عرض/سيدي أحمد ولد أحمد سالم
كتاب "القاعدة.. التنظيم السري" للصحفي عبد الباري عطوان ترجم إلى 15 لغة وأعيد نشر طبعته الإنجليزية أربع مرات، وهو يقع في سبعة فصول ويتحدث عن تنظيم القاعدة من خلال مقابلة عطوان لأسامة بن لادن في تورا بورا، فضلا عن سيرته الذاتية ونشاط القاعدة ومستقبلها وعملياتها وجذورها الفكرية والسياسية، مع إشارات إلى الأصول الإسلامية لظاهرة الاستشهاد.

وقد خصص المؤلف للجهاد الإلكتروني والصراع بين القاعدة والمواقع الجهادية وبين المخابرات الغربية فصلا مهما.

ويعتمد المؤلف منهجا تحليليا عارضا ويجمع كذلك بين معرفة المؤلف المباشرة ببعض قادة التنظيم وبين تحليل واقع التنظيم وتفسير نشاطه.

- الكتاب: القاعدة.. التنظيم السري
- المؤلف: عبد الباري عطوان
- الصفحات: 328
- الناشر: دار الساقي, بيروت
- الطبعة: الأولى/2007

مع بن لادن في عش النسور
أمضى المؤلف ثلاثة أيام مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في نوفمبر/تشرين الثاني 1996 في مخبئه بتورا بورا المعروف بعش النسور، وهو سبق صحفي شاركه فيه عدد محدود من الصحفيين أمثال البريطاني روبرت فيسك.

ومنذ 1994 كان لبن لادن ممثل مقيم في بريطانيا (خالد الفواز) الذي نسق ذهاب المؤلف إلى أفغانستان، فسافر إلى باكستان ومنها إلى أفغانستان حيث رتبت له القاعدة لقاء مع زعيمها بالتنسيق مع عناصر من حركة طالبان بعد التخفي في زي أفغاني.

وزار المؤلف بن لادن في عش النسور الذي يطلق على مخبأ بن لادن في جبال تورا بورا، ويقع على ارتفاع يناهز ثلاثة آلاف متر في مكان مليء بالكهوف.

وكان مسكن بن لادن في تورا بورا –وهو الذي ألف النعمة الباذخة والثراء الفاحش- كهفا من ستة أمتار في أربعة لا يقيه الحر صيفا ولا البرد شتاء.

ولم تكن مائدة بن لادن سوى بطاطس عائمة في الزيت ومقلية على الطريقة العربية، وصحن من البيض وجبن مالح ورغيف تساوى فيه القمح والتراب.

وقد تحدث بن لادن لعبد الباري عطوان عن جهاده وثروته وعن الوجود الأميركي في الجزيرة العربية وعن علاقاته بالسودان.

وكانت حول بن لادن في كهفه بتورا بورا مجموعة من الشباب من مختلف الأعمار من ذوي الشهادات الجامعية ومن جنسيات عربية مختلفة مع غالبية خليجية يحملون أسماء وكنيات عريقة ويتطلعون للشهادة في سبيل الله ويحمون زعيمهم ويفدونه بمهجهم ولا يخاطبونه إلا بالشيخ أو بأبي عبد الله إجلالا وإكبارا.

"
من المعاصرين تأثر بن لادن بسيد قطب كما تأثر وهو في جدة بمحمد قطب شقيق سيد قطب، وبالفلسطيني عبد الله عزام الأب الروحي للسلفية الجهادية الذي أوعز إلى بن لادن بالسفر إلى أفغانستان وجهاد السوفيات هنالك
"
وقد استفاض بن لادن في أحاديثه مع المؤلف، متناولا ماضيه وحاضره ومستقبله وواصفا الجنود السوفيات، وقد عرفهم أثناء الجهاد في أفغانستان، بالشجعان الصبورين في حين وصف الجنود الأميركيين بالجبناء، وقد عرفهم في الصومال.

كما استعرض بن لادن بالتفصيل علاقاته بالأميركيين حاضرها ومستقبلها وألمح إلى إعداد القاعدة وتخطيطها لهجمات ضد أميركا، وكان يقصد دون شك هجمات 11 سبتمبر/أيلول التي حدثت بعد خمس سنوات من حديثه مع المؤلف.

وقد أذهل المؤلف ما شاهده في شخصية بن لادن من أبعاد نفسية واجتماعية تميزه عن غيره من الرجال، لكنه ما كان يتصور أن بن لادن سيسبب الذعر للعالم ويلحق بأميركا خسائر تقدر بمليارات الدولارات.

صفات بن لادن
يحظى بن لادن حسب إحصاءات أوردها المؤلف بدعم ما يناهز 60% من مواطني بعض الدول العربية، كما يؤيده نصف السعوديين وملايين المصريين واليمنيين والعديد من الدول العربية والإسلامية. وكلما أمعن الغرب في وصفه بالإرهابي واعتبره خطيرا وجد تعاطفا في الشارع العربي ونظر إليه على أنه بطل وشجاع.

وقد تعرض بن لادن أكثر من أربعين مرة للموت، وأدخل المستشفى مرارا جراء إصابات لحقت به.

ومع احترام عائلته له فإن علاقته بالأسرة السعودية الحاكمة متوترة، وتصل حد الجفاء هذا فضلا عن بغضه الشديد لأميركا وإسرائيل.

رجال أثروا في بن لادن
تأثر بن لادن بمجموعة من المدارس الفكرية الإسلامية تصنف كلها في خانة السلفية، فكان ابن تيمية مرجعه الأول. كما أثرت فيه أفكار محمد بن عبد الوهاب.

ومن المعاصرين تأثر بسيد قطب كما تأثر وهو في جدة بمحمد قطب شقيق سيد قطب، وبالفلسطيني عبد الله عزام الأب الروحي للسلفية الجهادية الذي أوعز إلى بن لادن بالسفر إلى أفغانستان وجهاد السوفيات هنالك بداية ثمانينيات القرن الماضي، حين كانت أميركا تشجع أفواج الشباب العرب على التوجه نحو أفغانستان.

وفي بعض مراحل نشاط بن لادن السياسي والعسكري وحد مساره مع رفيق دربه أيمن الظواهري الذي كان يكبره بستة أعوام.

"
ما إن غزت القوات العراقية الكويت وقررت السعودية دعوة القوات الأميركية للدفاع عن المملكة حتى قرر بن لادن حمل السلاح لمواجهة الوجود الأميركي في الجزيرة العربية
"
مشروع بن لادن الجهادي
في سنة 1996 أعلن بن لادن من خلال صحيفة القدس العربي الجهاد ضد الأميركيين المحتلين لبلاد الحرمين الشريفين، وفي صيف نفس السنة تحالف تنظيم القاعدة مع حركة طالبان.

وفي أوائل 1998 استصدر بن لادن فتوى من أربعين فقيها أفغانيا وباكستانيا تطالب بطرد القوات الأميركية من شبه الجزيرة العربية، وفي فبراير/شباط من نفس السنة أعلن مع الظواهري تأسيس الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين. وفي أغسطس/آب من نفس السنة فجرت سفارتا أميركا في كينيا وتنزانيا.

تأسيس تنظيم القاعدة
بن لادن -المولود سنة 1957 في الرياض بالسعودية لأمه علية غانم السورية الأصل وأبيه محمد عوض بن لادن اليمني الأصل- هو الولد الثالث والأربعون بين إخوته الثلاثة والخمسين.

كان هادئ الطبع وفارع الطول يبلغ 190.5 سنتمترا، كما كان متعلقا بأمه وقد تزوج زواجه الأول ببنت خاله نجوى غانم التي أنجبت له أحد عشر طفلا. وتزوج بعدها أربع نساء.

وفي بيشاور أسس بن لادن "بيت الأنصار" سنة 1984 لاستقبال المجاهدين المتطوعين وتدريبهم في المعسكرات التي يشرف عليها قادة أفغان مثل سياف ورباني وحكمتيار.

وبحلول سنة 1986 أصبحت لبن لادن معسكراته المستقلة في مختلف أرجاء أفغانستان. وفي سنة 1989 أسس مكتبا لتسجيل المجاهدين وإعلام عائلات من يقتل منهم عرف باسم القاعدة ومن هنا نشأ اسم التنظيم.

وفي سنة 1989 عاد بن لادن إلى السعودية حيث وضع تحت الإقامة الجبرية، وما إن غزت القوات العراقية الكويت، وقررت السعودية دعوة القوات الأميركية للدفاع عن المملكة حتى قرر بن لادن حمل السلاح لمواجهة الوجود الأميركي في الجزيرة العربية.

ومن السعودية سافر بن لادن إلى باكستان بعدما توسط أحد أقاربه لدى الدولة السعودية للحصول له على جواز سفر، ثم حل بأفغانستان حيث كان التناحر بين الفصائل الأفغانية المسلحة سائدا، فانتقل في ديسمبر/كانون الأول 1991 إلى السودان حيث استثمر الكثير من أمواله، وغادر السودان شبه مطرود في مايو/أيار 1996 إلى أفغانستان.

وقد تناول الكتاب بالتفصيل والتحليل تنظيم القاعدة في ثلاثة فضاءات هي السعودية والعراق وأوروبا.

"
تحول تنظيم القاعدة من الصيغة الهرمية (قمة ووسط وقاعدة) إلى تنظيم أفقي متسع بقيادات ميدانية مستقلة، كما تحول إلى أيديولوجيا غير محدودة بالجغرافيا والقيود المادية
"
الجهاد عبر الإنترنت
استغل تنظيم القاعدة شبكة الإنترنت في التدريب والتخطيط والعمل اللوجستي، وأصبح الفضاء العنكبوتي ساحة من ساحات معارك تنظيم القاعدة يتسلل منه جهاديو القاعدة إلى مواقع العدو الإلكترونية يدمرونها فيما تمكن تسميته بالمعارك الإلكترونية، كما يحصنون مواقعهم ويرسلون عبرها أشرطتهم ذات الحرفية العالية والمشفرة أحيانا. وهنالك أكثر من أربعة آلاف وخمسمائة موقع جهادي على الشبكة.

مستقبل القاعدة
نجحت إدارة بوش في إطاحة نظامي طالبان في أفغانستان وصدام حسين في العراق، ولكنها خسرت الحرب عليهما، لأن الدول العظمى تستطيع تدمير الدول الصغرى أو الضعيفة، لكنها لا تستطيع الانتصار عليها كما علمنا التاريخ وكما أثبتت ذلك وقائعه.

وتنظيم القاعدة بات أقوى عشرات المرات مما كان عليه، ووجد في العراق ملاذا آمنا، وزعيماه (بن لادن والظواهري) ما زالا حيين.

وقد تحول التنظيم من الصيغة الهرمية (قمة ووسط وقاعدة) إلى تنظيم أفقي متسع بقيادات ميدانية مستقلة، كما تحول إلى أيديولوجيا غير محدودة بالجغرافيا والقيود المادية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك