عرض/نبيل شبيب
الإصدار الفصلي الحالي لمجلة دير شبيغل الألمانية أقرب إلى كتاب يتناول موضوعا واحدا، ويجمع مقالات سابقة وجديدة حول الموضوع الأهم آنيا بمعيار التعبير عن الرأي العام وصناعته.

وسبق أن خصصت دير شبيغل بعض إصداراتها الفصلية أو مواضيع الغلاف لبعض أعدادها، لأمر يتعلق بالإسلام والمسلمين محليا أو عالميا، وكان ما نشرته سلبيا على الدوام.

وآخر موضوع غلاف من هذا النوع جاء بعنوان "مكة ألمانيا.. الأسلمة بهدوء" قبل عام واحد، وقبل سنوات نشرت إصدارا فصليا استهدف إلصاق وصمة "العنف" بالإسلام، وأثار غلافه حفيظة المسلمين في ألمانيا، إذ اختارت المجلة لتسويق بضاعتها صورة محجبة رسم سيفان مكان حاجبيها.

- الكتاب: الله في الغرب.. الإسلام والألمان
- إصدار: مجلة دير شبيغل الأسبوعية الألمانية
- الصفحات: 130
- الناشر: دار نشر رودولف آوغشتاين، هامبورغ
- الطبعة، الأولى نيسان/ أبريل 2008

للتحامل جذور وأصول
لفت النظر في الإصدار الجديد الذي بين أيدينا أنّ تصميم الغلاف لموضوع إسلامي يتناوله تجنّب لأول مرة اللون الأسود القاتم في خلفية الصورة، كما أن صياغة العنوان حيادية نسبيا "الإسلام في الغرب.. الإسلام والألمان".

وفي المقدمة القصيرة اختار رؤساء التحرير من المجلة صياغة إيجابية، كقولهم "التنوع كبير في نسيج المسلمين في ألمانيا ما بين الناشطين الإسلاميين والمتحررين المنفتحين عالميا، المندمجين في المجتمع الغربي".

وقد ربطوا هذه الكلمات بحوار منشور في الإصدار مع البروفيسور ديتريتش ريتس مدير "مركز الشرق الحديث" في برلين، والقائم على دراسة واسعة النطاق بالتعاون مع عدة جامعات ومعاهد استشراق ألمانية بدعم حكومي، بدأت عام 2006 وتمتد إلى عام 2009م، وله عدة مؤلفات ترتبط بالإسلام بشكل أو بآخر.

ولكن مراجعة محتويات الإصدار تكشف غياب العنصر الإيجابي تماما باستثناء أجوبة البروفيسور ريتس عن أسئلة استفزازية، تنطوي على محاولة انتزاع ما يثبت الاتهامات والشكوك التي تتناولها المقالات والحوارات الأخرى، بما فيها تلك التي كان الكاتب فيها أو الطرف الآخر في الحوار ممن يصفون أنفسهم بالمسلمين "سابقا"، وقد أسسوا تحت هذا العنوان رابطة تجمعهم، فضلا عن مقالات حول القاديانيين في ألمانيا، والعلويين من أصل تركي.

وجميع هؤلاء وأمثالهم معا ليسوا إلا أقلية في نطاق ما تضعه الجهات الرسمية والإعلامية تحت عنوان "الإسلام والمسلمون في ألمانيا"، وهم عندها النموذج المطلوب للمسلمين "المتحررين المنفتحين على العالم المندمجين في المجتمع الغربي!" مقابل اعتبار المنظمات الإسلامية جميعا هم الجهة التي تمثل التيار التقليدي المحافظ، وقد يوصم بالتشدد أو التطرف.

تمييع الهوية وتزييف الاندماج
يضم الإصدار 32 مقالة وحوارا، موزعة على ثلاثة أقسام، أكبرها وأولها بعنوان "الهوية والاندماج"، والثاني بعنوان "الدين والتقاليد"، والثالث "التسامح والإرهاب".

تبدأ معالجة قضية الهوية والاندماج بمقالة بقلم المستشرق نافيد كيرماني تشكك في اعتبار العنصر الجامع للمسلمين هو عنصر الانتماء إلى الإسلام، والذريعة في ذلك هي وجود ملتزمين وغير ملتزمين، وارتباط بالوطن الأصلي بالنسبة إلى الوافدين، مع محاولة التركيز على تباينات ثقافية واجتماعية.

"
يعطي الإصدار الجديد لمجلة دير شبيغل مساحة واسعة للمسلمين سابقا كي يعبروا عن مواقف شاذة إسلاميا، بينما لا نجد مقالا أو حوارا واحدا يعبر مباشرة عن مواقف التنظيمات والمراكز الإسلامية الرئيسية، ولا نجد قلما يعبر عنها مباشرة
"
وجميع ذلك صحيح في الأصل، ولكن -على نقيض ما يستنتج الكاتب- يبقى الانتماء إلى الإسلام هو القاسم المشترك بين ملايين المسلمين في ألمانيا (رسميا يذكر أكثر من ثلاثة ملايين وقد يكون العدد الفعلي أكبر من ذلك) مثلما يقال عن الكاثوليك، أو البروتستانت، عند الحديث عن خارطة الانتماءات الدينية في البلاد، دون التشكيك في هذا الانتماء، رغم التنوع الكبير التزاما وثقافة وغير ذلك داخل نطاق كل فئة على حدة.

يستهدف التشكيك تمييع السؤال عمّن يتكلم باسم الإسلام في ألمانيا، كما يظهر من القسم الأول من الإصدار.

التنوع في إطار الكاثوليك كبير، ويوجد كثير جدا من الكنائس الفرعية المتفرقة المتنازعة، وظاهرة انسحاب كثير من الكاثوليك من التبعية الرسمية التنظيمية للكنيسة معروفة، كانخفاض نسبة التابعين لها تنظيميا، ولكن لا يوجد أحد من السلطات أو الإعلام يشكك في اعتبار الكنيسة الكاثوليكية هي المرجعية في الحديث عن "الكاثوليكية".

وهذا بالذات ما لا يزال مرفوضا في التعامل مع التنظيمات الإسلامية وإن خطت خطوات كبيرة في اتجاه التنسيق والتوحد مؤخرا.

ومع ذلك فالأرقام الرسمية -رغم أنها غير دقيقة- تكشف أن نسبة المنتظمين عبرها أعلى من نسبة المنتظمين من الكاثوليك أو البروتستانت عبر الكنائس.

يترتب على هذا الهدف في الواقع العملي مثلا ما يجري من مساومات -لاسيما في إطار ما يعرف بمؤتمر الإسلام تحت رعاية وزير الداخلية شتويبلي- بشأن إعطاء من يعتبرون أنفسهم "المسلمين سابقا" حق المشاركة في تقرير قضايا تتعلق بالإسلام والمسلمين كمناهج تعليم الإسلام في المدارس، أو اعتبار الحجاب رمزا سياسيا وليس فريضة دينية، أو استثناء الفتيات المسلمات من ألبسة متكشّفة للسباحة والرياضة في المدارس، وهكذا.

هنا يعطي الإصدار الفصلي الجديد لمجلة دير شبيغل مساحة واسعة ليعبر "المسلمون سابقا" عن مواقف شاذة إسلاميا، في حين لا نجد مقالا أو حوارا واحدا يعبر مباشرة عن مواقف التنظيمات والمراكز الإسلامية الرئيسية، ولا يوجد قلم يعبر عنها مباشرة.

أما الحديث عن شخصيات أقرب إلى طرح تصوراتها فلا يتضمن تصوّراتها، بل ما ينسب إليها بأقلام أخرى، كما هو الحال مع إبراهيم الزيات الذي برأه القضاء أكثر من مرة من اتهامات موجهة إليه، ولكن المقال عنه يطرح شخصيته وأنشطته باعتبارها "مشبوهة.. مشكوكا فيها"، ولكنه يعتبره "بارعا في التملص" من إثبات الشكوك والاتهامات بأدلة محسوسة!.. أو مثل البروفيسور طارق رمضان مع ربط مقولته عن "إسلام أوروبي" بمقولة الكاتب السوري الأصل المتحامل على الأنشطة التنظيمية الإسلامية بسام طيبي، حتى أصبح المقال عنه وعن أفكاره هو وليس عن طارق رمضان وأطروحاته بالنسبة إلى مستقبل الإسلام في أوروبا.

بالمقابل نجد مقالات تكيل المديح للكاتبة الصومالية الهولندية آيان هيرسي علي ذات المواقف المتطرفة ضد الإسلام والمسلمين، أو عن القاديانيين الذين "يتعاونون مع أجهزة الأمن" أو العلويين الذين "اندمجوا في المجتمع الغربي"، حسب قول الإصدار نفسه.

تغييب التصورات المنصفة
بشكل عام تحول عنوان القسم الأول "الهوية والاندماج" بمحتوياته إلى "التمييع والذوبان"، مما يختلف عما يقول به أصحاب الدراسات العلمية المنهجية الرصينة، كالبروفيسور ديتريتش ريتس، الذي يبدو الحوار معه شاذا تماما عن سياق الإصدار بمجموعه.

غلاف عدد خاص من دير شبيغل عن الإسلام في ألمانيا يطغى عليه اللون الأسود
 
فهو يقول مثلا "يجري تضخيم الأحداث وتسليط الأضواء السلبية عليها، لتعطي صورا لا علاقة لها بحقيقة الإسلام، وإنما هي نتيجة تفاعلات سياسية واجتماعية" أو يقول: "غالبية المسلمين في ألمانيا يعيشون بسلام" ويقول: "الإسلام جزء من الإرث الثقافي الأوروبي أيضا".

ويقول: "حسب علمي يؤكد القسم الأعظم من التنظيمات الإسلامية الكبيرة الإقرار بالأرضية الدستورية والقانونية في ألمانيا، أما التصورات المحافظة الإسلامية في قضية العلاقات الجنسية مثلا فلا تختلف من حيث الأساس عن تصورات الكاثوليكيين الملتزمين بدينهم".

هذه الأقوال كانت جوابا عن أسئلة تكشف صياغتها الرغبة في الحصول على عكس هذه المضامين من فم خبير، لكن أقواله تفقد فاعليتها من خلال اقتصار الحوار على أربع صفحات من أصل 130، فلا يوجد ما يتابعها أو يكملها كما هو الحال مع التصورات المعاكسة، لاسيما عند الانتقال في القسم الثاني من الإصدار إلى طرح صور من الواقع، بدءا بالحديث السلبي عن بناء المساجد والمصليات وانتهاء بتذكية الذبيحة، مع تركيز كبير على ما يرتبط بالمرأة وحقوقها وحجابها وزواجها بالإكراه.

القاسم المشترك الآخر بين مقالات القسم الثاني أقرب إلى محاولة متكررة لتثبيت أن وجود الإسلام في ألمانيا وجود وافد وليس أصيلا، ويرمز إلى ذلك استخدام تعبير "المسلمين.. والألمان" أو القول -دون دليل أو استطلاع أو ما شابه ذلك- إن غالبية من اعتنق الإسلام من ذوي الأصل الألماني صنع ذلك بسبب الزواج، مع تجاهل ظاهرة إقبال نسبة متزايدة من الشبيبة من غير المتزوجين أصلا على اعتناقه.

وقد زاد ذلك خاصة بعد أن أصبح الإسلام والرغبة في التعرف عليه، هو الموضوع الأول المطروح منذ الهجمة الأميركية التي رُبطت بتفجيرات نيويورك وواشنطن.

قد يكون مقصودا أن يأتي الحديث عما يسمى بالإرهاب في القسم الثالث الختامي، أي ليترك الانطباع الأخير عند القارئ العادي، وفي هذا القسم ثلاث مقالات وحوار جميعها بصيغ "التخويف"، عبر تسويغ "تضييق الحريات الشخصية" قانونا بالخوف من "ضربات إرهابية إسلامية"، وكأن هذا العنوان يقول للقارئ إن "إرهاب الإسلاميين يحرمك من الحريات".

ثم يأتي الحوار مع رئيس المخابرات إرنست أورلاو حول "المخاطر وسبل الملاحقة" ذات العلاقة بالإرهاب "الإسلامي"، ثم يخصص مقال لموقع شبكي بعنوان "سوق المسلمين" عُرف بين المسلمين أنفسهم بأسلوب تهجمي لا يفيد كثيرا في متابعة ما يتعرضون له من مظالم أو تمييز.

ويختتم القسم الثالث ومعه الإصدار الفصلي بمقالة يُصطنع الربط بين محتواها وموضوع الإسلام في ألمانيا وأوروبا اصطناعا، فهي تتحدث عما تعتبره تحريضا على "اللاسامية" وعداء اليهود، على مستوى أطفال فلسطين.

ويتم ذلك من خلال فضائية الأقصى التابعة لمنظمة حماس وسواها، وهذا ما لا يحتاج إلى تعليق على ضوء عدد الشهداء بالعشرات من أطفال غزة بالذات، ممن سقطوا أثناء طباعة هذه الإصدار وتوزيعه، فضلا عن أعدادهم بالألوف منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، ومن يوجد منهم رضيعا وطفلا صغيرا داخل السجون والمعتقلات الإسرائيلية مع أمهاتهم.

"
يغلب على الجامعات والمراكز الفكرية الموقف المنصف فيما تقوم به من دراسات وبحوث منهجية، وإن بقي ترويجها في أسواق الإعلام ضعيفا
"
مؤشرات في الاتجاه الصحيح
ورغم الصورة السلبية المتحاملة للغاية في هذه الإصدار الدوري الأشبه بسلسلة كتب تصدرها دار نشر أكبر مجلة أسبوعية ألمانية، يمكن تسجيل ثلاث ملاحظات جديرة بالاهتمام.

1- المحتوى بالمقارنة مع محتويات ما سبق إصداره عن المجلة ذاتها يؤكد أن الجهات الإعلامية -ولا نقول الفكرية- الكامنة وراء التحامل لم تعد قادرة على التحامل المطلق كما كانت غالبا، فهي في الوقت الحاضر أقرب إلى محاولة الدفاع عن هذا التحامل، ومحاولة التمويه عليه بادعاء التوازن عبر إيراد إشارات محدودة لوجود مواقف مناقضة لما تقول به.

ويرمز إلى استمرار انحياز المضمون وتخفيفه شكليا فقط، أن بقاء اللون القاتم في المحتويات وخلفيتها، يقابله تجنب اللون الأسود في خلفية صورة الغلاف التي يخضع اختيارها لعملية تصميم واختيار معقدة في قسم كبير للمتخصصين في دار نشر المجلة.

2- التحامل يقترن بكتابات سطحية، وأطروحات إعلامية لا تستند إلى أدلة مدروسة، ولا يوجد غالبا ما تخشاه عادة من مواجهات قضائية عندما تتجاوز الحدود القانونية في المعلومات والآراء، في حين بدأ يغلب على الجامعات والمراكز الفكرية الموقف المنصف فيما تقوم به من دراسات وبحوث منهجية، وإن بقي ترويجها في أسواق الإعلام ضعيفا، ومثال ذلك هنا الاكتفاء بحوار مع خبير منصف واحد، مقابل عشرات الأقلام الأخرى.

3- تكشف ظاهرة التهوين من شأن المسلمين ذوي الأصل الألماني، ولاسيما من يعتنق الإسلام حديثا من الشبيبة، ومن شأن الإقبال الكبير على الإسلام في أوساط جيل المواليد في ألمانيا، إمّا عن قلق يعالج بخداع النفس، أو عن محاولة ترسيخ صورة الإسلام الوافد في وعي الرأي العام، وبالتالي تسويغ التعامل معه على أنه غريب عن البلاد، وليس كما بدأ استقراره عنصرا أساسيا، بات من الضروري تثبيت أرضية مشتركة معه بوصفه جزءا من مكونات المجتمع الألماني خصوصا والأوروبي عموما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك