عرض/زياد منى
مؤلفا الكتاب هما جوزف شتغلتز ولندا بلمز. فأما الأول فهو خبير اقتصادي معروف على الصعيد العالمي، مارس عمله في مناصب رسمية عديدة في إدارة بيل كلينتون حيث شغل منصب مستشاره الرئيسي للشؤون الاقتصادية، وقبلها كان اقتصاديا في البنك الدولي.

وتغطي سيرته العلمية 52 صفحة، والأكثر أهمية فيها حصوله على جائزة نوبل للاقتصاد عام 2001 مع زميلين له، عن بحثه في موضوع "أسواق ذات معلومات لا متناسقة".

وأما لندا بلمز فهي محاضرة في هارفارد، وهي متخصصة في مجال الاقتصاد، وعملت مثل زميلها في إدارة الرئيس الأميركي بيل كلينتون، وتكتب حاليا في عدة صحف أميركية وبريطانية.

- الكتاب: حرب الثلاثة تريليونات دولار
- المؤلف: جوزِف شتغلتز ولِندا بلمز
- الصفحات: 312
- الناشر: ألن لين/ بنغوين، بريطانيا
- الطبعة: الأولى/2008

الموضوع
عنوان المؤلف الصادر حديثا يدل على محتواه: فالمؤلفان يحسبان من منظور اقتصادي بحت مسألة الكلفة الحقيقية لحرب العراق وأفغانستان، بعيدا عن التقديرات والأرقام التي تقدمها الإدارة الأميركية ومؤسساتها المتخصصة، العسكرية والمدنية.

ولذا نجد أن الكتاب لا يتعامل مع الأرقام فحسب، بل يسترسل في شرح منطلقه النظري الاقتصادي لحساب الكلفة التي طرحها، كما أنه يناقش منطلقات إدارة بوش الحسابية ليظهر ما فيها من أغلاط وعلل.

ولأن المؤلفين يعلنان معارضتهما للحرب أصلا، فإنهما يدركان أثر ذلك في نفوس القراء وفي التأثير السلبي الذي قد يتركه تحليلهما في ذهن القراء، وإمكانية استخدام معارضيهما ومؤيدي الحرب تلك المعارضة للتشكيك في أدائهما العلمي، وفي ما وصلا إليه من نتائج.

وردا على ربط تقديراتهما بموقفهما من الحرب، يقول المؤلفان إن المسألة الأساس هي ضرورة أن يعرف الناخب الأميركي الكلفة الحقيقية للحرب.

أما عن تجاهل الكتاب "فوائد الحرب" فإنه يصرح بأن الموضوع الرئيس هو الكلفة لأنه يمكن قياسها بدقة ويسأل: كيف يمكن قياس فائدة سقوط صدام حسين؟

وفي نظرهما الرابح من الحرب هو صناعة النفط وصناعة الأسلحة فقط لا غير، إذ ارتفعت قيمة أسهم شركة هيلبرتن بمقدار 229% وجنرال داينمِك 134% ورايتون 117% ولوكهيد 105% ونورثروب 78%.

العمل كله يعتمد على ورقة قدمها المؤلفان في يناير/كانون الثاني عام 2006 حين قدرا كلفة الحرب بألف إلى ألفي مليار دولار.

المنطلق
يذكر المؤلف القراء بأن عدد قتلى القوات الأميركية في العمليات العسكرية المباشرة بلغ نحو 4000 قتيل و58000 جريح، بينما بلغ العدد في أفغانستان 7300 قتيل وجريح.

كما ينوه بأن مائة ألف جندي عادوا من الحرب يعانون أمراضا نفسية وعصبية جدية.

أما من المنظور العراقي الشعبي، فإن وضع البلاد حاليا أسوأ مما كان عليه في العهد السابق.

الأرقام المجردة وعدم جدوى الحرب
وليظهر مدى هول الحرب على الاقتصاد الأميركي، يشير الكتاب إلى أن "حرب الكويت" خاضها 700 ألف جندي، واستمرت أقل من شهرين، وغطت تكاليفها كل من السعودية والكويت، وأدت إلى مقتل 148 جنديا أميركيا و467 جريحا في المعارك العسكرية.

ومع ذلك فإن الولايات المتحدة الأميركية مضطرة لدفع تعويضات لأكثر من 200 ألف جندي متضرر كلفت الخزينة الأميركية ودافعي الضرائب إلى الآن 50 مليار دولار لا تتضمن كلفة الرعاية الصحية للمصابين، ولا الأبحاث عن "أعراض حرب الخليج" التي سينتج عنها 40 ألف إعاقة، وفقدان 100 ألف شخص دخلهم، وما إلى ذلك.

"
كلفة الحرب لو استخدمت لأغراض التعليم والتكنولوجيا والأبحاث لكانت الولايات المتحدة أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، بينما هي اليوم أضعف مما كانت عليه في ذلك الوقت
"
المؤلف لا يناقش هل بإمكان الخزينة الأميركية تحمل تلك المصاريف، وإنما ما كان يمكن إنجازه، مدنيا وأهليا، بمبلغ ثلاثة آلاف مليار دولار، ومن ذلك كان يمكن:
- بناء ثمانية ملايين وحدة سكنية.
- تشغيل 15 مليون أستاذ إضافي في المدارس.
- رعاية 530 مليون طفل صحيا.
- تقديم منح لـ43 مليون طالب لمدة أربع سنوات.

ويرى الكتاب أن كلفة الحرب وفق تقديره، وهو يشدد دوما على أنه تقدير محافظ جدا، لو استخدمت لأغراض التعليم والتكنولوجيا والأبحاث، لكانت الولايات المتحدة أقوى مما كانت عليه قبل الحرب، عكس ما هي عليه إذ يرى أنها أضعف الآن.

كما كان بإمكانها صرف جزء زهيد من هذا المبلغ لمساعدة الدول الفقيرة في أفريقيا مثلا، خاصة أن مجموع ما تعهدت به أميركا في هذا المجال هو خمسة مليارات دولار، وهي تقل عن كلفة الحرب لمدة عشرة أيام، إضافة إلى أن القضاء على الأمية في العالم كان سيكلف ثمانية مليارات.

ويمكن استخدام هذا المبلغ لتخفيض الضرائب حيث انخفض متوسط دخل الفرد الأميركي حاليا عما كان عليه في عام 1999.

أما مجمل المساعدات التي قدمت للعراق، ومعظمها ذهب سدى كما يتضح في أقسام أخرى من الكتاب، ولأغراض عسكرية لا مدينة، فقد بلغ نحو 19 مليار دولار، وهو ثلاثة أضعاف ما قدم لأوروبا ضمن خطة مارشال.

المنهجية
صرح المؤلفان بأنهما اقتربا من الموضوع كعالميْ اجتماع ودخلا في دراسة اقتصاد القطاع العام وحاولا معرفة آلية عمل الحكومة، متجنبيْن المقاربة الأكاديمية، وملتزميْن بالمقاربة العملية.

وقد اكتشفا منظومة من الأغلاط التي ارتكبتها الإدارة لسنوات طويلة، وعلماء الاجتماع يحاولون فهم مصادر منظومة الأغلاط، والبحث عن إصلاحات تساهم في التقليل من إمكان حدوثها مستقبلا، إضافة إلى التلطيف من نتائجها السلبية.

ومن خلال دراستهما هذه وجدا أن حرب العراق شكلت موضوعا مثاليا لدراستهما الأصلية.

"
الوضع في العراق اليوم أسوأ مما كان عليه في أيام صدام حسين، على بؤس تلك الأحوال وعلى ما لحق بالبلاد من دمار في حروب سابقة
"
كلفة الحرب أميركيا ومنهجية حسابها
للوصول إلى رقم تقديري قريب من الدقة، ولكنه محافظ في الوقت نفسه، اتبع المؤلفان خطوات عشر للحساب:

* كلفة العمليات العسكرية
* مصاريف عملياتية
* ضبط الكلفة لتناسب مقدار التضخم
* كلفة عمليات مستقبلية

* إضافة كلفة حالية ومستقبلية للمعاقين وللرعاية الصحية
* إعادة بناء الجيش الأميركي
* مصاريف وزارات أخرى غير مرتبطة بالدفاع
* الفوائد على القروض

* تقدير تأثير كلفة الحرب في الاقتصاد الوطني
* تقديرات كلفة الاقتصاد الإجمالي (ماكروإكونوميكس)، الناتج عن تحويل أموال من البناء للحرب

هذه المقاربة أوصلتهما إلى حقيقة أن الوضع في العراق اليوم أسوأ مما كان عليه في أيام صدام حسين، على بؤس تلك الأحوال وعلى ما لحق بالبلاد من دمار في حروب سابقة.

ومن ضمن المآخذ على حسابات الإدارة الأميركية للحرب تجاهلها النقاط الآتي ذكرها:
- كلفة التأمينات وتعويضات القتلى
- قتلى في غير المعارك لا يذكرون ضمن الإحصاءات الرسمية
- مرضى الحرب لا يتم حسابهم
- الإدارة تحسب الكلفة الحالية ولا تأخذ في الحسبان المصاريف المستقبلية

- ارتفاع أسعار النفط من 25 إلى 100 دولار للبرميل
- تكاليف حرب مخفية في الإنفاق الدفاعي
- تكاليف إضافية لفروع أخرى من الإدارة: السكن والزراعة والتأمينات للمرتزقة المتعاقدين.. إلخ.

- تكاليف الاستدانة والفوائد على القروض
- فقدان القدرة الإنتاجية
- مصاريف الأجهزة المحلية: مثلا اضطرار شخص ما للاستقالة من عمله لرعاية معاق قريب
- القيمة الاقتصادية للموت

- الكلفة الاقتصادية للمصابين بجروح بليغة، غير التعويضات التي تدفع لهم
- تجاهل كلفة الرعاية النفسية للمتضررين
- كلفة فقدان مستوى معيشة محدد
- الضغوط النفسية والمادية على عائلات المحاربين القدماء
- التأثير السلبي في أسواق الأسهم والعملات

- انهيار سمعة أميركا في العالم
- تحول العراق إلى مستقر للقاعدة ولتنظيمات "أصولية" أخرى
وما إلى ذلك من مصروفات غير منظورة وغير محسوبة

الخسائر العراقية ونتائجها
المؤلف ينفي صحة ادعاء الرئيس بوش بأن "المهمة تم تحقيقها" لأنها، وفق تحديد الأخير، إقامة نظام ديمقراطي في العراق وكل "الشرق الأوسط".

وإضافة إلى خسائر الولايات المتحدة الهائلة التي قدرها المؤلف بمبلغ "ثلاثة آلاف مليار دولار"، فإنه شرح خسائر العراق على النحو الآتي:
- لم يحصل أي تقدم سياسي في العراق
- تعاظمت كراهية شعوب المنطقة للولايات المتحدة الأميركية

- ضعفت أميركا وازدادت قوة إيران التي كانت تريد إضعافها وكذلك "المنظمات الإرهابية" التي أعلنت أن هدفها القضاء عليها
- 70% من العراقيين يريدون انسحابا أميركيا

- عدد القتلى المدنيين العراقيين نحو 700 ألف روح، يضاف إليهم القتلى والمصابون من الجيش العراقي الذي يحارب إلى جانب القوات الأميركية والذي يبلغ نحو 30 ألف فرد.

- مليونا لاجئ خارج العراق ومليونا مهجر في الداخل، وفق أرقام علاوي
- كلفة إعادة البناء

- انتشار الكوليرا في البلاد بأعداد تساوي كل مصابي قارة آسيا.

"
انسحاب القوات الأميركية من العراق ضرورة ولها فوائد تفوق بكثير أي إيجابيات يمكن أن تنتج عن بقائها
"

الكتاب يحوي أرقاما وإحصاءات كثيرة موزعة على ثمانية فصول وملاحق عديدة أثريت بعدد من الجداول، لا يمكن حصرها في هذا العرض المختصر.

ويخلص المؤلفان إلى نتيجة تؤكد ضرورة انسحاب القوات الأميركية من العراق، ويبينان أن فوائد ذلك تفوق بكثير أي إيجابيات مزعومة لبقائها.

ولأنهما مقتنعان بأن بلادهما ستخوض حروبا في المستقبل فإنهما يدعوان إلى أخذ دراستهما في الاعتبار لتفادي الأهوال الحالية.

ملاحظات أخيرة
مع أن المؤلفين أعلنا معارضتهما للحرب فإنهما لم يطلقا عليها مصطلح "عدوان"، وهي الكلمة القانونية الصحيحة، كما أنهما لم يقفا على نحو مبدئي ضد أي حرب ستخوضها بلادهما مستقبلا، وإن طالباها بالانصياع لقرارات مجلس الأمن الذي تتحكم فيه القوى العظمى على أي حال.

وتبقى نقاط مهمة أغفل المؤلفان ذكرها أو ربما غابت عنهما، ومن ذلك كلفة الحرب على الدول المجاورة، وعلى نحو خاص سوريا والأردن اللتين استقبلتا اللاجئين العراقيين وعاملتهم معاملة مواطنيها من ناحية الدراسة والعمل والإقامة (في سوريا)، مما سبب مشاكل اقتصادية وارتفاعا في أسعار إيجار البيوت.. إلخ.

كما أهمل المؤلفان الإشارة إلى النتائج الكارثية على فلسطينيي العراق الذين اضطروا لمغادرة بيوتهم تحت طائلة التهديد والملاحقة، والذين هاجر قسم منهم إلى البرازيل حين لم تقبل بهم أي دولة عربية.

وعلى نحو عام، يبدو لنا أن هذا الكتاب موجه للرأي العام الأميركي كجزء من الحملة الانتخابية الرئاسية للحزب الديمقراطي ضد الحزب الجمهوري إذ لم يمس إطلاقا بأسس السياسة الخارجية الأميركية ومطامعها في الهيمنة على العالم.

وإذ شدد المؤلفان على مسؤولية بلادهما عن الكوارث التي لحقت بالعراق جراء الغزو، فإنهما لم يطالباها بتعويض الشعب العراقي وبلاده عما لحق بهم من دمار بسبب ذلك، وهي مسؤولية تقع على عاتق كل الدول التي شاركت في الغزو، وأيضا تلك التي انطلقت منها القوات الغازية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك