عرض/ زياد منى
مؤلف هذا الكتاب أميركي من أصل يوناني عمل محققا مع القوات الأميركية التي تحتل العراق، في كل من أبي غريب والموصل وشمالي بابل والفلوجة.

انضم إلى الجيش الأميركي قبل هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، وتعلم أصول التحقيق في مدارس استخبارات الجيش الأميركي المختصة التي قال إنها تلزم التقيد ببنود معاهدة جنيف التي تحظر تعذيب السجناء حظرا باتا أيا كان شكله.

- الكتاب: الخشونة لرفع درجة الخوف
- المؤلف: طوني لغورانِس
- تحرير: ألن ميكايليان
- الصفحات: 256
- الناشر: نار كَلِبر، بنغوين، الولايات المتحدة
- الطبعة: الأولى 2007

لكن المؤلف يعترف بأنه اكتشف عند وصوله إلى العراق أن سلطات الاحتلال هناك تشجع على تجاوز تلك البنود.

عنوان الكتاب مأخوذ من اسم أحد أنماط التحقيق التي تعمل بها استخبارات الجيش الأميركي، ومنها "المحقق اللطيف والمحقق القاسي". وجوهر هذا النمط هو الصراخ في وجه السجين والضرب بقبضة اليد على الطاولة وتحطيم الأثاث في غرفة التحقيق.. إلخ.

الكتاب/الاعتراف رحلة مروعة وكريهة في دهاليز الاحتلال الأميركي للعراق، يضم 26 فصلا ذات عناوين دالة موزعة على خمسة أجزاء (أبو غريب، وقاعدة الأسد، والموصل وأبو غريب، والمغادرة وشمال بابل، والعودة إلى الوطن والدروس المستقاة)، افتتحه باقتباس من العهد الجديد (عبرانيون 13: 3) "اذكروا المسجونين كأنكم مسجونون معهم، واذكروا المعذبين كأنكم أنتم تتعذبون في الجسد".

وهو يذكر القارئ بأنه سلمه قبل النشر لوزارة الدفاع الأميركية للاطلاع وتأكيد خلوها من أي أسرار عسكرية، إضافة إلى تغيير أسماء بعض المتورطين لحمايتهم.

لستُ بطلا
المؤلف الذي "اعترف" بأنه انضم إلى الجيش الأميركي لتعلم اللغة العربية ولسداد ديونه من دون أن ينفي توقه للانضمام إلى الحرب، يطلب من القراء عدم اعتباره بطلا، مع أن قائده العسكري أخبره عند إقامته في القاعدة العسكرية الأميركية في الكويت في طريق العودة إلى بلاده أنه بطل وأنه أنجز مهمة عظيمة يجب أن يفخر بها.

ويضيف أن عار أبو غريب "يحلق فوق رؤوسنا"، وكل ما كانت القيادة العسكرية الأميركية تفعله هو محاولة الحفاظ على ما تبقى من معنويات لدى المحققين. فهو لا ينسى أن صراخ القائد العسكري في مسيرات اللياقة كانت "أنتم أسود الصحراء، وعقارب أبو غريب".

"
كون التعذيب عملية فردية معزولة أمر مستحيل، بل هو منهجية يتم الالتزام بها، والقوات الخاصة تمارسه على نحو منتظم، وهو يمارس ضد الجميع مذنبين وأبرياء
"
أما "المهمة العظيمة" -يقول المؤلف- فهي التحقيق مع المعتقلين العراقيين وكسر شوكتهم وإرادتهم ومعنوياتهم، وهدفه إنقاذ حياة من خلال جمع معلومات عن الأطراف المعادية لقوات الاحتلال الأميركي.

لكنه يعترف بأنه لم يتمكن من تحقيق أي من الأهداف المرسومة لغزو العراق، أي إعادة بناء العراق "ديمقراطيا"، بل إنه ارتكبت أفعال ألبت العراقيين ضد الأميركيين، مشيرا إلى أنه ليس من البطولة أن يكون المرء في وضع تعامل مع مساجين يمتلك سلطة مطلقة عليهم.

لذا فإن ما ارتكبه من أفعال ضد المساجين العراقيين لم يجلب أي قيمة استخبارية ولم ينقذ حياة أي إنسان، وهو لم يتمكن من حماية الولايات المتحدة الأميركية.

ولأن العراقيين كانوا يخلون الطرقات أثناء مرور قوات الغزو، صارت الأخيرة تظن أن هجوما ما سيقع عليها، فلم تعد مهمة الجنود "بناء العراق" وإنما الحفاظ على حياتهم، ولم تعد ضمان أمن الشعب العراقي ولكن محاولة ضمان أمن القوات الأميركية.

وهذا الأمر هو الذي يتطابق مع ما ذكره المظلي الألماني "محطة أخيرة.. كابل" عن وضع قوات "إيساف" في أفغانستان.

اعرف صديقك
كان على المؤلف بصفته محققا محترفا تعلم شيء عن العرب الذين يفترض أنه جاء ضمن القوات الأميركية لمساعدتهم.

ولكن ما تعلمه عنهم هناك على يد المحاضرين -وهم أقباط مهاجرون في الولايات المتحدة- هو:

- العرب غير قادرين على التخطيط.
- العرب غير قادرين على التفكير المنطقي.
- العرب كذابون.
- العرب يفضلون المظهر على الجوهر.
- يستبدلون بالحقيقة المجاز والاستعارة.

المؤلف يعترف بأن معلوماته عن العرب استقاها من كتاب رفائيل فطاي "العقل العربي"، وهدف تعريف العربي على ذلك النحو دوما -بحسب رأي المؤلف- هو زرع فكرة "نحن في مواجهتهم"، وبالتالي تقوية الأحكام المسبقة وتحريض الجنود على عدم محاولة فهم المجتمع العراقي.

ويستعرض المعلومات التالية:
- "إن شاء الله" تعني عدم رغبة العربي في إنجاز أي أمر وترك ذلك لخالقه.
- العراقي صوته مرتفع، متهور، وقح، هش، استعراضي، سطحي، وعلى درجة عالية من الغباء.
- المديح الوحيد الذي سمعه في مدارس الجيش عن العرب: لهجة اليمنيين العربية جميلة مع أن مستوى ذكاء المتحدثين بها منخفض.

"
يوضح المحقق أن الآلام والأوجاع التي كان يسببها للمساجين تجعله يشعر بسلطة ما، بل إن الأمر وصل به إلى التفكير في قطع أطراف سجين اسمه خالد
"
تناقضات

القوات الأميركية استجلبت عمالا من الخارج لخدمتها، فوجدت أن مهمتها صارت حمايتهم. والمؤلف يقول إن بعض "المستخدمين" أبلغوه بأنهم وعدوا بعمل في الكويت مقابل معاشات مرتفعة، وفقط أخيرا اكتشفوا أنهم في العراق.

يضاف إلى ذلك مجموعة من التصرفات:
- السجناء العراقيون وضعوا في أمكنة غير محصنة.
- سمع بممارسات وحشية تجاه السجناء، مع أنه لم يكن شاهدا عليها، لكنه لا ينفي حصولها.
- لأول مرة يرى بشرا يحجزون في أقفاص.
- كانوا يعاملون السجناء العراقيين بعكس ما تلقوه في مدارس استخبارات القوات الأميركية.
- القوات الأميركية تطلق النار عشوائيا على العراقيين في مركباتهم الآلية.

الممارسات والشفقة المحظورة
من أساليب "التعذيب" التي اعترف المحقق بممارستها:
- إجبار السجين على المكوث في أوضاع منهكة جسديا كالقرفصاء ورفع الأيدي لساعات.. إلخ.
- منع النوم عن السجين.
- استخدام الضوء.
- استخدام الموسيقى الصاخبة.
- الإهانة الجنسية.
- إهانة الشرف والحط من قدر المعتَقَل.
- التقليل من كمية الطعام للسجين.
- إجبار المساجين على الوقوف في العراء في البرد وتحت المطر.
- اعتقال أقارب المطلوبين لإجبارهم على الاستسلام.
- اعتقال أبرياء وحتى أطفال نقلوا إلى سجن أبو غريب.

وهذه الشهادة تتطابق مع ما أوردته صحيفة لوس أنجلوس تايمز في سبتمبر/ أيلول 2006 عن الأمر.

يتحدث المحقق عن ممارساته مع مجموعة من المواطنين العراقيين الذين لن ينساهم: أحمد وحبيب ومسعد وثامر وعبود وحميد الجبوري وجهاد وفاضل وعمر وجعفر علي عبد الناصر وخالد ومصطفى بِشر.. أسماء بشر عراقيين سجنوا ظلما في أبو غريب بسبب وشاية أو فساد الشرطة العراقية، ما جعل موقف الشعب العراقي من قوات الاحتلال الأميركي هو الخوف أو الكراهية.

وهو على قناعة من استحالة كون التعذيب عملية فردية معزولة، بل هو في رأيه منهجية يتم الالتزام بها لأن القوات الخاصة الأميركية كانت تمارسه على نحو منتظم. كما يعترف بأن التعذيب كان يمارس ضد الجميع، "مذنبين" وأبرياء.

وعندما كان يمارس أنماط التعذيب المذكورة آنفا، كان الضابط المسؤول عنه يطلب منه عدم ذكرها في التقرير. ويسجل أنه كان يشعر بالشفقة على السجناء العراقيين جراء أسلوب تعامله معهم، لكن تلك المشاعر كانت تجلب عليه غضب زملائه، كما ينتقد الأطباء النفسيين المشاركين في عمليات التحقيق.

مع ذلك يعترف بأنه لم يتمكن من كسر العراقيين، لأن التحقيقات لم تؤد إلى أي نتيجة حيث ازدادت الهجمات على القوات الأميركية وازداد وضع الأخيرة سوءا.

النقاش بين المحققين يتركز على قانونية التصرف أثناء التحقيق وليس شرعيته القانونية، وهو ما دفع سلطات السجن إلى إخفاء المعتقلين عن مجلس بلدية الموصل الذي جاء للاطلاع على أحوالهم.

ولأن هدف التحقيق هو الحصول على معلومات عن المقاتلين ومخابئ الأسلحة وما إلى ذلك، فالنتيجة كانت بالضرورة التعذيب. أما المحقق فلم يكن مسموحا له بالحكم على براءة شخص ما، وكل ما كان عليه فعله هو ذكر حصوله على معلومات أو عدم حصوله عليها.

"
عندما يصبح العراق دولة ديمقراطية فإن ذلك لن يكون بسبب أميركا، ولكن رغما عنها. والعراقيون لن ينسوا أن أميركا أسقطت صدام حسين، لكنهم لن يغفروا لها ما عقِب ذلك
"
الوحشية والتعذيب أسلوب حياة
يقول المؤلف إنه مع مرور الوقت وإخفاقه في الحصول على معلومات من أغلب المساجين قل حنوه عليهم وصار أكثر تأقلما مع ممارساته. ولذلك فإن الجنود الأميركيين مارسوا "تعويضا رخيصا" بثأرهم من المساجين لعدم تمكنهم من القبض على المقاتلين.

وهو لا ينفي أن الآلام والأوجاع التي كان يسببها للمساجين تجعله يشعر بسلطة ما، بل إن الأمر وصل به إلى التفكير في قطع أطراف سجين اسمه خالد.

الخوف من الجزيرة والتفاحة العفنة المُعدية
مذكرات الجيش الأميركي المتخصصة بالتحقيق تقول إن هدفه إشعار السجين بأنه شخصيا مسؤول عن عذاباته، لكن المحقق/المؤلف أخفق في ذلك لأن السجناء كانوا أبرياء ولا يعرفون سبب اعتقالهم. وإخفاقه هذا في نظره أخلاقي، وهو المسؤول شخصيا عما وصل إليه وضعه النفسي لأنه أراد ممارسة ما مارسه.

ممارساته الوحشية جعلته يخشى وصول أخبار التعذيب وقصصها إلى قناة "الجزيرة" التي ستنقلها بدورها إلى العالم، وهو يعترف أيضا بأن مشاهدة جنود الاحتلال قناة "الجزيرة" والاطلاع على تغطيتها لأخبار العراق أثرت فيهم وساهمت في تغيير آرائهم عن الحرب التي تورطوا فيها.

مع ذلك يعترف بأن ما نُشر عن فظاعات قوات الاحتلال في سجن أبو غريب كان أقل بكثير مما حصل فعلا كالضرب والاغتصاب والقتل. والقصة الأشهر هي قصة قتل مندل الجمدي وقصة عبد الجليل، والقتلة ما زالوا طلقاء.

هذه التصرفات وغيرها قادته إلى القناعة بأن الجيش الأميركي فاسد وريائي وتعسفي وغير مؤهل لإعادة بناء العراق، ومعادٍ للجنود.

وما حصل ويحصل في العراق ليس خطأ في المنظومة وإنما انهيار عام للمعايير والمرجعيات الأخلاقية، لذا يقول إنه يخجل ليس فقط من أعماله وممارساته الشخصية، وليس فقط من ممارسات شعبه، ولكن أيضا من أفعال البشر.. "أشعر بالخجل من كوني بشرا".

شعب أبي عزيز
مع كل التصرفات التي سردها المؤلف/المحقق التي تدعو إلى التقزز والغضب والحزن، فإنها ما كانت لتحدث لو أن هناك منظومة رقابة عالمية محايدة على السجناء والأسرى، فالسلطة تفسد، والسلطة المطلقة تفسد على نحو مطلق، وهذا هو وضع قوات الاحتلال الأميركي في العراق.

لكن رغم بشاعة تلك التصرفات الإجرامية وكونها "إرهاب دولة"، وبصرف النظر عن قصد الكاتب الحقيقي من وراء اعترافاته المذهلة، يبقى ما كتبه شهادة ليس فقط على ما تمارسه قوات الغزو في بلد عانى طويلا ويلات الحروب والظلم والدكتاتورية، بل أيضا شهادة لصالح أهل العراق، بكونهم شعبا عزيز النفس أبيا يترجمون يوميا بمقاومتهم مقولة "العين ستتغلب المخرز، والدم سينتصر على السياف".

فالمؤلف ينهي كتابه بالحديث عن صعوبة تأقلمه النفسي مع وضعه بعد انتهاء خدمته العسكرية، ويضيف أنه عندما يصبح العراق دولة ديمقراطية فإن ذلك لن يكون بسبب أميركا، ولكن رغما عنها. والعراقيون لن ينسوا أن أميركا أسقطت صدام حسين، لكنهم لن يغفروا لها ما عقِب ذلك.

المصدر : الجزيرة

التعليقات