عرض/زياد منى
في الوقت الذي تتنافس فيه حكومات أوروبية على محاولة تبرئة ماضيها القبيح في الدول التي أخضعتها والادعاء بأنها مارست "مهمة تحضيرية" هناك، يأتي كتاب العالمة الاجتماعية الجزائرية مرنية الأزرق ليوضح أن تلك الممارسات القمعية كانت جزءا من نسيج عقدي وممارسة هدفها وقف انهيارها كنظام استعماري.

المؤلفة تتناول التعذيب الفرنسي للمقاومة الجزائرية إبان حرب التحرير بصفته جزءا من منظومة عقدية حاول مهندسوها عبرها الدفاع عن إمبراطورية استعمارية منهارة في مرحلة تحللها وانهيارها.

لذلك لم يكن التعذيب هناك عنفا جسديا مارسه بعض الجنود غير المنضبطين، وإنما جزء لا يتجزأ من عقيدة الإخضاع التي تجاوزت حدود الجزائر جغرافيا، والتي شكلت بدورها "حقل تجارب" للدولة المستعمِرة لمحاربة الحركات الثورية في أفريقيا وأميركا اللاتينية. ومراجعتنا هذه ستركز على هذا الجانب الأساس.

نظرية الحرب الثورية

-الكتاب: التعذيب وفجر الإمبراطورية الكاذب (من الجزائر إلى بغداد)
-المؤلف: مرنية الأزرق
-الصفحات: 236
-الناشر: دار نشر جامعة برنستن، برنستن/ أكسفورد، الولايات المتحدة الأميركية/ المملكة المتحدة
-الطبعة: الأولى/2008
تقول المؤلفة إن استخدام الجيش والشرطة الفرنسية التعذيب لم يكن رد فعل على "إرهاب" جبهة التحرير الوطنية، كما ادعيا، وإنما نتيجة مباشرة لنظرية "الحرب الثورية=التخريبية" التي طورها ضباط فرنسيون كبار في الخمسينيات في أعقاب هزيمة فرنسا في معركة ديان بيان فو في فيتنام.

فممارسة التعذيب لم يكن ممكنا من دون إطار نظري يسوغ تلك الوحشية، ومن دونه ما كان ممكنا تطبيق عقيدة "الحرب على الإرهاب" أو "على التخريب".

"الحرب الثورية" بنظر مطوريها "حرب ثورة" و"ثورة في علم الحروب" تزعم أنها حرب ثورية تخريبية ينفذها رجال عصابات أو جيوش شعبية (فيتنام والصين)، هدفها الاستيلاء على السلطة بمساعدة الشيوعية العالمية التي تسعى إلى القضاء على استقرار الديمقراطيات الغربية في المستعمرات، وذلك بالتضامن مع القوى القومية العربية أو الإسلامية، وهدفها تأسيس نظم دكتاتورية معادية للغرب "الديمقراطي".

فهاجس فرنسا الدائم كان، بحسب الكاتبة، التأثير الثوري الآتي من الخارج، أي من القاهرة والزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ما جعلها تركز دوما على ذلك عند صياغتها سياسته الاستعمارية في الجزائر، حيث رأت أنه يشكل الخطر الأكبر على وجودها الاستعماري هناك.

ومن ذلك المنطلق المصطنع، تشرعن النظرية وسائل مضادة عبر:
- البحث عن البنية السياسية للتنظيم الثوري وتدميرها.
- البحث والتدمير العسكري.
- جمع المعلومات.
- اتباع أساليب "مبتكرة" في الحرب النفسية. هذه الوسائل جميعها، تقول الكاتبة، تقود إلى التعذيب.

منطلق ذلك، وفق رأي المؤلفة، تاريخ فرنسا القريب عندما هُزمت شر هزيمة في العام 1870 فحاولت "رد الاعتبار" لذاتها عبر البحث عن مستعمرات جديدة، وأيضا استسلام فرنسا لألمانيا النازية وتعاون الفرنسيين الواسع مع الاحتلال الألماني النازي.

ولذلك فقد حاول الجيش الفرنسي استعادة هيبته عبر طرحه مجموعة من المنطلقات والتسويغات. فـ"نظرية الحرب الثورية"، التي يُعدِّها أصحابها "حربا بين الخير والشر"، طورتها مجموعة من العسكريين الفرنسيين المهزومين في الهند الصينية، ومنهم انتقلت إلى الأرجنتين والبرازيل والبرتغال والولايات المتحدة الأميركية.

في مواجهة "الحرب الثورية=التخريبية" طرحت فرنسا مقولات عديدة منها "تفوق الحضارة الفرنسية" التي تصور حروبها الاستعمارية على أنها دفاع عن مكونات الشخصية الفرنسية بما يعني فك الارتباط بين تلك الحروب والشعور الوطني الجزائري ضد الاستعمار، بهدف منع نمو أي شعور بالذنب تجاه التعذيب الذي تمارسه هناك.

وعندما تربط الهوية الشخصية بالأمة، يصبح خروج أي فرد عن ذلك "الشعور الجماعي" خيانة. وعلى هذا، فإن طرح "نظرية الحرب الثورية" هدفه تعبئة الشعب كله وراء تلك السياسة الاستعمارية وكسب موافقته على الممارسات الاستعمارية.

التعذيب بنية وهندسة اجتماعية

"
التعذيب ليس جلوس المحقق أو المعذِّب مع الضحية في غرفة مغلقة تحوي بعض الأجهزة، وإنما بيئة بنيوية ذات نسيج خاص بها، وترتيب لمعان ولمنطق لا يمكن من دونها إدراك الألم الجسدي والنفسي الذي يبقى من دون تأثير
"
تقول الكاتبة مرنية: لا تعد الصفعة تعذيبا إلا إذا مورست "جماعيا" ضمن بنية أو سياسة على نحو مستمر. فالتعذيب ليس جلوس المحقق أو المعذِّب مع الضحية في غرفة مغلقة تحوي بعض الأجهزة، وإنما بيئة بنيوية ذات نسيج خاص بها، وترتيب لمعان ولمنطق وبسط للأمور لا يمكن من دونها إدراك الألم الجسدي والنفسي الذي يبقى من دون تأثير.

اجتماعيا، تقوم الذاكرة والهوية والثقافة بنسج شبكة أفكار وتصورات وتجارب ومُثُل تعرِّف معركة بين حقيقتين: فرنسا المستعمِرة ذات القوة غير المحدودة والمتمرسة خلف أساطير نسجتها حول نفسها، والجزائر المستعمَرة المطالِبة بحصتها الكاملة في المجتمع الإنساني.

تحدد الكاتبة خمسة أشكال من التعذيب مارستها فرنسا في الجزائر وهي: التعذيب، والاغتصاب الجنسي، واختفاء الأفراد، وقتل من دون محاكمة، وممارسة عمليات انتقامية فردية وجماعية بحق أفراد وجماعات، والهدف هو الإرهاب.

وقد سوغ الاحتلال التعذيب اعتمادا على خرافات "خلل الشخصية الجزائرية" وغرور ذاتي يزعم بتفوق حضاري فرنسي.

ومن هذا المنطلق ترى المؤلفة عودة التعذيب كأداة من أدوات ممارسة الدولة للإرهاب في كل من الولايات المتحدة في العراق ومعتقل غوانتانامو.

عسكرة الإدارة الاستعمارية
ولأن العسكر هم قادة "الحرب الثورية المضادة"، أي مهاجمة قواعد الثوار، كان عليهم أن يسيطروا على الأجهزة السياسية لـ"يحرروا" أنفسهم من أي رقابة كانت، وبالتالي من أي مساءلة أو تحكم سياسي أو قضائي.

ولأن الهدف الرئيسي للجيش المستعمِر، والدولة المستعمِرة قبل ذلك، القضاء على المقاومة، فما كان يمكن الحصول على المعلومات من الثوار من دون تعذيب (الممنوع قانونيا).

ولأن المبدأ الرئيسي لـ"الحرب الثورية المضادة" ينطلق من وحدة السلطتين السياسية والعسكرية، فقد تمكن العسكر من الهيمنة على الدولة في الجزائر المستعمَرة، ومارسوا سياسة الهيمنة على أهلها اعتمادا على معلومات مستقاة من التعذيب، عبر إعلان حالة الطوارئ في الثالث من أبريل/نيسان 1955 وما تبع ذلك من قوانين منحتهم سلطات شبه مطلقة، قادت إلى قيام نظام إرهابي بامتياز تجلى في ممارسات: قتل من دون محاكمة، وعرض جثث المغدورين في الشوارع، والاختفاء، والعمليات الثأرية، وإعادة إسكان السكان في مناطق أخرى.. إلخ.

نظرية "الحرب الثورية المضادة"

"
نظرية "الحرب الثورية" وما نتج عنها من مزاعم، أضحت بنية "منطقية" ولدت من تجارب العسكر في الحروب الاستعمارية، هدفها إنقاذ آخر معاقل "الإمبراطورية" الآفلة
"
طور منظرو "الحرب الثورية" أطوارا نظرية تتلخص في:
- النشطاء يبدؤون في استخدام تناقضات المستعمرة الداخلية: الفقر، والبطالة، وانعدام المساواة السياسية.
- التنظيم وتأسيس الخلايا "الثورية".
- تأسيس المجموعات المسلحة غير النظامية.
- القتال يبدأ عندما تتمكن المجموعات القتالية من تحرير مناطق تستخدم قواعد انطلاق.
- الهدف هو القضاء على معنويات الجيش الاستعماري.

هذه الأطوار، برأي المنظرين العسكريين الفرنسيين، قادت إلى اختلاق مفهوم "الحرب الثورية المضادة" التي ستمارس مع السكان وضدهم.

وبذلك صار سكان المستعمرة، أي الجزائر، هدف "الحرب الثورية المضادة" والتي تعني "حرب عصابات مضادة" هدفها القضاء على إرادة السكان، أفرادا ونسيجا اجتماعيا، لقتال المستعمِر.

وهذا يجعل التعذيب سلاحا من أسلحتها. لذا أضحت نظرية "الحرب الثورية" وما نتج عنها من مزاعم بنية "منطقية" ولدت من تجارب العسكر في الحروب الاستعمارية هدفها إنقاذ آخر معاقل "الإمبراطورية" الآفلة.

الجانب النفسي والتمويه
توضح المؤلفة أن هدف الجانب النفسي من التعذيب تغيير نظام تفكير الشعب المستعمَر لضمان ولائه للمستعمِر. ولكن السلطات العسكرية الفرنسية مارست الحرب والنشاط النفسيين على القوات الفرنسية أيضا بهدف حضها على القتال.

"نظرية الحرب الثورية" هدفت إلى توثيق العلاقة بين الجيش والشعب، وبالتالي تماهي السكان والجنود مع الممارسات الاستعمارية التي ذكرناها.

ولذا فإن تقبل الجنود للتعذيب والعمليات الثأرية والقتل الجماعي والقتل من دون محاكمة والاغتصاب وممارسة ذلك، تم من منطلق التضامن مع القوات المسلحة الفرنسية والتماهي مع "الإمبراطورية" الاستعمارية.

مع انطلاق الثورة الجزائرية في نهاية العام 1956 صار التعذيب عملا احترافيا ومنهجية ومنظومة يمارسها المحتل تحت قيادة جنرالات. وللتمويه على تلك الممارسة ابتدعت مصطلحات ومفردات ولغة هدفها مساعدة المحققين في إحداث مسافة بينهم وبين ممارساتهم، منها:

- انتزاع: المقصود هنا التعذيب الجسدي وحتى تدمير الممتلكات.
- القساوة.
- أحداث الجزائر.
- المتمردون.
- طرق ووسائل إكراهية.
- طرق مميزة للمخابرات.
- استجواب فعّال.

الكنيسة الكاثوليكية واليمين "المسيحي" والتعذيب
الكنيسة الكاثوليكية أيضا طورت مفرداتها الخاصة بها للتمويه على التعذيب ومن ذلك: أساليب لا تحترم الآخر، وأساليب سيئة.. إلخ.

"
اليمين "المسيحي" وظف ما توفر له من لغة ومفردات لتسويغ التعذيب من منظور خلقي، والتي لا يمكن فهمها إلا ضمن إطار الإرث الاستعماري المتعالي والمتغطرس للكنيسة
"
كما أنها أطلقت على الثورة الجزائرية (حرب الجزائر) اسم "حرب كل القديسين" لأنها انطلقت في غرة أكتوبر/تشرين الثاني الذي يناسب العيد الكاثوليكي.

وقد أشاع المستعمِر أن سبب اختيار ذلك اليوم لإطلاقها توافقه مع المولد النبوي الشريف. هذا التقليد الكنسي الكاثوليكي كان استمرارا لاحتفائها باحتلال الجزائر في يوليو/تموز 1830 حيث احتفل أسقف روما (البابا عند الطائفة الكاثوليكية) بعد الغزو بأيام بانبعاث "الكنيسة الأفريقية"، أي البيزنطية/الرومانية. والبعد العقدي للغزو يتجلى في أن أول عمل قامت به قوات الغزو كان تحويل جامعها الكبير الواقع في القصبة إلى كنيسة.

ومع أن الكنيسة الكاثوليكية لم تتخذ موقفا واضحا مؤيدا للتعذيب، فإنها لم تعاد الاستعمار من ناحية المبدأ.

أما اليمين "المسيحي" فقد وظف ما توفر له من لغة ومفردات لتسويغ التعذيب من منظور خلقي، والتي لا يمكن فهمها إلا ضمن إطار الإرث الاستعماري المتعالي والمتغطرس للكنيسة.

القوى "العلمانية" المؤيدة للتعذيب أطلقت مواقفها من منظور "الغاية تبرر الوسيلة" ما يعني، تبعا، أن ارتكاب جريمة ما ليس أمرا مسموحا به فحسب وإنما واجب أيضا.

وقد خصصت المؤلفة فصلا خاصا لتحليل مواقف كل من جان بول سارتر وفرانتس فانون وألبير كامو من "حرب الجزائر".

النساء والتعذيب
تركيز المستعمر الفرنسي على النساء كان لمواجهة نجاح الجبهة في التأثير إيجابيا في الحياة العائلية. مثلا، أجبرت سلطات الاحتلال الفرنسي عبر الإرهاب والتهديد نساء جزائريات على المشاركة في "حفلات" عامة لنزع الحجاب، مع أن معظمهن لم يكن يرتدينه أصلا.

وأهداف نزع الحجاب تعرية المجتمع الذي احتضن جبهة التحرير الوطني، و"إزالة التباين" بين فرنسا والجزائر، ما ظُن أنه سيجعل الشعب الجزائري يرتبط بفرنسا.

"
المستعمِر استخدم التعذيب بحق النساء الجزائريات وفي مقدمة ذلك الاغتصاب الجنسي، ليس كأحد أساليب "العقاب" أو "انتزاع المعلومات" وإنما كإستراتيجية عسكرية هدفها منع انهيار سيطرته الاستعمارية
"
المستعمِر استخدم التعذيب بحق النساء الجزائريات وفي مقدمة ذلك الاغتصاب الجنسي، ليس كأحد أساليب "العقاب" أو "انتزاع المعلومات" وإنما كإستراتيجية عسكرية هدفها منع انهيار سيطرته الاستعمارية.

فالاغتصاب كان عملية روتينية تمارسها القوات الفرنسية التي أدركت أن هدم القرى وتشريد أهلها، واضطرار الرجال المعيلين لمغادرتها، يهدم النسيج الاجتماعي ما اضطر النساء بالتالي لممارسة الدعارة لإعالة أنفسهن وأطفالهن.

التاريخ يعيد نفسه ولا من يتعلم
هذا البحث الاجتماعي الأنثروبولوجي يبين أن ممارسة فرنسا التعذيب في الجزائر لم يكن ظاهرة وإنما أحد مكونات الفكر العقدي الاستعماري.

والأمر ذاته يتكرر اليوم من بغداد إلى غوانتانامو، مع أن الأحداث والتطورات التاريخية أثبتت خطأ ادعاء أن ممارسة التعذيب، أيا كان شكله، ينقذ أرواحا أو يغير من مسار التطور التاريخي للإنسانية الساعية للتحرر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك