عرض/كمال حبيب
يرى مؤلف الكتاب الذي يملك جسارة في التحليل الإستراتيجي أن غزو أميركا الفاشل للعراق عام 2003 سوف يغير وجه المنطقة برمتها، فالشرق الأوسط القديم يلفظ أنفاسه الأخيرة الآن، وهذا سيقود إلى نوع من التغيير الواسع الذي تصحبه فوضى تعيد تشكيل المشهد الإستراتيجي بأكمله في العالم.

يتضمن الكتاب تسعة فصول تتكامل فيما بينها لتقول إن سوء إدراك المحافظين الجدد لقوة الإمبراطورية الأميركية قاد إلى تراجع هيبة أميركا وسمعتها، وإن العراق كان هو الميدان الذي كشف عن غرور وعجز وسوء إدارة القوة العظمى لسياستها الخارجية بدرجة أقسى مما فعلته نتائج الحرب الفيتنامية.

عناوين الفصول التسعة هي "قلب الفوضى" و"لماذا العراق؟" و"الخطر الذي يهدد النظام القديم" و"مستقبل العراق" و"عربة الإرهاب" و"القنبلة الإيرانية المزعومة" و"ليس الهلال الشيعي بل المحاربون السلفيون" و"معضلة إسرائيل" و"لملمة الأجزاء".

- الكتاب: الفوضى التي نظموها
- المؤلف: جوين دايار
- المترجم: بسام شيحا
- الصفحات: 222
- الناشر: الدار العربية للعلوم، بيروت
- الطبعة: الأولى/2008

قلب الفوضى
السلوك الأميركي الوحشي في العراق هو الذي ولد حركة المقاومة، والفساد المالي وسوء الإدارة وتشجيع الطائفية هو الذي فجر الفوضى التي لم يعد ممكنا التحكم فيها.

ففي رواية لأحد جنود مشاة البحرية في مايو/أيار 2003 "كان العراقيون يروننا نحقر قتلاهم دائما، كنا نعبث بجثثهم المتفحمة فنرفسها بأرجلنا لكي نخرجها من السيارات ونضع السجائر في أفواه الجثث، ورأيت سيارات تسير فوق الجثث، وكنا نفتش جيوب الموتى العراقيين بهدف جمع المعلومات، لكنني شاهدت مرارا مشاة البحرية يسرقون السلاسل الذهبية والساعات والمحافظ المليئة بالنقود".

ويشير المؤلف إلى أن وضع العراقيين اليوم أسوأ بكثير مما كانوا عليه في عهد صدام حسين لتدهور أوضاع البنية التحتية وإهمالها، فبغداد كانت تتلقى ما معدله أقل من ست ساعات من الكهرباء يوميا في مطلع العام الماضي، كما أن البلاد شهدت واحدة من أكبر عمليات السرقة في التاريخ في ظل سلطة الاحتلال.

ففي السنة الأولى كانت الأموال التي نهبت أكبر مما تمكن موبوتو سيسي سيكو من سرقته خلال 32 عاما من حكم الكونغو، أما انتخابات 2005 التي صورتها وسائل الإعلام الغربية على أنها انتصار للديمقراطية فلم تكن إلا تحويلا لكل المناشط السياسية إلى نوع من الطائفية والعرقية.

ويرى المؤلف أن السياسة الأميركية في التصدي للمشكلة العراقية العويصة لديها أولويات ثلاث هي الدفع بشكل متواصل من أجل مشاركة أكبر من جانب العرب السنة، وإبقاء النفوذ الإيراني في حدوده الدنيا، وضمان عدم وجود مطالبة شعبية بجدول زمني للانسحاب من العراق.

ويجادل المؤلف في أنه لا مناص من الانسحاب الأميركي من العراق وأن المناكفات للبقاء هناك نوع من عدْو الدجاج بعد الذبح "حلاوة روح".

وبناء على تقديره فهو يرى أن الوقت الأرجح لإعلان انسحاب شامل للقوات الأميركية من العراق سيكون بعد عشر دقائق من حفل تولية الرئيس القادم لأميركا سواء أكان جمهوريا أم ديمقراطيا.

"
الحرب على إيران سيكون الرابح الحقيقي فيها هم المتطرفون على الجانبين الشيعي والسني في الحرب الأهلية العراقية.. وستقود إلى تغيير الواقع السياسي والإستراتيجي في كل مكان من العالم
"
نهاية الأقزام
يذكر المؤلف أن غزو العراق كان تعبيرا عن رؤية أيديولوجية لمجموعة من الأقزام سيطروا على السياسة الدفاعية والخارجية والأمنية للولايات المتحدة الأميركية، وكانت تسعى لتوجيه رسالة إلى العالم بأن أميركا هي القوة العظمى في العالم بجعل دولة أمثولة لتأكيد ذلك.

ومن هنا كانت مطالبة مجموعة المحافظين الجدد بغزو العراق منذ عام 1998، وهذه المجموعة هي التي أسست المشروع الذي عرف باسم "قرن أميركي جديد"، وهي التي لفّقت المعلومات الاستخبارية بعد 11/9 لتبرير غزو العراق المنتظر منذ فترة طويلة.

ويناقش المؤلف من منظور إستراتيجي كيف أن من خطط لغزو العراق، ويفكر اليوم في غزو إيران يواجه خطرا يهدد "النظام القديم" الذي مثل إطارا مرجعيا لتفكيره، فحرب العراق هي حرب عصابات ضد احتلال أجنبي وهذه الحروب تنتهي عادة بعد اعتراف الغرباء بالهزيمة والعودة إلى ديارهم.

والتهديد بحرب إيران هو في الحقيقة ورقة طائشة لأنها كما يقتبس من بريجنسكي ستعني نهاية الدور الأميركي في العالم، لأن الهجوم على بلد إسلامي ثالث معناه بلا ريب، تدبير مدفوع بحقد دفين على الإسلام نفسه.

والحرب على إيران سيكون الرابح الحقيقي فيها المتطرفون على الجانبين الشيعي والسني في الحرب الأهلية العراقية، كما أنها ستطلق الوحش الإيراني من عقاله كما يقتبس من بشار الفيضي المتحدث باسم هيئة علماء السنة "إن لم تأت الدول العربية لنجدتنا فإنها ستجد إيران على بواباتها.. يجب القضاء على الوحش في العراق".

وفي النهاية ستقود تلك الحرب إلى تغيير الواقع السياسي والإستراتيجي في كل مكان من العالم، وكما يقول ديفد هيرست "سينهار كامل النظام السياسي في الشرق الأوسط".

مستقبل العراق
وجود القوات الأميركية هو العامل الأكبر في دفع العراقيين للتقاتل، وهو يجعل الحكومة غير شرعية في عيون المواطنين ومن ثم فإن رحيلها هو السبيل لتغيير الأوضاع في المستقبل.

فاستطلاعات الرأي في العراق تشير إلى أن 92% من العرب السنة و62% من العرب الشيعة يؤيدون الهجمات التي تستهدف قوات الاحتلال.

واستعراض المؤلف للسيناريوهات المختلفة للمستقبل يجعله يميل إلى احتمال تصاعد تأثير القوى المتطرفة في السياسة العراقية سواء على الجانب الشيعي (مقتدى الصدر) أو على الجانب السني (المقاتلين السلفيين في غرب العراق)، وهو ما يعني من وجهة نظره أن يصبح العراق أحد مصادر التهديد على النظم السياسية المحيطة به، وهذا أحد تجليات الفوضى المنظمة التي يرصدها عن كثب وبعمق.

"
على النظم العربية الاستجابة لخيار الشعوب الديمقراطي بمجيء إسلاميين معتدلين إلى السلطة باعتباره خيارا أقل سوءا من الثورة التي قد تأتي بإسلاميين متشددين
"
عربة الإرهاب والمحاربون السلفيون
يفكك المؤلف مقولة "الحرب العالمية على الإرهاب" التي تتبناها الإدارة الأميركية، ويرى أنها كالعربة التي يريد الجميع ركوبها.

ويسخر من عبارة الرئيس الأميركي التي تقول "أمن أميركا يعتمد على نتيجة المعركة في شوارع بغداد"، بدلا من القول "أمن أميركا يعتمد على سياسة خارجية لا تثير الغضب والكره في نفوس الناس بالخارج".

هناك قالب واحد يحكم الفكر الأميركي مع استبدال المقولات، فاليوم الحديث عن خطر الإرهاب الإسلامي، ومن قبل كان الحديث عن الخطر الشيوعي في فيتنام، بيد أن الإحصائيات الدقيقة تؤكد أن الأعوام التي تلت عام 2001 كانت أقل بمقدار الثلث في عدد ضحايا العمليات الإرهابية عن الثمانينيات رغم عمليات بالي ومدريد.

ويشير الكاتب إلى أن الإستراتيجية الأميركية في الحرب على الإرهاب وقعت في فخ الاستجابة لإستراتيجية القاعدة التي تتمثل في "ادفع خصمك الذي يفوقك قوة إلى القيام بأشياء تخدم أهدافك السياسية"، ومن ثم فإن غزو أفغانستان والعراق مثل مغناطيسا للمجاهدين.

وينازع المؤلف في أن الخطر الذي يهدد النظام العربي ليس هو الهلال الشيعي، وإنما المحاربون السلفيون الذين يتعاظم تأثيرهم بقوة في سوريا ومنطقة الخليج وعموم العالم العربي بفعل المآثر التي تتركها المقاومة العراقية السنية في مواجهة الاحتلال الأميركي.

ورغم رؤيته أن سيطرة الصحوة الدينية على المشهد السياسي في العالم العربي ستخبو بعد خمسين أو مائة عام فإن الكاتب يدعو النظم العربية إلى الاستجابة لخيار الشعوب الديمقراطي بمجيء إسلاميين معتدلين إلى السلطة باعتباره خيارا أقل سوءا من الثورة التي قد تأتي بإسلاميين متشددين.

قنبلة إيران النووية ومعضلة إسرائيل
ويمضي المؤلف عبر أسلوبه التفكيكي النقدي موضحا أن توقع قرب امتلاك إيران للأسلحة النووية صناعة إسرائيلية قديمة، ومن ثم فهي مزاعم عارية عن الحقيقة.

ويشير إلى أن سعي إيران للحصول على التكنولوجيا النووية كان استجابة للاختبار النووي الباكستاني عام 1998، ويبين أن هناك 40 دولة موقعة على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية لديها التكنولوجيا التي تسعى إيران للحصول عليها.

ولكن إسرائيل تريد أن يبقى الردع في الشرق الأوسط باتجاه واحد، فموشيه سنيه أحد إستراتيجيي إسرائيل البارزين يقول "لا أريد أن تجري المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية تحت مظلة قنبلة نووية إيرانية".

"
الصراع على فلسطين يتجه إلى رفض حل الدولتين الذي ساد في التسعينيات، لأن شعوب المنطقة تتجه إلى عالم الطموحات الجامحة والمطالب غير القابلة للتفاوض وربما الحرب الإقليمية
"
ويوضح أن النتيجة السلبية لامتلاك إيران أسلحة نووية تتمثل في دفع الدول العربية الكبرى والصغرى لامتلاكها، مما يثير رعب إسرائيل، كما يلفت إلى أن النتيجة الإستراتيجية الرئيسية للغزو الأميركي للعراق هي جعل إيران قوة إقليمية كبرى.

وتفكير أميركا في مهاجمة إيران، رغم استبعاده جزء من محاولة تقليص تلك القوة البازغة، بيد أن النصيحة الأفضل للإدارة الأميركية هي عدم القيام بأي شيء تجاهها حتى لا يفلت الملالي من مسؤولية الكارثة الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

أما عن معضلة إسرائيل فالمؤلف يشير إلى أن الصراع على فلسطين يتجه إلى رفض حل الدولتين الذي ساد في التسعينيات، لأن شعوب المنطقة تتجه إلى عالم الطموحات الجامحة والمطالب غير القابلة للتفاوض وربما الحرب الإقليمية.

والفلسطينيون اختاروا هذا الطريق بدافع من اليأس، أما إسرائيل فاختارته على أساس أخطاء فادحة في حسابات قدرتها على السيطرة على المنطقة بأكملها من الناحية الإستراتيجية على المدى الطويل.

ولكن احتكار إسرائيل للسلاح النووي لن يدوم، وتفوقها العسكري التقليدي الساحق هزته حرب لبنان عام 2006، وتلقيها للدعم غير المحدود من القوة العظمى قد يتعرض للخطر إذا بدأ الشعب الأميركي يشعر بأن جنوده يموتون من أجل خدمة إسرائيل.

لملمة الأجزاء
ينهي المؤلف الأميركي جوين دايار كتابه بهذه الخاتمة التي تعكس حال قوة عظمى فقدت سمعتها وهيبتها في العالم وصارت كما وصفها أحد المسؤولين الكبار في وزارة الخارجية اليابانية مثل طفل في الثانية عشرة من عمره يحمل بندقية، فهو يمثل خطرا ولكنه ليس جديا.

لم تعد القوة الأميركية كما كان يعتقد العالم قبل ارتكابها حماقات غزو أفغانستان والعراق، أو إعلانها الحرب المقدسة على الإرهاب، فأميركا لم تعد فقط قوة عظمى غير متوازنة بل عاجزة أيضا على نحو خطير.

ومن ثم عليها الانسحاب من العراق وأفغانستان والانصراف عن التفكير في غزو إيران كي لا تفقد مكانتها وموقعها في العالم.

نحن أمام كتاب جمع بين الرؤية الإستراتيجية والاستشرافية العميقة التي ركزت على مظاهر التغيير القلق والمخيف في منطقتنا العربية بعد احتلال أميركا للعراق الذي يمثل فصلا هاما من فصول التحول في سياسات العالم وأقداره وخرائطه وموازينه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك