عرض/زياد منى
يجمع هذا الكتاب آراء مجموعة من العلماء من دول مختلفة طلب منهم إبداء آرائهم في الولايات المتحدة الأميركية منذ هجمات سبتمبر/ أيلول. والعلماء أتوا من العراق وإندونيسيا وتركيا والصين وروسيا والمكسيك وأوروبا الغربية.

يعرف محرر الكتاب المساهمين بأنهم أكاديميون معروفون محترمون وجب الانتباه إلى آرائهم التي لا تمثل إطلاقا ركوب موجة العداء للولايات المتحدة التي تجتاح العالم.

- الكتاب: رأيهم فينا.. تصورات دولية عن الولايات المتحدة منذ 11/9
- تحرير: ديفد فاربر
- الصفحات: 188
- الناشر: دار نشر جامعة برنستن، برنستن/ أوكسفورد
- الطبعة: الأولى/2007
والإسهامات كتبت لشرح السياقات التاريخية والمعاصرة لإدراك الولايات المتحدة ودورها في العالم.
 
والمحرر سجل أنه ثمة عالمين اثنين، على الأقل، كان عليهما الحذر عند الكتابة عن الولايات المتحدة في هذا الكتاب: أحدهما من العراق!
 
يبدأ محرر الكتاب بالتعريف ببرنامج فلبرايت الذي أطلقته حكومة الولايات المتحدة الأميركية فور انتهاء الحرب العالمية الثانية، والمرتكز على منطلق بسيط وتفاؤلي: إذا عرفنا العالم فسيحبنا، وبالتالي سوف يحب ما نمثله من معايير.
 
أما هدفه فهو إظهار التزام الولايات المتحدة بالتبادل العالمي والتداخل والتواصل مع مختلف المجتمعات والثقافات. لكن المحرر لا يغيب عنه التذكير بأنه عندما أرسل الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور مساعده رتشارد نكسون إلى دول أميركا اللاتينية لتحسين صورة بلاده هناك هاجمه المتظاهرون في كل من فنزويلا وبيرو وضربوه.

نقاط مهمة
- يقول المحرر إن معاداة الولايات الأميركية هي بنفس مقدار الحاجة إليها، وبنفس قدمها.

 - سبب كراهية الولايات المتحدة الأميركية ليست دوما أفعالها وإنما بسبب ما تمثله من قيم أحيانا.
- الأميركيون قد يفاجؤون باستنتاجات البعض، لكن من غير الصحيح التقليل من أهميتها.
- يعترف المحرر بأنه عندما قرأ بعض الإسهامات في هذا الكتاب تذكر كلمات أغنية شعبية تقول كلماتها: هذه ليست بلادي الجميلة، هذا ليس وطني الجميل.
- وبالتالي، فإن الكتاب لا يقدم صورة عن الولايات المتحدة الأميركية القائمة في ذهن الشعب الأميركي.
 
الكتاب يقر بضرورة تقويم صحة الصورة التي ترد في المقالات، لكنه يرى أنه من المفيد أكثر معرفة كيف نشأت تلك التصورات وسبب ذلك.
 
وهدف الكتاب: تحسين التواصل بين شعوب الكتّاب والولايات المتحدة، لكن هذا ورد في مقالتين فقط (تركيا والمكسيك) حيث لام كل منهما الجانبين على صورة الولايات المتحدة، وشددا على ضرورة أن تستحوذ الأطراف جميعها على معارف أكثر دقة.
 
لكن ثمة من لا يحب الولايات المتحدة أصلا، مثل الرو لأنهم خسروا الحرب الباردة ولأن الولايات المتحدة لم تساعدهم في انتقال سلس للرأسمالية.
 
"
وصل الشعب العراقي إلى قناعة بأن الولايات المتحدة ليست جادة في ادعائها الرغبة في الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، وانعدام أي نية لديها لإقامة نظام ديمقراطي في العراق
"
العراق

يتحدث الكاتبان (إبراهيم المراشي، عبد الهادي الخليلي) عن الحياة اليومية في العراق.
ويستعرضان إخفاق قوات الاحتلال الأميركي في ضمان الأمن بعد احتلالها البلاد، لكن ذلك ليس السبب الوحيد الذي يمنع الشعب العراقي من محبتها.
 
بعد استعراض تاريخي للعلاقة بين العراق والولايات المتحدة والمراحل المختلفة التي مرت بها يرى الكتاب أن الأسباب الرئيسة هي:

- انحياز أميركا لإسرائيل.

- موقف الولايات المتحدة الأميركية من انتفاضات "الشيعة" في الجنوب و"الكرد" في الشمال بعيد حرب الخليج حيث وصل الشعب العراقي إلى قناعة بأن الولايات المتحدة ليست جادة في ادعائها الرغبة في الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، وانعدام أي نية لديها لإقامة نظام ديمقراطي في العراق.

- حصار العراق والعذابات التي لحقت به إثر ذلك أسهمت في معاداة الشعب العراقي للولايات المتحدة حيث نظر إليه من منظور أن هدفه هو تقوية نظام صدام حسين عبر تسليمه نظام التحكم في المؤن، ما قاد إلى قناعة قطاعات واسعة من الشعب العراقي بأن صدام حسين كان عميلا أميركيا، وهذا بدوره قاد إلى ازدياد معاداة الشعب العراقي للولايات المتحدة.

- بعد الاحتلال، معاداة الشعب العراقي للولايات المتحدة لم تتغير، ومن أسبابها ترك القوات الأميركية اللصوص والعصابات المسلحة ينهبون البلد كله ما عدا المنشآت النفطية.

- مذابح الفلوجة عمقت من كراهية العراقيين للولايات المتحدة.
- حل الجيش العراقي عمق أيضا من الكراهية لأنه كان الرمز الأخير للسيادة الوطنية العراقية.
 
آراء كرد العراق على نحو عام مؤيدة للولايات المتحدة، لكنها متخوفة من مسائل مختلفة قد تؤدي إلى اختلاف المشاعر، ومن ذلك مسألة وضع مدينة كركوك والتحالف مع الشيعة، وتحالفها مع تركيا ضدهم.
 
"
مواقف العراقيين إزاء الولايات المتحدة تختلف من قطاع لآخر وأسبابها متباينة، ولا يمكن النظر إلى هذه المواقف من منظور طائفي
"
بعض العراقيين لا يؤمنون بالتزام الولايات المتحدة بإقامة نظام ديمقراطي في العراق، لأن سياساتها جلبت قيادة شيعية ستسيطر على نفط الخليج.
 
أما القادة الشيعة فيحبذون النظام الديمقراطي التمثيلي لأنه سيمنحهم السلطة في العراق. والكرد أنفسهم لا يؤمنون بأن الولايات المتحدة تريد إقامة نظام ديمقراطي في العراق.

مواقف العراقيين تختلف من قطاع لآخر وأسبابها متباينة، ولا يمكن النظر إليها من منظور طائفي. المحرر يعود إلى التاريخ حيث توحد العراقيون جميعهم بمختلف انتماءاتهم الطائفية والمذهبية والقومية ضد الاحتلال البريطاني.
 
إندونيسيا
الكاتب، ميلاني بوديانتا، الذي تعلم في الولايات المتحدة الأميركية يقول إنه غير قادر على مخاطبة الأميركيين مباشرة لأنهم محكومون بمجموعة من المصطلحات الرنانة، مثل الأصولية الإسلامية، الحرب على الإرهاب، الرئيس بوش، 9/11، الديمقراطية، حقوق الإنسان، إسرائيل، العراق.. والتي لا تحمل معاني متطابقة في الجبهتين.

لكن موقف الشعب الإندونيسي من الولايات المتحدة نابع أيضا من أحوالها الداخلية حيث أيدت نظام سوهارتو الدموي الموالي لها. ومع أنه حدث تعاطف مع ضحايا هجمات سبتمبر/ أيلول، إلا أن سياسة بوش التالية خاصة تجاه العراق أثرت في ذلك سلبا.
 
كما أن اتهام الولايات المتحدة (وأستراليا) إندونيسيا بتبني الإرهاب بعد هجمات منتجع بالي زاد من تأجيج المشاعر ضدها، وفي الوقت نفسه زاد من تضامن الشعب الإندونيسي مع أبو بكر باعشير.

وبنظر الكاتب فإن الإندونيسيين يعدون حرب أميركا على "الإرهاب" غير متوازنة، بل وينظرون إليها على أنها حرب على الإسلام فحسب.

ومن الأمور اللافتة تكرر ظهور العامل الفلسطيني هنا حيث يمارس موقف الولايات المتحدة من قضية فلسطين دورا مركزيا في معاداة الإندونيسيين لها. ومن الأسباب الأخرى العولمة وتأثير ذلك في اقتصاد الإندونيسيين ونمط معيشتهم وثقافتهم.
 
تركيا
"
غزو العراق سدد ضربة قوية لصورة الولايات المتحدة في تركيا، إضافة إلى سياسة الحرب على الإرهاب
"
ترى الكاتبة نور بلغه كرِس، أن الشعب التركي يرى أن الولايات المتحدة الأميركية فقدت سلطة مرجعيتها الروحية بسبب سياساتها العدوانية.
 
فـ"الصدمة والترويع" أثرت في أعدائها وفي أصدقائها بالقدر نفسه. كما تقول إن الشعب التركي لا يقبل سياسة الولايات المتحدة التي تتلخص في مقولة: إما معنا أو ضدنا.

ومن العوامل الأخرى التي ترى الكاتبة أنها أثرت سلبا في صورة الولايات المتحدة في العقل التركي قرار حظرها بيع الأسلحة في العام 1975 وقمع العسكر الحركة اليسارية.
 
 أما غزو العراق فقد سدد ضربة قوية لصورة الولايات المتحدة في تركيا، إضافة إلى سياسة "الحرب على الإرهاب".

الصين
يقر الكاتبان يوفن هاو ولِن سو بانعدام وجود رأي عام في الصين سببه غياب المؤسسات الأهلية المستقلة التي يمكنها قياس ذلك، ما دفعهما لاعتماد استطلاعات رأي بعض الطلبة الجامعيين.
 
والنتيجة هي أن الولايات المتحدة الأميركية دولة عدوانية تحاول الهيمنة على العالم والتأثير في مستقبل الصين.
 
كما زادت حرب الخليج من شكوك الصين تجاه أهداف الولايات المتحدة في العالم حيث نظرت إلى ذرائعية "الديمقراطية وحقوق الإنسان" التي تستخدم للهيمنة على العالم.
 
وما زاد في سلبية صورة الولايات المتحدة في الصين قصفها السفارة الصينية في بلغراد، يضاف إلى ذلك سياساتها الاقتصادية تجاه بلادهم.

ملخص موقف الصين، وبالتالي الرأي العام الصيني، من الولايات تحكمه على نحو رئيس قضايا داخلية محضة.

روسيا
رأى الكاتبان إريك شيريف وأولغا ماخوفسكايا أن هجمات سبتمبر/أيلول وما تلاها من "الحرب على الإرهاب" أثرت سلبا في صورة الولايات المتحدة الأميركية لدى الشعب الروسي.

لكنهما يريان أن ثمة أسبابا أخرى لمعاداة الولايات المتحدة في روسيا هي العصبية القومية والعنصرية والفاشية.

ويضاف إلى ذلك أن معاناة الروس في مرحلة الانتقال إلى النظام الرأسمالي شككت في مثالية النموذج السياسي/الاقتصادي الأميركي. أما الشعب الروسي بمعظمه فالسياسة لا تهمه، وكل ما يريده هو الهدوء والأمن والنظام.

المكسيك
يلخص الكاتبان فرناندو إسكالانتيه غونزالبو وماوريسيو تنوريو تريللو موقف المكسيكيين من الولايات المتحدة الأميركية بكلمة "ننغونيو" التي تعني "إهانة" وتلخص السياسة الأميركية تجاه شعوب أميركا اللاتينية.

وهنا نجد تكرارا للموقف الأولي وهو حدوث تعاطف مع الولايات المتحدة إثر هجمات سبتمبر/أيلول، إلا أن الكاتبين يقران بأن "حرب بوش على الإرهاب" أضاعت تعاطف العالم الناطق بالإسبانية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك إسبانيا نفسها.

أما انقلاب المكسيكيين على الولايات المتحدة فسببه تاريخي أيضا، لكن الدور الأكبر مارسته الولايات المتحدة عقب هجمات سبتمبر/أيلول.

أوروبا الغربية
"
المقالات تظهر أن العداء للولايات المتحدة مصدره سياساتها العسكرية والاقتصادية وليس موقفا مسبقا من شعوب العالم تجاه "النموذج الأميركي"
"
رغم أن الولايات المتحدة حظيت، برأي الكاتب فدريكو روميرو، بسمعة طيبة في أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، واستمرار ذلك على نحو عام حتى هجمات سبتمبر/ أيلول، فإن الوضع تغير تماما حيث تنامي شعور معاد لها بين الأوروبيين سببه الرئيس "الحرب على الإرهاب".
 
ويرى الكاتب أن معظم الأوروبيين يرون أن هدف تلك "الحرب" السيطرة على منابع النفط، وبالتالي الهيمنة على مستقبل العالم الصناعي.

ولا ينسى الكاتب دور الحرب على العراق في الإساءة إلى صورة الولايات المتحدة بين الأوروبيين.

وثمة نقطة أخرى مهمة بنظر الكاتب وهي اعتماد الولايات المتحدة الأميركية سياسة أحادية تجاه العالم من دون استشارة حليفتها أوروبا ما سيتسبب في أزمات جديدة بين الطرفين في المستقبل.

خلاصة
تظهر الآراء المسجلة في الكتاب وجود هوة بين رأي قسم كبير من الرأي العام في مختلف أقاليم العالم في الولايات المتحدة ورأي الأميركيين أنفسهم في بلادهم.

كما تظهر المقالات أن العداء للولايات المتحدة مصدره سياساتها العسكرية والاقتصادية وليس موقفا مسبقا من شعوب العالم تجاه "النموذج الأميركي".

هذا يعني أنه إذا رغبت الولايات المتحدة الأميركية في تغيير صورتها السلبية في العالم فعليها تغيير سياساتها، وليس استبدال الناطقين باسمها أو إجراء عمليات تجميل إعلامية لتصرفاتها في مختلف بقاع العالم وتجاه شعوبه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك