على أنه من المستحيل تصور قيام نظام ديمقراطي حقيقي إلا على أسس واضحة, من المشاركة والحرية والشفافية وحكم القانون والقضاء المستقل والصحافة الحرة, وبغير هذه الأسس يسود تحالف الفساد والاستبداد.

المصدر : الجزيرة