عرض/علاء بيومي
يتميز التقرير الراهن الصادر عن مركز كارنيغي لأبحاث السلام الدولي في واشنطن بمزايا هامة ترشحه لأن يكون موضع جدل سياسي أميركي وعربي على حد سواء.

-الكتاب: الشرق الأوسط الجديد
-المؤلفون: ماريا أتاواي، ناثان براون، عمرو حمزاوي، كريم سادجدبور، بول سالم
-الصفحات: 41
-الناشر: مركز كارنيغي للسلام الدولي، واشنطن
-الطبعة: الأولى/مارس, 2008
فالتقرير يقدم تلخيصا متميزا وشاملا لسياسات الإدارة الأميركية تجاه الشرق الأوسط في عهد الرئيس جورج دبليو بوش، تلخيص يتحلى بقدر كبير من الحرفية التي تجمع بين الاختصار والدقة وطرح أفكار كبرى وجريئة في آن واحد.

ولا ينسى التقرير أن يجمع بين تلخيص واقع المنطقة المرتبط بالسياسات الأميركية وتقديم توصيات سياسية للساسة الأميركيين.

وتكتسب توصيات التقرير أهمية إضافية لأنها تتميز بقدر كبير من سعة الطرح ووضوح الرؤية التي لا تخلو من واقعية مثيرة للجدل, وذلك في وقت تبحث فيه الولايات المتحدة عموما والساسة الديمقراطيون خصوصا عن رؤى سياسية بديلة لسياسة الرئيس جورج دبليو بوش الكارثية في المنطقة.

إستراتيجية بوش الصدامية
يدور التقرير بشكل مركزي حول رفضه لسياسات الرئيس بوش، والتي جمعت بين مقاومات فشل خطيرة وعديدة يتناولها التقرير بشكل مفصل بين صفحاته.

فالتقرير ينطلق من مساعي بوش لإنشاء شرق أوسط جديد بداية من عام 2002، وهي مساع توجت بحرب العراق وبسياسة تغيير النظم ونشر الديمقراطية التي تبنتها إدارة بوش، وبحرب إسرائيل على لبنان في صيف عام 2006 والتي وصفتها وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس بأنها بمثابة أوجاع المخاض السابقة لميلاد الشرق الأوسط الجديد.

ويقول مؤلفو التقرير إن نبوءة بوش صدقت وفشلت في آن واحد، وذلك لأن الشرق الأوسط اليوم أصبح مختلفا إلى حد كبير عن الشرق الأوسط في بداية عهد بوش، مما يعني أن بوش نجح نسبيا في تحقيق هدفه، ولكن الشرق الأوسط الجديد أسوأ بكثير من الشرق الأوسط القديم بفعل سياسات بوش كما يوضح مؤلفو التقرير.

"
نبوءة بوش صدقت وفشلت في آن واحد، وذلك لأن الشرق الأوسط اليوم أصبح مختلفا إلى حد كبير عن الشرق الأوسط في بداية عهد بوش، مما يعني أن بوش نجح نسبيا في تحقيق هدفه، ولكن الشرق الأوسط الجديد أسوأ بكثير من الشرق الأوسط القديم
"
وهنا يمتلك التقرير جرأة ملحوظة في نقد سياسات بوش، حيث يقول إن سياسات بوش والتي قادت لتدهور الشرق الأوسط تميزت بقدر كبير من الأخطاء الملفتة للنظر، فالرئيس وإدارته لم يمتلكوا -في كثير من الأحيان- معرفة كافية بما يدور في الشرق الأوسط أو بالبلدان التي يسعون للتعامل معها، مما أدى لارتكابهم أخطاء جسيمة في التعامل مع دولة كالعراق.

كما أن الإدارة تتفنن في إطلاق إستراتيجيات تسميها بالكبيرة وتعطيها أسماء رنانة، ولكنها لا تحتوي على مضمون حقيقي أو حتى رؤية واضحة لسبل تحقيق أهدافها، كما هو الحال في إستراتيجيات نشر الديمقراطية بالشرق الأوسط، والتي شهدت خروج بوش على الملأ في أكثر من مناسبة لإعلان مبادرات وإستراتيجيات ومبادئ رنانة لا تسفر عن شيء في النهاية، مما أدى إلى إحراج أميركا ومسانديها على حد سواء.

أضف إلى ذلك إلى أن الإدارة جرأت على تبني سياسات متخبطة وقصيرة النظر، ففي العراق على سبيل المثال تبدو أميركا في كثير من الأحيان –كما يذكر التقرير– فاقدة للبوصلة فتارة تؤيد الدولة المركزية وتارة تدعم جماعات الصحوة المحلية وتدعم تسليحها، وهما هدفان متعارضان على المدى البعيد.

أما الثابت في الإستراتيجية الأميركية في عهد بوش تجاه الشرق الأوسط فهو أسوأ أبعادها، ألا وهو التشدد والسعي للمواجهة والصدام وتجاهل الحوار والدبلوماسية في التعامل مع دول المنطقة.

ويشير التقرير إلى أن دولا مثل إيران وسوريا -والتي تشهد علاقاتها بواشنطن توترا شديدا وخلافا كبيرا في الفترة الحالية- عرضت على إدارة بوش التعاون معها بأشكال مختلفة في الفترة التالية لأحداث 11 سبتمبر وحرب العراق، ولكن الإدارة الأميركية رفضت عروض التعاون وفضلت الصدامية وإستراتيجية الهجوم المتواصل والذي وصل إلى المناداة بإسقاط النظم والتهديد المستمر بالحرب.

ثلاثة محاور وثلاث مشكلات
سياسة بوش السابقة وعوامل أخرى تعاني منها المنطقة كغياب الديمقراطية وسيطرة نظم سلطوية تسيطر عليها الرغبة في البقاء وإضعاف المعارضة والمجتمع المدني وغياب القوى العلمانية الليبرالية ذات النفوذ -والتي ترغب واشنطن في التعاون معها- ساهمت جميعا في دخول المنطقة في أوضاع مستشكلة وشرق أوسط جديد أكثر سوءا من القديم تسيطر عليه ثلاثة محاور من الصراع.

هذه المحاور هي المحور الإيراني-العراقي، والمحور السوري-اللبناني، والمحور الفلسطيني-الإسرائيلي، بالإضافة إلى ثلاث مشكلات وهي غياب الحريات وتراجع الديمقراطية، والطائفية، وأسلحة الدمار الشامل.

ويرى التقرير أن المحور الإيراني العراقي هو الأكثر تهديدا للأمن الأميركي، نظرا للتوغل الأميركي الراهن في العراق، ويشير مؤلفو التقرير إلى أن اتفاقية وقف الحرب العراقية-الإيرانية حرصت على ضمان توازن القوى بين الطرفين.

كما أن أميركا تدخلت بالحرب في التسعينات لكي تضمن أن توازن إيران العراق والعكس، ولكن هذا التوازن الهام انهار عندما غزت أميركا العراق، مما أدي لانهيار التوازن الإقليمي في الخليج بشكل صارخ لصالح إيران، والتي باتت تشكل تهديدا كبيرا لدول الخليج ولمصالح أميركا هناك.

"
التقرير يأسف لأن أميركا حولت العراق لدولة "فاشلة" يستعصي على أهلها إصلاحها في المدى المنظور، ويأسف أيضا من أن "العراقيين أنفسهم وأميركا لا يمتلكون في اللحظة الراهنة خطة لإعادة العراق من حالة الانهيار" التي يعيشها
"
ويأسف التقرير من أن أميركا حولت العراق لدولة "فاشلة" يستعصي على أهلها إصلاحها في المدى المنظور، ويأسف أيضا من أن "العراقيين أنفسهم وأميركا لا يمتلكون في اللحظة الراهنة خطة لإعادة العراق من حالة الانهيار" التي يعيشها، كما يأسف لعدم وضوح الرؤية الأميركية في التعامل مع الجماعات العراقية المتضاربة المصالح، ولأن السياسات الأميركية في العراق قصيرة النظر والمدى والمفعول.

ويقول التقرير إن إيران تعاونت مع أميركا ضد القاعدة في أفغانستان وعرضت على أميركا التعاون بعد سقوط صدام حسين، ورد دونالد رمسفيلد وزير الدفاع الأميركي السابق متنبئا بأن سقوط نظام صدام حسين سوف يعجل بثورة الإيرانيين على الحكومة الإسلامية.

وهو موقف يوضح جهل إدارة بوش بحقائق ما يجري بدول الشرق الأوسط، وميلها غير المبرر للصدام، وتفضيلها للأيديولوجية على البراغماتية، في حين أن إيران بدت أحيانا قادرة على تغليب مصالحها على أيديولوجيتها.

وعلى صعيد المحور اللبناني-السوري ينتقد التقرير القيادات السياسية اللبنانية بشكل عام، مشيرا إلى أن غالبية القوى السياسية اللبنانية الموجودة حاليا غيرت مواقفها السياسية الحالية في السابق وتحالفت مع أعدائها الحاليين في الماضي، مما يجعل الوضع في لبنان "أكثر تعقيدا" من الصورة التي تحاول إدارة بوش رسمها له.

كما يشير التقرير إلى سوريا على أنها دولة تسعى إلى أن تضمن لنفسها لعب دور إقليمي ما في الشرق الأوسط، وأن نفوذها في لبنان جزء من هذا الدور، وهو نفوذ يصعب التخلص منه على المستوى القريب، ويقول التقرير إن سوريا عرضت التعاون على أميركا بعد غزو العراق وأن أميركا سبق لها واعتمدت على سوريا في الحفاظ على استقرار لبنان في التسعينيات.

أما بخصوص المحور الفلسطيني-الإسرائيلي، فيقول التقرير إن هناك شبه إجماع دولي اليوم على حل الدولتين وعلى غالبية تفاصيل الحل المنتظر، ولكن الإدارة الأميركية وسياساتها الداعمة لإسرائيل ساهمت في "تدمير قابلية نجاح" حل الدولتين.

ويقول التقرير إن بوش كان "جريئا" في أطروحاته الخاصة بإحلال السلام، حيث تحدث بوضوح عن ضرورة قيام دولة فلسطينية، وتحدث عن ضرورة تناول قضايا الحل النهائي بعد مؤتمر أنابوليس.

"
بوش جعل من القضية الفلسطينية الإسرائيلية مهمة "مستحيلة" لوارثيه خاصة بعد إصابة الدول العربية بالإحباط من مبادرات بوش
"
ولكن المشكلة هي أن رؤى بوش الجريئة لم تتبعها سياسة حقيقية لتحقيق السلام، وأن سياسة بوش تجاه السلام "لم تكن فقط متقطعة ولكنها كانت أيضا قصيرة النظر ومتضاربة أحيانا".

كما ظهر أحيانا صراع بين حمائم وصقور بوش بخصوص سبل إحلال السلام، وذلك لدرجة أن الإدارة كانت ترسل مبعوثيها الدبلوماسيين للشرق الأوسط حاملين أفكارا مهادنة نسبيا، وفور وصول هؤلاء للمنطقة ينصب عليهم غضب صقور الإدارة بواشنطن.

ويقول التقرير إن بوش جعل من القضية الفلسطينية الإسرائيلية مهمة "مستحيلة" لوارثيه خاصة بعد إصابة الدول العربية بالإحباط من مبادرات بوش.

الديمقراطية.. النفط في مواجهة إسرائيل
أما فيما يتعلق بأجندة نشر الديمقراطية فيشير التقرير بجرأة وواقعية لا تخلو من براغماتية إلى أن مصالح أميركا في الشرق الأوسط تتعارض مع القيم الأميركية على المستوى المنظور، وذلك لأن مصالح أميركا الأساسية في المنطقة متضاربة.

ويحدد التقرير مصالح أميركا في المنطقة بأمرين أساسيين وهما الحفاظ على أمن إسرائيل والحفاظ على تدفق نفط الشرق الأوسط، ويقول إنهما هدفان "متعارضان" في معرض حديثه عن مساعي أميركا لنشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

ويقول التقرير إن مصالح أميركا تدفعها للتعاون مع قوى الاستقرار في المنطقة وهي الدول الكبيرة الحليفة لأميركا وعلى رأسها مصر والسعودية، ويقول إن مساعي أميركا القوية لنشر الديمقراطية عبر العالم في أوائل التسعينيات -وهي الفترة التالية لتفكك الإتحاد السوفيتي- مرت مرور الكرام على الشرق الأوسط.

كما يقول إن إدارة بوش وجدت نفسها مضطرة للتخلي عن أجندة نشر الديمقراطية بعد أخطائها في العراق، والتي فرضت عليها طلب المساعدة من الدول العربية الكبرى، والتي أذاقتها الإدارة انتقادات لاذعة ومارست عليها ضغوطا مختلفة بدعاوى الديمقراطية.

كما يقول التقرير إن أميركا تريد التعاون مع أحزاب علمانية ليبرالية في الشرق الأوسط، ولا تميل للتعامل مع الإسلاميين وهم القوى الرئيسية الموجودة بين الجماهير العربية، ويعني ذلك أن أميركا يجب أن تنظر إلى مشروعها لنشر الديمقراطية على أنه مشروع يطبق على المدى البعيد.

البحث عن توازن قوى إقليمي
التقرير المكون من حوالي أربعين صفحة يحتوى في ثلثه الأخير على عدد هام من التوصيات السياسية الجريئة لمستقبل السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.

"
إحداث تقدم حقيقي في عجلة السلام قد يعطي العرب حافزا لإشراكهم في عملية السلام وفي احتواء حماس والضغط عليها للقبول بحل الدولتين كما حدث في أوائل التسعينيات حين لم تتمكن حماس من الوقوف ضد الأحداث التي قادت لاتفاقيات أوسلو
"
ومن أهم تلك التوصيات دعوة الولايات المتحدة للتخلي عن سياسة اليد الثقيلة والطويلة في التعاون مع المنطقة بسبب رفض الشعوب العربية لتلك السياسة، والعمل على بناء توازن قوى إقليمي يضمن مصالح أميركا ويعادل القوى الإقليمية المختلفة في الشرق الأوسط دون تدخل أميركي مباشر.

كما يطالب التقرير أميركا بشكل عام بتغليب الدبلوماسية على المواجهة، والمصالح عن الأيديولوجية والتخلي عن سياسة الصدام التي تخصصت فيها إدارة بوش.

وينصح التقرير العرب بأن يتحلوا بقدر من الواقعية في التعامل مع أميركا خاصة في ملف الديمقراطية، وأن يدركوا أن القيم والمصالح الأميركية قد لا يتلاقيان أحيانا، ويطالب أميركا بالتخلي عن سياساتها الصاخبة والسعي لفهم حقيقة ما يجري في الدول العربية والعمل في صمت لنشر الديمقراطية على المدى البعيد.

وينصح التقرير أميركا باتباع منهج يمزج الدبلوماسية والاحتواء في التعامل مع إيران والاعتماد على قوى إقليمية لمواجهتها، كما ينصح بالسماح لسوريا بلعب الدور الإقليمي المحدود الذي تنشده في المنطقة والعمل معها لإيجاد حل للأزمة اللبنانية وتحقيق استقرار لبنان.

كما يطالب التقرير أميركا بالعودة لحكومة الوحدة الوطنية في فلسطين، وأن أقصى ما يمكن الوصول إليه هو نوع من "السلام البارد" بين العرب وإسرائيل القائم على حل الدولتين وذلك على نظير السلام بين مصر وإسرائيل حاليا.

كما يرى التقرير أن إحداث تقدم حقيقي في عجلة السلام قد يعطي العرب حافزا لإشراكهم في عملية السلام وفي احتواء حماس والضغط عليها للقبول بحل الدولتين، كما حدث في أوائل التسعينيات حين لم تتمكن حماس من الوقوف ضد الأحداث التي قادت لاتفاقيات أوسلو.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك