عرض/نبيل السهلي
اعتمدت الحركة الصهيونية ووليدتها إسرائيل على ركائز أساسية لتنفيذ المشروع الصهيوني على أرض فلسطين, ومن بين تلك الركائز تهيئة الظروف المختلفة لجذب مزيد من يهود العالم إلى فلسطين, وبناء المستوطنات لإسكان المهاجرين الجدد.

-الكتاب: الصهيونية الاقتصادية
-المؤلف: فضل النقيب
-الصفحات: 100
- الناشر: مركز الغد العربي للدراسات, دمشق
الطبعة: الأولى/2008

وسعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة منذ العام 1948 إلى بناء جيش قوي لحماية المنجزات الصهيونية على الأرض, وفي هذا السياق اهتم أصحاب القرار في إسرائيل بتطوير الوضع الاقتصادي وتحقيق معدلات نمو تفوق معدلات الهجرة اليهودية من جهة, وتأمين الرفاه الاجتماعي والاقتصادي من جهة أخرى، حتى تبقى عوامل الجذب المحلية قوية, وتبعا لذلك تمّ تطويع الاقتصاد في خدمة الإستراتيجية الصهيونية العليا.

وفي هذا الإطار يندرج هذا البحث الجديد الذي يلقي الضوء على المؤسسة الاقتصادية الصهيونية وآلياتها في مراحل مختلفة من عمر المشروع الصهيوني على الأرض الفلسطينية.

المنظور التاريخي للصهيونية الاقتصادية
يشير الكاتب في الفصل الأول إلى حقيقة هامة جوهرية تتمثل في أن تجربة الموجة الأولى للاستيطان الصهيوني في فلسطين لم تسمح بتكرار تجارب الاستيطان الاستعماري الأوروبي التي تمت بنجاح في القرن التاسع عشر في شمال أفريقيا وأستراليا ونيوزيلندا، حيث لا يوجد في فلسطين ثروات طبيعية أو أراض شاسعة.

وكل ذلك كان يعني أن الاقتصاد الفلسطيني لا يقدر على استيعاب أعداد كبيرة من المهاجرين اليهود، إذ كانت عمليات الاستيعاب خاضعة للمعايير الاقتصادية في الربح والخسارة وفق الأسعار التي تتحدد في السوق.

ولهذا استطاعت الأحزاب العمالية الصهيونية تحقيق أهداف الحركة الصهيونية في فلسطين عن طريق التحالف القوي مع المنظمة الصهيونية التي كانت تملك رأس المال (الصندوق القومي اليهودي), وعن طريقه كانت قادرة على تقديم الدعم المالي للمنشآت اليهودية حتى ترفع أجرة العامل اليهودي مقارنة بأجر العامل العربي صاحب الأرض.

"
الاقتصاد الصهيوني بني في فلسطين في مراحل مختلفة وفق آليات تعمل على توليد الشروط الاستعمارية بدعم من حكومة الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى إنشاء إسرائيل في مايو/أيار 1948
"
إن التحالف الذي قام بين الأحزاب العمالية والمنظمة الصهيونية لم يقتصر على شق سوق العمل إلى سوقين, بل تعدى ذلك. إذ تم استنباط النموذج الصهيوني للاستيطان الاستعماري بالاعتماد على المستوطنات التعاونية والذي بدأ العمل به منذ عام 1901.

وقد بني الاقتصاد الصهيوني في فلسطين في مراحل مختلفة وفق آليات تعمل على توليد الشروط الاستعمارية بدعم من حكومة الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى إنشاء إسرائيل في مايو/أيار 1948.

وبعد مرور ستة عقود من إنشائها باتت إسرائيل تمتلك أكبر اقتصاد في المنطقة ومستوى معيشة يضاهي الدول الأوروبية وأميركا وأستراليا, ولا بد من الإشارة إلى أن نقطة البداية للتطور الاقتصادي كانت مع إنشاء إسرائيل بالاعتماد على الحليف البريطاني, وبعد ذلك تم التأسيس لحلفاء جدد بالاتجاه الفرنسي والأميركي الذي ما زلنا نشهد فصوله عبر المساعدات السخية لإسرائيل بشقيها الاقتصادي والعسكري.

الإطار النظري للصهيونية الاقتصادية
يؤكد الكاتب في الفصل الثاني انتصار أسلوب الاستيطان الصهيوني بعد صراع أيديولوجي استمر ثلث قرن على بدء الهجرة اليهودية, وجرى تكريس الالتزام بآليات الصهيونية الاقتصادية التي تعمل على توليد الظروف الاستعمارية وصنع اقتصاد يهودي مستقل ينمو ويتطور نتيجة للأضرار التي ألحقها بالاقتصاد العربي الفلسطيني.

ولهذا يشير الكاتب إلى أنه من الممكن أن يستمر في استعراضه التاريخي ليتوقف عند اتفاق أوسلو وما نتج عنه من اتفاقات اقتصادية بين منظمة التحرير وإسرائيل, حيث توضح بشكل جلي استمرار عمل آليات الصهيونية الاقتصادية سواء على صعيد التوسع في بناء المستوطنات أو إلحاق الأضرار بالاقتصاد الفلسطيني.

ويرى أن التوسع الصهيوني لا يمكن أن يجري في المستقبل إلا كما جرى في الماضي, أي على حساب المصالح الاقتصادية العربية.

"
تطبيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل الملتزمة بالتوسع الصهيوني لا يعني إلا وقف المعارضة العربية لآليات الصهيونية الاقتصادية وبالتالي مساعدتها على إلحاق الأضرار بالاقتصادات العربية
"
ولهذا فإن تطبيع العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل الملتزمة بالتوسع الصهيوني لا يعني إلا وقف المعارضة العربية لآليات الصهيونية الاقتصادية وبالتالي مساعدتها على إلحاق الأضرار بالاقتصادات العربية بشكل أسرع من السابق.

ولفهم مستقبل العلاقة الاقتصادية العربية بين الدول العربية وإسرائيل في إطار العملية السلمية, يؤكد الكاتب ضرورة الأخذ بعين الاعتبار عاملين أساسيين وجوهريين في ذات الوقت, يتجسد العامل الأول بكون الاقتصاد الإسرائيلي من ناحية نسبية كبير وصناعي ومتقدم تكنولوجيا, أما الاقتصاد العربي المجاور فهو فقير غير صناعي ومتأخر تكنولوجيا.

أما العامل الثاني فيتمحور حول فكرة أن إسرائيل ليست بلدا عاديا يخضع للمعايير الاقتصادية العادية, حيث تلتزم إسرائيل بأيديولوجيا تعطي أولوية مطلقة للتوسع البشري, إذ إن إسرائيل دولة ليست لمواطنيها بل دولة لكل اليهود في العالم.

فلكل يهودي حق الهجرة إليها, وهذه الأولوية تفرض على إسرائيل إبقاء المناطق المحيطة بها مناطق صالحة للاستيطان الاستعماري.

في مقابل ذلك ليست هناك إستراتيجية عربية موحدة للتعامل مع إسرائيل على الصعيد الاقتصادي أو السياسي, وهذا بدوره يفرض تفاوتا في مستقبل العلاقات.

آفاق العلاقات الاقتصادية العربية الإسرائيلية
كنموذج على مستقبل العلاقات الاقتصادية مع إسرائيل, ركزّ الكاتب على مستقبل العلاقات الاقتصادية بين إسرائيل والاقتصاد الفلسطيني في الضفة والقطاع والاقتصاد الأردني بشكل خاص, ثم بحث بشكل عام في مستقبل علاقات إسرائيل مع الدول العربية التي تقوم بعملية تطبيع اقتصادي معها.

وافترض أن المفاوضات قد أفضت إلى سيطرة فلسطينية على المصادر الطبيعية والحدود والمياه, وكذلك الحال استمر التطبيع الاقتصادي الإسرائيلي مع الأردن بناء على معاهدة وادي عربة, الأمر الذي يضر عملية النمو على أساس أنه يكرس تخصص الاقتصاد العربي الفلسطيني والأردني بنشاطات اقتصادية ليس لها مستقبل في النمو, في حين يتخصص الاقتصاد الإسرائيلي بالصناعات ذات إمكانيات النمو العالية.

"
مستقبل التبادل التجاري هو أن تستورد فلسطين والأردن السلع الصناعية من إسرائيل وتقوم الدول العربية بتصدير مواد خام وسلع صناعية بسيطة
"
وفي هذا السياق يذكر الكاتب معلومة رقمية هامة جدا تتمثل في كون حجم الاقتصاد الإسرائيلي يعادل تسعة أضعاف حجم الاقتصاد الأردني والفلسطيني مجتمعين, ناهيك عن الصادرات الإسرائيلية التي تعادل أكثر من عشرة أضعاف ما يصدره الاقتصادان الفلسطيني والأردني معا.

ويصل إلى نتيجة مفادها أن مستقبل التبادل التجاري هو أن تستورد فلسطين والأردن السلع الصناعية من إسرائيل وتقوم الدول العربية المذكورة بتصدير مواد خام وسلع صناعية بسيطة.

الصهيونية الاقتصادية.. الفهم الناقص والخاطئ
فرق الكاتب في الفصل الأخير من الكتاب بين الدراسات التي أظهرت الأخطار المحدقة من أفاق علاقات اقتصادية بين الدول العربية وإسرائيل عبر الإشارة إلى دراستين للباحث المصري محمود عبد الفضيل.

في مقابل ذلك أظهر مجموعة دراسات لكتّاب وخبراء اقتصاد في الدول العربية والولايات المتحدة الأميركية في طياتها وجهة نظر معاكسة تصر على أن التطبيع الاقتصادي مع إسرائيل في صالح الدول العربية.

ويؤكد الكاتب فضل النقيب أن تلك الدراسات ركزت على موضوع الاختلاف الجذري بين بنية اقتصادات دول العالم الثالث, ولم تأخذ بعين الاعتبار خصوصية إسرائيل وما تفرضه أيديولوجيتها الصهيونية من أولويات اقتصادية.

حيث تعتبر الصهيونية الاقتصادية مجموعة الأدوات والوسائل التي استخدمتها الحركة الصهيونية من أجل ضمان ترجيح قوى الاستقطاب على قوى الانتشار في العلاقات الاقتصادية مع الاقتصاد العربي المجاور.

"
الكتاب يعتبر ردا على أصحاب النظريات الاقتصادية العربية الذين نادوا بالتسوية وفوائدها الاقتصادية المحتملة على الاقتصادات العربية, وتكمن أهميته في كونه شخّص بشكل متدرج التطورات التي شهدتها المؤسسة الصهيونية الاقتصادية
"
أهمية الكتاب

تكمن أهمية الكتاب في تسليطه الضوء على أفكار الصهيونية الاقتصادية وأهميتها في إطار المشروع الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية, حيث جاء هذا البحث كثمرة علمية من قبل أكاديمي له باع في علم الاقتصاد ودراية جيدة في بنية المجتمع الصهيوني ومراحل تطوره.

والأهم من ذلك أن البحث طرح في وقت مناسب, حيث يعتبر ردا على أصحاب النظريات الاقتصادية العربية الذين نادوا بالتسوية وفوائدها الاقتصادية المحتملة على الاقتصادات العربية, كما تكمن أهمية البحث في كونه شخّص بشكل متدرج التطورات التي شهدتها المؤسسة الصهيونية الاقتصادية.

ولهذا يعتبر الكتاب بفصوله المختلفة عملا جديدا يرفد المكتبة العربية بحقائق أكاديمية عن المؤسسات المختلفة في إسرائيل ومن بينها المؤسسة الاقتصادية.

وقد زاد في أهمية الكتاب الجداول الملحقة في الفصول المختلفة والتي أوضحت تطور النشاط الاستيطاني الصهيوني في فلسطين, واتجاهات تطور سكان إسرائيل والعلاقات الاقتصادية بين بعض الدول العربية وإسرائيل.

فضلا عن مؤشرات اقتصادية ذات دلالة عن المجتمع والفرد في إسرائيل مقارنة مع الفرد في الأراضي الفلسطينية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك