عرض/محمد تركي الربيعو
لا يزال العالم الإسلامي منذ قرون عديدة يواجه سؤالا مهما هو لماذا تأخرنا وتقدم الغرب، وكيف السبيل إلى نهضة إسلامية جديدة تواكب التحديات العالمية الحديثة، وكيف نتعامل معها.
 
وفي هذا السياق صدر عن دار الفكر في دمشق ضمن سلسلة حوارات لقرن جديد كتاب بعنوان "مستقبل الإسلام في الغرب والشرق" لكل من الدكتور عبد المجيد الشرفي بوصفه مثقفا من الشرق، والدبلوماسي الألماني مراد هوفمان الذي اعتنق الإسلام سنة 1982.

- الكتاب: مستقبل الإسلام في الغرب والشرق
- المؤلف: عبد المجيد الشرفي ومراد هوفمان
- الصفحات: 280
- الطبعة: الأولى/2008
- الناشر: دار الفكر، دمشق
المسلمون والمستقبل
يقدم د.الشرفي في بداية هذا القسم مدخلا لدراسته، حيث يرى أن السؤال عن المستقبل جديد على الفكر الإسلامي لأسباب عديدة، منها أن المسلمين قد عاشوا قرون عديدة سادها ركود حضاري لا يترقبون فيه إلا قيام الساعة الوشيك، وكان همهم منصبا على رصد علاماتها والاستعداد لنهاية العالم، مع قناعتهم بأن استشراف المستقبل يدخل ضمن ما يخفيه الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وهذا ما أدى إلى غياب التخطيط العقلاني عن الممارسة الإسلامية المعاصرة.
 
ومع إقرار المؤلف بصعوبة الاتفاق على ملامح المستقبل، إلا أن في خطوط تلك الملامح قدرا أدنى من الاتفاق على خصائص الماضي والحاضر. ويضيف المؤلف أن المسلمين منذ وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) يعانون غيابا في الإجماع بين تياراتهم المختلفة على قضايا تتعلق بالسياسة والقانون والنظرة إلى الآخر.

إلا أن الأمر الوحيد الذي ليس محل خلاف بين مختلف الأطراف هو الاعتراف بأن الإسلام ليس في وضع جيد اليوم، وأن ضعفه في حاجة إلى تدارك جذري سريع، إضافة إلى التغيرات الهائلة والمهمة التي شملت كل نواحي الحياة الحديثة من علوم إنسانية واجتماعية، مرورا بالثورة الرقمية التي قلصت المكان والزمان وما تبعه من تغير في موقع الدين بصفته عمدة في تفسير الظواهر الاجتماعية والطبيعية، ليتحول إلى رافد ثانوي في تفسير الظواهر الإنسانية ونقدها.

ومستقبل المسلمين هو في الدرجة الأولى من صنع أنفسهم، وذلك على الرغم من إظهارهم الخشية من هذه التغييرات الجارفة، والتي يعزوها الكاتب برأيه إلى أن معظم المسلمين ينتمون إلى العالم الذي لم يسهم في إنتاج الحداثة بل تلقاها بصفتها مفروضة عليه وأمرا واقعا.
 
"
النص القرآني محوري في الإسلام، ويمثل المرجع والأساس لمعتقدات المؤمن ولسلوكياته، لكن الإشكالية تكمن في العمل على فهم النصوص وإيجاد تأويل جديد لها
"
التفسير القرآني وعلم الكلام

يتطرق هذا الفصل إلى عدد من المشاكل التي تثيرها العلوم الإسلامية من منظور حديث واستشرافي، حيث يؤكد على محورية النص القرآني في الإسلام، الذي يمثل المرجع والأساس لمعتقدات المؤمن ولسلوكياته، لكن الإشكالية تكمن في العمل على فهم النصوص وإيجاد تأويل جديد لها.

ذلك أن البحوث اللسانية الحديثة تؤكد أن كل نص مهما بدا واضحا فإن فهمه يخضع في نهاية المطاف للغة التي كتب بها، ولشخصية القارئ وثقافته، وهذا ما يفسر تنوع التفاسير القرآنية في القرنين الأخيرين، والتي حاول أصحابها مسايرة المعطيات الجديدة التي طرأت على حقل المعرفة الإنسانية.
 
ومثال ذلك تفسير الشيخ محمد عبدة الذي يطرح الكثير من التأويلات الأشعرية، وتفسير "في ظلال القرآن" لسيد قطب الذي قام بتوظيف النص القرآني لغاية التعبئة السياسية.

ويرى الكاتب أنه بالرغم من تعدد هذه التفاسير، هنالك وعي ناقص يتعلق بالظروف والتطورات المعرفية في الخطاب التفسيري، والتي يعزوها برأيه إلى الحواجز التي وضعها العلماء المسلمون في القديم وجمعوها فيما يسمى بـ"علوم القرآن".
 
ولذلك فإنه على العامل في مجال التفسير قبل الخوض في عملية محفوفة بالمخاطرة في مستوى ترجمة الكلام الإلهي، وسعيا منه في الاستجابة لتطلعات المسلم المعاصر وهو يقرأ نصه المقدس، أن يركز على عدة قضايا، أولها العدول عن الكثير مما هو متداول في التفاسير الكلاسيكية، ذلك أنه لم يتوفر للسلف من المعارف ما توفر للمعاصرين.

وثانيها تطبيق المناهج النقدية التي توظف العلوم الحديثة وتحاول المقارنة بين ما جاء في المصحف وما كشفته الحفريات، والاستفادة من القراءات المختلفة للمصحف العثماني الشائعة منها والشاذة وغير الرسمية كمصحف ابن مسعود.
 
وضمن هذا السياق يحاول الشرفي طرح بعض تأويلاته لتكون مدخلا لقراءة تفسيرية جديدة، عندما يتحدث عن الوحي باعتباره تعبيرا عن التجربة النبوية المتميزة، غير أن هذه التجربة برأيه لا تلغي التأثيرات المجتمعية والثقافية والنفسية التي لم يكن النبي بمعزل عنها، وأثر تلك العوامل في صياغة النص القرآني في صيغته الشفوية الأصيلة قبل أن يدون في المصحف.

وكذلك الأمر بالنسبة لمقولة ختم النبوة، حيث يرى المؤلف أنها لا تعني الحلقة الأخيرة من سلسلة النبوات، بل هي خروج من مرحلة الطفولة البشرية إلى مرحلة نضجها، وبالتالي فإن الرسالة المحمدية تضع حدا لاتكال الإنسان على القوى الغيبية وتفتح أمامه آفاقا شاسعة للعمل والإبداع بوسائله الذاتية.
 
الطقوس
لا يوجد دين من الأديان يخلو من عبادات وطقوس، لكن المشكلة هي أن هذه الشعائر قد اكتسبت على أيدي الفقهاء والمتصوفين مكانة أكبر من حجمها، وبالتالي لا بد من تأويل بعض الشعائر الدينية كالصلاة التي يرى الكاتب بأن عدم نص القرآن على كيفية أدائها مقصود، وبأن الطقوس التي يطبقها المسلمون أثناء تأديتهم للصلاة إنما هي من باب "الثوابت الزائفة" والمسلمات المغلوطة.

وكذلك الأمر بالنسبة لضرورة تعدد مواسم الحج، طالما أن الأمر ينبع من الروح وأن الغاية لابد من أن تتقدم على الأداء الشكلي.
 
العلمانية
يحاول الباحث بعد استعراضه لأهم مشكلات الفكر الإسلامي التعرض لبعض القضايا النظرية المطروحة عليه، في سعيه للتأقلم مع الظروف المنتظرة والتكيف مع المعرفة الحديثة. ولعل أهم هذه النماذج هي العلمانية. إذ يرى أن الشعارات المعادية والرائجة ضد فكرة العلمانية يمكن ردها إلى ثلاثة عوامل.
 
أولا الخلط الذي يحدث لدى المسلمين بين الشريعة والفقه، في حين أن الشريعة إلهية، بينما الفقه هو ثمرة استنباط الأحكام، وهو خاضع للخطأ والصواب.
 
وثانيا الحنين إلى الإسلام الذهبي ووقوع البلدان الإسلامية في براثن الاستعمار الأجنبي، وثالثا مصلحة الحكام الذين رأوا في تطبيق الشريعة ومحاربة العلمانية الوسيلة الأنجع في التخلص  من المحاسبة وتواصل الاستبداد. وينبه إلى أن أخطر شيء في الدعوة إلى العلمانية هي تحولها إلى أيديولوجيا معادية للدين، مع العلم أنها ليست مثالية، إضافة إلى أن القوانين الدينية لا تخلو أيضا من محاسن.

كما يشير الكاتب إلى عدة مشكلات يتعرض لها العالم الإسلامي، ولعل أهمها انقسام المسلمين منذ "الفتنة الكبرى" وكذلك تعرضهم لسياسات دولية راهنة تبحث عن مصالحها الإستراتيجية مع بقايا حقد تغذيه الكنيسة تجاه الإسلام. ويكمن الحل برأيه في نظرة جديدة إلى التاريخ الإسلامي، ونشر التعليم والتخلص من النظرة السلفية.
 
"
هناك عودة نحو التدين وإن كان ذلك لا يلاحظ في المجتمعات الأوروبية حيث إن الكنائس تفقد أتباعها بشكل كبير، أو تحول أعياد الميلاد إلى عطلة أسرية استهلاكية غير أننا نجد نزعة معاكسة في الولايات المتحدة حيث المطالبات الكثيرة بزيادة الوعي الديني في المجالات العامة

"
النظر إلى الوراء

يتضمن القسم الآخر من الكتاب دراسة الكاتب الألماني مراد هوفمان، حيث قرر الباحث منذ البداية السير في الاتجاه المعاكس للأيديولوجيات التي تبخس دور وأهمية الدين وعلاقته بالعلم، ويحاول متابعة حركة التدين من بداية القرن الثامن عشر في أوروبا، عندما استطاع الفيلسوف كانت والكثير من عمالقة الفكر في تلك الفترة أن يهزموا بعقلانيتهم البراهين على وجود الله.

وكانوا عندها من منتقدي الكنائس وعقائدها وإساءات رجال الدين، وقد ترتب عن هذا تحول القرن التاسع عشر إلى المادية بفضل بعض المفكرين من أمثال داروين وماركس.

ثم تطور الأمر في القرن العشرين ليتم الاستعاضة عن الدين بالأيديولوجيات من فاشية ونازية وستالينية، التي خلفت نتائج وخيمة يعرفها الجميع.
 
أما في القرن الواحد والعشرين فإن هناك عودة نحو التدين وإن كنا لا نلاحظ هذا الأمر في المجتمعات الأوروبية حيث إن الكنائس تفقد أتباعها بشكل كبير، أو تحول أعياد الميلاد إلى عطلة أسرية استهلاكية.

غير أننا نجد نزعة معاكسة تماما في الولايات المتحدة الأميركية، حيث المطالبات الكثيرة بزيادة الوعي الديني في المجالات العامة، وكل هذه العوامل أدت حسب رأي الكاتب إلى انهيار خطاب العقل الذي حفظ الفكر الغربي في عصر التنوير. ولذلك فإن اتهام المسلمين بكونهم أضاعوا فرصة التنوير التي لاحت لهم هي ضرب من الفحش والقذارة.
 
العلم الجديد والصوفية الحديثة
يتضح مقصد هوفمان من قراءته لتاريخ التدين عندما يبحث في العلاقة الجدلية بين العلم والدين، حيث أصبحا متناقضين في القرن التاسع عشر.
 
ويغذي هذا الرأي مليشيات فكرية ملحدة تعتقد بأن التقدم لا يصوغه إلا الإنسان المسمى بـ"مشروع الحداثة" مع ما آلت إليه الأحوال من تحول الاشتراكية إلى بلشفية، وخيبة أمل علماء القرن التاسع عشر في إيجاد قاعدة عالمية تفسر بداية الكون ومستقبله، وظهور تطورات علمية تمت هذه المرة على يد عباقرة الرياضيات والفيزياء وليس على يد الفلاسفة وعلم اللاهوت، خاصة النظرية النسبية الخاصة والعامة التي غدا العلم عبرها افتراضيا.
 
وكذلك ظهور علم ما بعد الرياضيات الذي رأى بأن وصف العالم رياضيا يعد أسلوبا للاقتراب من الحقيقة وهو ما عبر عنه أينشتاين بقوله إن "العلم أعرج من دون دين".

كل هذه الأمور وغيرها أدت إلى تسلل الدين الذي كان قد أخرج من الباب الأمامي ليعود مرة ثانية من الباب الخلفي، وإلى ظهور رؤية علمية صوفية تعطي أهمية كبيرة للدين.
 
ويرى الكاتب أن إعادة الأهمية للدين تفاجئ أولئك الذين يؤمنون بالحداثة بطريقة أسطورية وثنية جديدة، وأن القناعة بأن العلم والدين لا يلتقيان لم تعد حقيقة أبدا.

"
المستقبل العالمي للإسلام مرتبط في أنحاء العالم بظهور دور المسلمين الغربيين الذين لن يتقدم دورهم إلا إذا تجاوزوا حالة التشرذم بين الجاليات في الخارج، وأن يرتبطوا جميعا بالأمة الإسلامية من دون إحياء للخلافة أو وجود مركز سياسي
"
الشرق المسلم

يتناول هذا الفصل التطورات والأحداث التي تؤثر على مستقبل الإسلام في الشرق وأولها التربية العامة، ففي حين بدأ الإسلام بالأمر الإلهي "اقرأ" نجد أن هناك فضيحة حضارية متمثلة في أن المسلمين أكثر الشعوب أمية.

وثانيها أن معظم البلدان الإسلامية لم تشف فكريا من مرحلة ما بعد الاستعمار، مع تجسيدها لأنظمة دكتاتورية رأت في الإسلام خطرا عليها، فعملت على تقليص مفهومه إلى مجرد أخلاقيات فردية.
 
وهذا ما أدى إلى انصراف المسلمين إلى مظاهر غير جوهرية في عقيدتهم كتفاصيل الوضوء ومصافحة المرأة. بالإضافة إلى أن محاولات المسلمين التي سعت إلى "أسلمة المعرفة" باءت بالفشل، ذلك أن العلم الحقيقي ليس أيديولوجيا. وثالثها اعتبار المرأة في الإسلام مواطنة من الدرجة الثانية وعدم فهم الآية القرآنية "الرجال قوامون على النساء".

في الغرب غير الإسلامي
يتحدث هوفمان في هذا الفصل عن مستقبل الإسلام في الغرب الذي يتعرض لمشاكل عديدة، منها ما يسميه الكاتب "شرك العرقية والأوطان" وتحول الجاليات المسلمة إلى غيتوات داخل المدن الغربية تتميز بخصوصيتها القومية مثل التركية والفارسية والعربية.
 
وأدى هذا الأمر إلى صعوبة إيجاد تمثيل عام للمسلمين، بالإضافة إلى ما يتعرض له المسلمون من تحامل ضد الإسلام والذي يجد جذوره ابتداء بالحروب الصليبية، وحصار العثمانيين لفيينا، ومرورا بالتشويه الإعلامي الذي يتعرض له المسلمون بعد الحادي عشر من سبتمبر، وسعي الغرب لإيجاد تيار "الإسلام الأوروبي" الذي لا مساجد له ولا صوم في رمضان، وإنما يقتصر على الإيمان في المنازل.

الطريق إلى الأمام
في نهاية بحثه يرى الكاتب أن المستقبل العالمي للإسلام مرتبط في أنحاء العالم بظهور دور المسلمين الغربيين الذين لن يتقدم دورهم إلا إذا تجاوزوا حالة التشرذم بين الجاليات في الخارج، وأن يرتبطوا جميعا بالأمة الإسلامية من دون إحياء للخلافة أو وجود مركز سياسي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك