عرض/منتصر حمادة
بين أيدينا كتاب يحمل عنوان "الإسلام والعولمة والإرهاب" صدر مؤخرا في السوق المغربية، ومع أنه يتمحور حول عناوين كبيرة من قبيل الجمع في العنوان بين الإسلام والعولمة والإرهاب، فإن فحوى هذا العمل تشفع للمشرف عليه أن يلجأ لمخرج كهذا مادام يوجز أبرز ما حررته العديد من الأقلام الفرنسية والأميركية وبعض الأقلام العربية كالراحل إدوارد سعيد ومحمد أركون خلال السنين الأخيرة، في ملف الإسلام والعولمة، وظاهرة الإرهاب العابر للقارات.

- الكتاب: الإسلام والعولمة والإرهاب
- المؤلف: جاك دريدا وآخرون
- إعداد وترجمة: عزيز لزرق
- الصفحات: 238
- الناشر: منشورات بابل، الرباط
- الطبعة: الأولى/2008

جاء المؤلف موزعا على ثلاثة فصول "عولمة الحاضر" وقد تضمن العناوين التالية: الاستنزاف، لمحة عن عالم بدون ملامح للفيلسوف الفرنسي الراحل جاك دريدا، وخطاب وأسطورة العولمة لعالم الاجتماع الشهير بيير بورديو، هل ستؤدي النزعة الكوكبية إلى توحيد العالم لدنيس ديكلو، العوالم البارزة والحضارات في المحك لجيرار لوكليرك، وأخيرا مقال نحو تقدم إنساني جديد لإدغار موران.

أما الفصل الثاني، فجاء تحت عنوان "عنف الحاضر" متضمنا العناوين التالية: العولمة والإرهاب لأحد أبرز رموز تيار ما بعد الحداثة الراحل جون بودريار، الإرهاب سلاح الأقوياء لنعوم تشومسكي، النظام العالمي الجديد والإرهاب لمدير تحرير شهرية لوموند دبلوماتيك الفرنسية إغناسيو راموني، الانفعال الاجتماعي لإدوارد سعيد، الإرهاب في العصر الإمبراطوري لبول دوميشيل، وأخيرا العالم في خضم الإرهاب للأميركي ستانلي هوفمان.

وأخيرا جاء الفصل الثالث تحت عنوان "إسلام الحاضر" وتضمن العناوين التالية: الإسلام والإرهاب لآلان تورين، الإسلام بين مفهوم الأمة والشعور بالإهانة لفتحي بن سلامة، الإسلام والعولمة لآلان روسيون، وأخيرا من أجل فهم الحركة الإسلامية للمفكر الجزائري محمد أركون.

الإرهاب والعولمة
يصعب تلخيص أهم ما جاء في هذا العمل التجميعي المترجم لسبب بسيط وجوهري، وهو أننا إزاء زبدة ما حررته ثلة من أبرز الفلاسفة والمفكرين الغربيين المعاصرين، ولذلك ارتأينا العروج على بعض الإشارات والتنبيهات لهذا المفكر أو ذاك.

ولعل ما يجمع ويؤطر هذا العمل، هو الورقة التمهيدية التي افتتح بها المؤلف/المترجم عمله هذا بالإشارة إلى أن تداعيات الحاضر المتمثلة في ثلاثية العولمة والإرهاب والإسلام، تضع حاضرنا في موقف حرج، إذ ترد الاعتبار لجدوى السؤال وقيمة التفكير وضرورة الفلسفة، لأنها تضع مرة أخرى موضع تساؤل العقل والدين والقيم والذات والغير.

ويضيف أن التناقضات التي يعج بها الحاضر تفتح المجال أمام نداء عودة الروح إلى المقاربات التحليلية التي ساهمت بالأمس القريب في قراءة مجهول الإنسان، وفي فك مغاليق المجتمعات وفي الإمساك بتلابيب الحاضر.

"
قدماء المحاربين في الحرب الباردة الذين يحيطون بالرئيس الأميركي ليسوا مستائين من المجرى الذي اتخذته الأحداث خلال السنين الأخيرة، وربما يرون في العنف الذي ضرب الغرب  فرصة ذهبية تعيد لهم معطى الخصم الذي حرمهم منه انهيار الاتحاد السوفياتي
"
ولننطلق بالذي صدر عن بول دوميشيل، حين حذر من أنه لا يمكن فهم الإرهاب والعنف المهيمن في الحاضر بدون ربطه بالعولمة، وأن الإرهاب يسعى إلى وضع النظام السياسي المهيمن موضع تساؤل، فهو مرتب بالإمبراطورية ومتواطئ معها.

صحيح أنه امتداد للسياسة بوسائل أخرى، لكنه يستقل بذاته بمعزل عن السياق السياسي الذي أفرزه.

إغناسيو راموني يعتبر أن قدماء المحاربين في الحرب الباردة الذين يحيطون اليوم بالرئيس الأميركي جورج بوش، ليسوا مستائين من المجرى الذي اتخذته الأحداث خلال السنين الأخيرة، وربما يعتقدون أن الأمر يتعلق بفرصة ذهبية، لأن الاعتداءات الإرهابية التي ترتكب في الديار الغربية، ستعيد لهم معطى إستراتيجيا أساسيا حرمهم منه انهيار الاتحاد السوفياتي طوال عشر سنوات، ألا وهو الخصم.

وحتى لا يتابع العسكريون الأميركيون بأي دعوى عقابا لهم على الأعمال التي اقترفوها في الخارج، فقد بدت واشنطن معادية لمشروع المحكمة الجنائية الدولية، وصادق مجلس الشيوخ منذ الوهلة الأولى على قانون يسمح للولايات المتحدة باتخاذ بعض الإجراءات التي قد تصل إلى حدود الاجتياح العسكري لبلد ما من أجل تسلم كل مواطن أميركي مهدد بأن يمثل أمام المحكمة الجنائية الدولية.

أما المفكر الفرنسي أوليفيه مونجان، فيذهب إلى أن الانطباع السائد بأن التهديدات الهوياتية والعولمة يؤديان إلى ظهور عنف داخلي مستشر يصعب التصدي له، سيعزز أطروحة "حرب الثقافات" التي فرضت نفسها بعد حرب الخليج على العقول خلال سنوات التسعينيات، وتؤكد فكرة أن مصدر التهديدات هو دائما مصدر خارجي.

إن "الاختلال العالمي الجديد" ليس وليد اليوم يضيف مونجان، ولكن السيناريو الذي يقوم على أساس الاعتقاد بأن التهديد يأتي من مصدر خارجي أجنبي هو اعتقاد مغلوط لأنه يتغذى من وهم، مفاده أنه يمكننا اجتثاث العنف الإرهابي من الداخل!

ويدقق في أكبر معضلة تواجهها الديمقراطيات هي: كيف يمكن أن تحمي نفسها من هذا الانحراف دون أن تجازف بنهج سياسة أمنية تؤثر على عقلية الديمقراطية ذاتها؟

من جهته، يفند إدغار موران أطروحة "نهاية القضايا الكبرى" مضيفا أننا نعيش اليوم في عصر القضايا الكبرى بامتياز: فالأمر يتعلق بمشكلة حياة أو موت بالنسبة للبشرية، على اعتبار أن القضية الكبرى هي أننا لم نستشعر بعد بما فيه الكفاية أننا مرتبطون بهذه الجماعة ذات المصير المشترك بفضل هذه الوحدة البشرية.

وواضح أن موران هنا، يحيلنا على الهم البيئي المشترك لدى ساكنة المعمورة، ولم يكن ينقصه سوى الاستشهاد باجتهادات إدوارد غولدسميث الذي فرض اسمه على المهتمين بالهم البيئي منذ عقود، ويكفي أن نعلم بأنه مؤسس مجلة ذي إيكولوجيست الذائعة الصيت، تم ذلك عام 1961، وهذه المجلة الرائدة في الفكر الإيكولوجي العالمي قد فرضت نفسها في الحياة السياسية في إنجلترا.

واختتم موران مقالته النقدية، بالإفصاح عن إيمانه العميق بعدم قدرة الغرب على الإتيان بمستقبل مشرق جديد "إنني أؤمن بوجود إمكانات للتقدم البشري، لكن حتى إن تحقق هذا التقدم، فإنه لن يكون ذا اتجاه واحد، ففي الدول الأوروبية تم القضاء على التعذيب في القرن التاسع عشر، ومع ذلك شهدنا حالات للتعذيب في القرن العشرين".

"
القوة الأميركية تقف وراء العنف المستشري في العديد من بقاع العالم، ومن المنطقي جدا أن يكون التصاعد الفظيع للقوة يثير إرادة تدمير ذاتي، فهي إذن متواطئة في تدمير نفسها
"
تدمير الذات
نأتي لاجتهادات أبرز رموز تيار ما بعد الحداثة في نسخته الفرنسية، ونتحدث عن الراحل جون بودريار الذي افتتح مقاله الشهري "روح الإرهاب" بنقد أداء النظام العالمي الجديد كما تصور الرئيس الأميركي جورج بوش الأب، متهما إياه بالوقوف وراء ثلة من النزاعات الدموية القائمة اليوم.

وأشار بودريار بصيغة مباشرة إلى أن القوة الأميركية غير المحتملة تقف وراء العنف المستشري في العديد من بقاع العالم. إنه من المنطقي جدا أن يكون "التصاعد الفظيع للقوة يثير إرادة تدمير ذاتي" فهي إذن "متواطئة في تدمير نفسها".

وهذا تفسير قلق، من منظور أميركي بالطبع، اطلعنا عليه في العديد من القراءات الفكرية المحسوبة على المجال التداولي الغربي، منها إشارة بول كنيدي إلى أن "عقلية الهيمنة والقهر تفضي بصاحبها نحو موت أو انهيار ذاتي محقق".

ومعلوم أن مقالة "روح الإرهاب" لجون بودريار اعتبرت أبرز ما حرره العقل الفلسفي في المجال التداولي، في معرض تقييم هجمات نيويورك وواشنطن، موجزا ما جرى في هذا اليوم بالتأكيد على أن العنف لا يفرز إلا عنفا مضادا، أو بعبارة أخرى، العنف المتحرك ينقلب مع الزمن ضد نفسه كما تشير إلى ذلك معطيات ميدانية سوداء في العالم بأسره، وكما أقرت بذلك مريم ريفو دالون عندما استنكرت بشدة خلفيات الإمضاء الثقافي الغربي على وثيقة الانتماء "لصف الآه" الأميركي الذي سطره مدير يومية لوموند جان ماري كولومباني في اليوم الموالي للهجمات تحت شعار "كلنا أميركيون".

بالفعل "كلنا أميركيون" تشير دالون، ولكن "كلنا مطالبون بالاكتراث بملايين الأموات المحسوبين على فضاء هوياتي مغاير، ذهبوا ضحايا لنظامنا الغربي".

بالطبع، لا تتردد مريم دالون في إدانة الاعتداءات، ولن تتردد أيضا في التعبير عن عدم الاستغراب من هجمات "كانت متوقعة، من منطلق أن العنف الرجعي يبقى وليدا للقمع غير الإنساني لنسق غربي قائم على ادعاءات لا إنسانية اتجاه الآخر".

يتخذ العنف عند فيلسوفنا الفرنسي ما بعد الحداثي صفة "الإرهاب" تارة وصفة "الرعب" تارة أخرى، واصفا أصولية المتنازعين (أصولية بوش مقابل أصولية بن لادن) بـ "صراع قائم بين جذرية تفرض نفسها عبر التضحية" كما حصل مع العمليات الانتحارية ضد مركز التجارة العالمي، وبين جذرية تفرض نفسها عبر القوة، أو عبر العنف الأميركي المؤسساتي.

وكانت إحدى نتائج هذا النزاع بزوغ نوع من "الاحتقان العالمي سوف يفرز بدوره إرهابا يجسد عميلا مزدوجا" مختتما قراءته بالإشارة إلى أن "طاقة العنف التي تغذي الرعب أكثر من أن تكون أيديولوجية مذهبية أو دينية": "إسلامية" عند أسامة بن لادن، "تطهرية" عند جورج بوش.

الإرهاب.. من المستفيد؟
وعليه فإن "جميع أساليب الردع والترهيب لن تقف أمام إرادة انتحاريين جعلوا من الموت سلاحا للرد المضاد: لا يهم القصف الأميركي هناك في أفغانستان ما دامت رغبة الموت عند الطرف الآخر تعادل رغبة الحياة عند رعاة النظام العالمي الجديد".

أما المفكر الأميركي نعوم تشومسكي فيبقى مؤهلا أكثر من غيره للخوض التفصيلي الدقيق في تعريف "ماهية" الإرهاب، لاعتبارات عدة لعل أهمها استفادته الكبيرة من حقل علم اللسانيات، فهو أحد أقطابه، ومنها أيضا تأمل ما جاء في مؤلف له حول الموضوع يحمل عنوان "الإرهاب الدولي.. الأسطورة والواقع".

يبقى الإرهاب حسب تشومسكي ما يتم تحديده في الوثائق الرسمية الأميركية هو "الاستخدام المدروس للعنف أو التهديد بالعنف لتحقيق الأهداف السياسية، أو الدينية أو الفكرية في طبيعتها".

ولكن إلى جانب المعنى الحرفي للتعبير، يوجد أيضا استعمال دعائي هو لسوء الحظ، المعنى القياسي أو المعياري: يستعمل تعبير "الإرهاب" ليشير إلى الأفعال الإرهابية المرتكبة من قبل الأعداء ضدنا أو ضد حلفائنا (أعداء أو حلفاء الإدارة الأميركية) وهذا الاستعمال الدعائي هو عمليا عالمي.

"
المستفيد من الحرب على الإرهاب هو الدول التي فقدت سيادتها كي تتمكن من مضاعفة المراقبة على الأشخاص، مما يعني تقديم تبريرات جديدة من أجل التعدي على حقوق الفردية تحت ذريعة الحفاظ على الأمن العام
"
فأي إنسان "يدين الإرهاب" بهذا المعنى للتعبير، حتى النازية أدانت بقساوة الإرهاب ونفذت ما يسمى "الإرهاب المضاد" ضد أنصار الإرهاب.

علاوة على ذلك، جميع هذه الأمور يجب أن تعرف جيدا، ومن العار أنها غير معروفة، هذه أمور يجب أن يعرفها الناس إذا أرادوا أن يفهموا أي شيء عن أنفسهم. الضحايا هم بالتأكيد يعرفونها ولكن المجرمين يفضلون أن ينظروا باتجاه آخر.

مهم جدا تقييم تشومسكي، لما صدر عن "الزعيم الأخلاقي" مايكل والترز، (وأحد الموقعين على بيان المثقفين الأميركيين الشهير الذي "يُشَرْعِن" أسس الحرب ضد الإرهاب) حيث طالب "بحملة فكرية، تجمع كل الحجج والأعذار للإرهاب" كما هو في مخيلته.

ثم يتابع بطريقة تقليدية، ليحشر نفسه بين أولئك الذين يؤيدون اغتيال إسرائيل للفلسطينيين الذين تدعي أنهم يدعمون الإرهاب، ولا حاجة لتقديم البراهين أو اعتبارها ضرورية، وفي عدة حالات يبدو حتى الشك لا مبرر له، مفضلا الحديث عن "الروايات الحماسية والمشوهة جدا" أو "الحصار المضروب على العراق والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني".

من الممكن أن والتزر باستخدامه "الروايات الحماسية والمشوهة جدا" يشير عرضا إلى تصريح وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت عندما سئلت تلفزيونيا عن رأيها بموت نصف مليون طفل من أطفال العراق تقديرا نتيجة لنظام العقوبات، إذ اعترفت أن مثل هذه العواقب كانت "خيارا صعبا" لحكومتها، ولكنها قالت "نحن نظن أن الثمن يستحق ذلك".

مفكر أميركي آخر، لا يترك مناسبة دون توجيه النقد المزدوج ضد الكل: ضد الذات الغربية وضد الذات الغيرية، ويتعلق الأمر بستانلي هوفمان، ويرى أن المستفيد من الحرب على الإرهاب هو الدول التي فقدت سيادتها والتي ستتمكن من مضاعفة أنواع المراقبة على الأشخاص، مما يعني تقديم تبريرات جديدة من أجل التعدي على حقوق الفردية تحت ذريعة الحفاظ على الأمن العام.

إن توقع حدوث الأسوأ ليس دائما بالتأكيد، فمن الممكن جدا أن يكون ميل الدول مثل الولايات المتحدة المهددة بالإرهاب، إلى التدخل عالميا من أجل ردعه، ميلا محملا بلزوم الحذر وبضرورة أن تعطي الحكومات الأولوية للمشاكل الداخلية المتعددة. ولكننا نخشى أن يقودنا هذا التدخل الأميركي في جميع الاتجاهات إلى الإعلان عن نوع من الانقياد وراء "كابوس كوني".

نختتم هذا العرض بالتوقف عند اجتهادات المستشرق الفرنسي آلان روسيون، وتتأسس بدورها على اجتهادات نقدية ومقارنة في أطروحات أبرز الباحثين الفرنسيين الذين اشتغلوا على ملف الحركات الإسلامية، ونتحدث عن أوليفيه روا وجيل كيبل وفرانسوا بورغات، مدققا أكثر فيما صدر عن أوليفيه روا.

والمعروف أنه كان السباق إلى الحديث عن "أفول الإسلام السياسي" عام 1992 الذي يرى تقاطعا مع ما يشير إليه آلان روسيون، أن الحركات الإسلامية الجهادية تخوض الآن معركة ضد الغرب.

ومرد ذلك أن الحركات الإسلامية الكبرى الكلاسيكية من قبيل جماعة الإخوان المسلمين تخلت عن النزعة الأممية، وتم تفريغها من الحمولة الأيديولوجية ودخلت في قالب اللعبة السياسية كقوة وطنية، معنية ببرنامج يدرج محاربة الفساد في إطار النزعة المحافظة والنزعة الوطنية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك